تتزاحم الأجندات الخارجية في لبنان، ويتّخذ بعضها شكل برامج إصلاح. يقف الشعب اللبناني متفرّجاً كأنّ هذه الأرض بلا شعب. يتردّد المثقّفون في التوافق على برنامج حدّ أدنى، وكأنّ ليس لهم رأي. ويُهمّش منهم من راكموا معرفة ببلدهم تكوّنت بعمل دؤوب على مدى عشرات السنين.

في النقد الموجّه إلى البرنامج الحكومي للإصلاح بوصفه نسخة طبق الأصل عن برامج صندوق النقد الدولي، تمثّل الاعتراض الرئيس على هذا البرنامج في ثلاث نقاط: خفض سعر صرف الليرة الذي جعله البرنامج رسمياً، وغياب أي ذكر للسياسة الصناعية أو الاستراتيجية الصناعية فيه، وخلوّه من أية إشارة إلى إصلاح الإدارة العامّة كشرط لأيّ نجاح في الخروج من الأزمة (داغر، 6 / 2020). يقترح البرنامج الاقتصادي البديل المعروض أدناه، هذه النقاط كمحاور في هذا البرنامج.

1 ــ تثبيت سعر صرف الليرة
تتضمّن هذه الفقرة ثلاث نقاط هي كلفة خفض سعر صرف الليرة في تجارب لبنان السابقة والراهنة، وعدم جواز اعتماد التحليل الاقتصادي البحت لتفسير الانهيار الحالي لسعر صرف الليرة، واقتراح آلية جديدة لتثبيت سعر صرف الليرة.
في التجارب السابقة، وبسبب انهيار سعر صرف الليرة، بلغ معدّل التضخّم الوسطي لحقبة 1985-1992، 140% سنوياً. وارتفعت الأسعار خلال الفترة ذاتها أكثر من 11 ضعفاً. وعام 1991، كان راتب الأستاذ المتفرِّغ في الجامعة اللبنانية 200 دولار في الشهر. وقد تمّ تثبيت سعر صرف الليرة ابتداء من عام 1993، الأمر الذي أنهى حقبة التضخُّم في لبنان. وتراجع هذا الأخير من 120% خلال عام 1992، إلى 29% في السنة التالية. وكان معدّله الوسطي حتى نهاية التسعينيات، 5.3% سنوياً (داغر، 2002).
ولا ننسى أنّ انطلاق الهجرة من لبنان بشكل كارثي، ابتداءً من عام 1885 كان المتسبِّب الأول فيه، انهيار سعر صرف الليرة العثمانية آنذاك. وهو انهيار خفّض المدخول الناجم عن تصدير الحرير إلى 20% ممّا كان عليه. أما رصيد الهجرة فقد ارتفع بعد عام 1986، وهي السنة التي بدأ فيها التضخُّم الكبير، إلى 60 ألف لبناني سنوياً.
وكان توقف الحكومة عن تسديد الفوائد على سندات اليوروبوندز المستحقّة لسنة 2020 بدلاً من تأجيل الاستحقاق، بمثابة إعلان إفلاس للدولة اللبنانية واستدعاءً لتدخّل صندوق النقد الدولي. وانحصر همُّها بالحصول على قبول لها من طرف هذا الأخير. وقد جاء خفض سعر صرف الليرة كأول وأهم إجراء لها في البرنامج الذي أقرّته في آخر نيسان / أبريل. وكان الصندوق قد رفض مناقشة أول مشروع للحكومة مع سعر صرف يساوي 2950 ل.ل./د. وأوضح أنه لن يقبل مناقشة أي برنامج لا ينطوي على سعر صرف يساوي 3500 ل.ل./د. وهو لم يخرج قيد أنملة عن «سياسات التصحيح الهيكلي بواسطة سعر الصرف» التي اعتمدها بكثافة خلال الثمانينيات.
وبدا اعتماد 3500 ل.ل./د كسعر صرف جديد لليرة الللبنانية (ص 12) إجراءً فادح الكلفة بالنسبة إلى مجتمع بكامله. ولو اكتفينا بهذا السعر فقط، فهو كلّف اللبنانيين خسارة 60% من قدرتهم الشرائية. وفي مرحلة لاحقة، بعد نشر الحكومة لبرنامجها الإصلاحي، أصبح الصرّافون يحدّدون هم سعر صرف الليرة. وقبل توقيف نقيب الصيارفة، في الأسبوع الأول من أيار / مايو، كان هذا الأخير قد أوضح لمن يشغّلهم أنّ السعر سيكون خمسة آلاف ليرة في الأسبوع التالي (الأخبار، 8/ 5/ 2020). وخلال شهر تموز / يوليو، وصل سعر صرف الليرة في السوق الحرّة إلى 9000 ل.ل./د.
وجرى التوافق على أن يتولّى المصرف المركزي توفير دولارات لمستوردي المحروقات والأدوية والقمح، على أساس سعر للدولار يساوي 1500 ل.ل./د. الأمر الذي سمح بالإبقاء على أسعار هذه السلع على ما كانت عليه. ثم اتُّخذ في آخر أيار / مايو، قرار بتمويل سلّة من السلع الغذائية من قبل المصرف المركزي، لكن على أساس سعر للدولار يساوي 3200 ل.ل./د. أي بما يؤدي إلى زيادة في أسعارها بنسبة 110% (الأخبار، 28/ 7/ 2020). ثم اتُّخذ قرار آخر بدعم 330 سلعة تتضمّن سلعاً جاهزة ومواد أولية على أساس سعر صرف يساوي 3900 ل.ل./د. (الأخبار، 8/7/2020). ولم يلمس المواطنون تأثيراً لهذه المبادرات. واختفت السلع المسعّرة على هذا النحو من الأسواق.
وما انفكت الأمور تتراجع مع اعتماد سعر صرف الليرة المتداول في السوق الحرّة لتسعير غالبية السلع. وهو يساوي 9000 ل.ل./د. ويعمّق استمرار خفض سعر صرف الليرة حالة التقشف القائمة وصولاً إلى افتعال مجاعة في لبنان.
وسينهار ما بناه اللبنانيون بعد الحرب من مؤسسات، أولاها المؤسسات التعليمية الراقية التي سوف تقفل أبوابها لأنه لن يعود بمقدور أحد أن يتحمّل أقساطها. وستقفل المؤسسات الإنتاجية تباعاً وتحصل الإفلاسات بالجملة، لأنّ الطلب سينهار على السلع والخدمات التي توفرها. وقد توسّع القطاع السياحي بشكل كبير خلال العقد الأخير، وكان له دور مهم في توفير عملات صعبة عوّض ضعف قدرة القطاعات التصديرية على توفير هذه العملات. وقُدرت مداخيل القطاع، خلال عام 2018، بـ 4 مليارات دولار. وذكرت الصحف أنّ عدد المؤسسات السياحية التي تضرّرت بسبب سعر صرف الليرة ووباء «كورونا» وانفجار مرفأ بيروت بلغ عشرة آلاف مؤسّسة، وأنّ ثلثي العاملين في هذا القطاع البالغ عددهم 150 ألفاً باتوا بلا عمل (الأخبار، 10/ 8/ 2020). وسيواجه اللبنانيون محنة جديدة مع نفاد الاحتياطي بالدولار في المصرف المركزي المخصّص لدعم المحروقات والأدوية والقمح في تشرين الثاني / نوفمبر المقبل. وتبلغ كلفة هذا الدعم 700 مليون دولار شهرياً. وقد صرّح الحاكم بأنّ الـ17 مليار دولار المتبقية في ذلك التاريخ هي احتياطي إلزامي للمصارف لا يمكن استخدامه.
وينبغي إعادة قراءة تجربة 1984-1992 برمّتها، بمفاهيم الاقتصاد السياسي والابتعاد عن القراءات الاقتصادوية لها. وسوف تُظهر القراءات الجديدة أنّ انهيار سعر صرف الليرة كان مفتعلاً، وأنّ هناك قوى خارجية أوحت بهذا الخفض وثابرت على فرضه حتى عام 1992. ونذكّر بأنّ قيمة الواردات، خلال عام 1987، كانت قد تراجعت إلى نصف ما كانت عليه، خلال عام 1983، وأنّ ميزان المدفوعات استعاد ابتداء من عام 1985 فائضه المعهود، في حين لم يتوقّف انهيار سعر صرف الليرة حتى عام 1992. كما لا يمكن قراءة انهيار سعر صرف الليرة الحالي بأدوات علم الاقتصاد فقط.
وكان حاكم مصرف لبنان، خلال الأشهر الأولى من عام 2020، قد طلب تكراراً من الصيارفة اعتماد سعر مبيع وشراء للدولار حول 2000 ل.ل./د. وكان يمكن أن يكون هذا الرقم سعرَ صرف مثبتاً جديداً. وهو يحدّ من القدرة على الاستيراد، ويحلّ جزءاً كبيراً من المشكلة المتمثلة بعجز الميزان الجاري. ولم يقتضِ اعتماد سياسة صناعية مدفوعة بالتصدير في كوريا الجنوبية، بدءاً من الستينيات، خفض سعر صرف العملة الكورية. بل ذهب الباحثون إلى القول بأنّ سعر صرف هذه العملة كان مرتفعاً (overvalued)، وأنّ الحكومة أصرّت على الإبقاء على سعر الصرف ذاته، واعتمدت إجراءات للتعويض على المصدّرين (ويستفال، 1990؛ داغر، 1999). وهو ما تفعله البرازيل راهناً، بالإصرار على سعر صرف مرتفع لعملتها والتعويض من خلال القروض المدعومة على المصدِّرين (شانغ وأندريوني، 2020: 334).
ويمكن البناء على مقترح الباحثين جيروم موكوران وفردريك فرح، الذي يقول بأن تتدخّل فرنسا لفرض تثبيت سعر صرف الليرة. وذلك من خلال إعلان الاتحاد الأوروبي دعمه لتثبيت سعر الصرف على أساس 1500 ل.ل./د. على أن يستتبع ذلك إيداع ودائع أوروبية في القطاع المصرفي اللبناني (موكوران وفرح، 2020: 6). وسوف يكون هذا التدخّل مدخلاً لتشجيع دخول الرساميل من جديد.

2 ــ اعتماد سياسة صناعية تأشيرية
تستعيد هذه الفقرة النقاش النظري حول شروط السياسة الصناعية، وما ينبغي عمله في لبنان على هذا الصعيد. وتكتسب السياسة الصناعية أهمية خاصة في البرنامج الاقتصادي البديل. والتحويل الصناعي أو «التصنيع المتأخّر» هو الطريق للخروج من التخلّف. والتصنّع المتأخّر ليس مسألة اقتصادية بحتاً أو شأناً يمكن أن يتحقّق من دون إرادة سياسية. بل إنّ الإرادة السياسية هي الأساس فيه.
وقد فهمت النخبة السياسية التقليدية في اليابان أو الأرستقراطية أو نخبة الساموراي، أنّ التصدّي للعدوان الغربي لا يمكن أن يتم إلا بالتصنيع المتأخّر. اعتبرت الغربيين «برابرة» وانطلقت في مشروع التحديث والتصنيع ونجحت في ذلك. ويقول بيتر إيفانز نقلاً عن جوال ميغدال إن هذا الأخير رأى أن تحقّق التصنيع المتأخّر في بلدان آسيا الأخرى ككوريا الجنوبية وتايوان اقتضى أولاً «حصول انهيارات مجتمعية هائلة» (dislocations sociétales majeures) (إيفانز، 1995). وهي تمثّلت في هذين البلدين بتصفية النخبة السياسية التقليدية الممثّلة بملّاك الأرض الكبار. وذلك بتأميم الأرض وتوزيعها على العاملين فيها من قبل اليابانيين. وفي قراءة الباحث الكبير هنري بريتون للتجربة الآسيوية، أشار هو الآخر إلى أن وجود الإرادة السياسية كان شرط تحقّق «التصنيع المتأخّر» (بريتون، 1998).
وفي التجربة الإيرانية للتصنيع وهي الأكثر حداثة بين تجارب «التصنيع المتأخّر»، لم تكن الخيارات موحّدة أو محسومة بعد غياب الإمام الخميني. كانت هناك تيارات ثلاثة. كان الأول يرى أن الهدف ينبغي أن يكون تنمية الزراعة. وكان الثاني يرى التنمية من وجهة نظر نيو ــــــ ليبرالية ويرى أن أفضل ما تقوم به إيران هو الاندماج في السوق الدولية من دون شروط. أما التيار الثالث، فقد مثّله القوميون الصناعيون الذين قالوا بأن التنمية هي «تصنيع متأخّر». ورأوا أنه يمكن البدء بتطوير قطاع السيارات المدنية وإنتاج سيارات بمحتوى محلّي كامل (local content)، على نقيض التجميع للقطع المستوردة الذي كان يحصل أيام الشاه. وتمثّلوا بوزير التصنيع الثقيل آنذاك بهزاد نبوي. وقد كسب هذا التيار معركته ضد التيار النيو ـــــ ليبرالي عام 1992، أيام الرئيس أكبر هاشمي رفسنجاني، بتصويت البرلمان على إرساء رسوم جمركية لحماية هذا القطاع وصلت إلى 120% (بزرجمهري، 2012).

اقترح باحثون في مناسبة مناقشة موازنة عام 2019، مقاربة للإنفاق العام تعارض فكرة التقشّف الحكومي، التي تسوّقها المؤسّسات الدولية


وأهم ما في تجارب «التصنيع المتأخّر»، إزالة عنصر عدم اليقين (uncertainty) أمام الاستثمار الخاص. وهو الذي تجسّده خشية المستثمرين من عدم التمكّن من تصريف الإنتاج. وقد تولّت الدولة في هذه التجارب ضمان تصريف الإنتاج، من خلال شراء المنتَج إذا كان مستوفياً للمواصفات.
وبعد موجة الدراسات حول التجربة الآسيوية حتى مطلع التسعينيات، توقّف النقاش حول السياسة الصناعية طيلة ربع قرن. وذلك لرفض الباحثين النيو ـــــ كلاسيكيين الاعتراف بشيء اسمه سياسة صناعية (شانغ وأندريوني، 2020: 325). وقد عاد موضوع السياسة الصناعية إلى دائرة الاهتمام، من خلال باحثين كبار كجوزيف ستيغليتز وداني رودريك وغيرهما. وإذا كان النقاش القديم حول السياسة الصناعية قد استوحى التجربة الآسيوية، فإنّ الكتابات النظرية المحدثة قدمت إضافات مهمّة واستوحت تجارب عدّة. ولعلّ أهم ما فيها تركيزها على إجراءات إزالة عدم اليقين لدى المستثمرين من القطاع الخاص. وتناولت هذه الإجراءات حماية الصناعات الناشئة، والحدّ من المنافسة الزائدة بضبط أعداد المنتجين في كلّ قطاع بعينه، وإعطاء أفضلية لهذه المؤسّسات في المشتريات الحكومية، إلخ. وكلّها تؤول إلى ضمان طلب كافٍ يلاقي الإنتاج المتحقّق (شانغ وأندريوني، 2020: 328). كذلك، ركّزت النظرية على تدخّل الدولة لإزالة عدم اليقين في ميدان الابتكار. وتناولت إجراءات الدول الصناعية لتشجيع المؤسّسات الإنتاجية في القطاعات التكنولوجية المتقدّمة. ويمكن اختصار ما تقدّم بالقول إنّ السياسة الصناعية تتطلّب توفّر إرادة سياسية وحماية جمركية وضمان تصريف للإنتاج.
واقترح باحثون في مناسبة مناقشة موازنة عام 2019، مقاربة للإنفاق العام تعارض فكرة التقشّف الحكومي، التي تسوّقها المؤسّسات الدولية. واقترحوا أن تعد الحكومة موازنة استثمارية جدية بشقّين (ألبر داغر، /62019). يتناول الشق الأول الإنفاق على البنى التحتية. والمقصود بذلك: 1) إنشاء شبكة طرقات حديثة ومتطورة تُخرج لبنان مرة واحدة، وإلى الأبد، من تخلّفه التاريخي على هذا الصعيد؛ 2) دراسة إمكان إنشاء شبكة سكك حديدية متطوّرة هي الأخرى؛ 3) وضع برنامج استصلاح للأراضي يُنشئ حيازات زراعية قابلة للحياة على مستوى ريف لبنان من أقصاه إلى أقصاه؛ 4) إنشاء مناطق صناعية تنتشر على مدى الأرض اللبنانية، وفي الريف قبل الساحل، لاستقبال الأنشطة الصناعية المتطوّرة. وتتيح هذه الأمور مجتمعة استعادة ريف لبنان كمنطقة سكن وحياة لأهله، بعدما دأبت دولة الاستقلال المجرمة على تهجير أهله منه. وتقع هذه المقاربة لإعادة تنظيم المجال الوطني على طرف نقيض من المقاربات التي اعتُمدت منذ الانتداب، وحصرت همّها بالتجمّعات السكنية المدينية، ولا سيما بيروت (...).
أما الشق الثاني من الموازنة الاستثمارية، فيهدف إلى بناء قطاع إنتاج سلع تجهيزية أو ماكينات (capital goods) على شاكلة ما فعلت كوريا الجنوبية وتايوان، وما يحصل منذ ثلاثة عقود في إيران (داغر، 1/2016). وينبغي أن تتولّى الدولة هذه المهمّة في لبنان، تطبيقاً لشعار «المستثمر الأول». وكان كينز أول من طرح هذا الشعار، خلال الثلاثينيات، وطبّقته الدول الصناعية بعد عام 1945. وعلى الدولة أن تعطي المستثمرين الحوافز اللازمة للاستثمار في هذا القطاع، وأن تتحمّل معهم مخاطر الاستثمار. ويمكن النظر في إمكان بيع ثروة لبنان من النفط والغاز، منذ الآن، لتمويل هذا البرنامج بشقّيه.

البرنامج الذي كان يمكن أن تطبقه حكومة حسان دياب
اقترح «برنامج اقتصادي برسم الحراك» صدر في كانون الثاني / يناير 2019، أن تُعدّ الحكومة موازنة استثمارية على النحو المذكور أعلاه، وأن تذهب مباشرة إلى تنفيذها، وأن تضع هذا الهدف في مرتبة الأولوية لديها (داغر، 12/2019). وهذا ما يعطيها شرعية ويكون عنوان استعادة الثقة بالدولة. واقترح في مجال البنى التحتية وشبكة الطرقات، أن يبدأ العمل فوراً بتنفيذ وصلة جونيه ــــــ طبرجا من الأوتوستراد التي أُنجزت في النصف الثاني من الستينيات، ولم يصَر إلى تطويرها مذّاك. ويكون ذلك دليلاً على قدرتها على الإنجاز. واقترح الشروع في الوقت عينه، بإنشاء ثلاث «مناطق صناعية» عملاقة في نطاق بيروت الكبرى لاستضافة المؤسّسات الصناعية اللبنانية التي ستنشط في ميدان إنتاج السلع التجهيزية أو الآلات.

3 ــ خلق جهاز إداري جديد لإدارة التحوّل
تعالج هذه الفقرة علاقة الدولة مع النخب الاستثمارية ونوع الإدارة الحكومية، كما الأجهزة الإدارية المطلوبة. ويقتضي وجود مشروع تحويل صناعي أن تكون هناك إدارة حكومية مؤهّلة تتعلّم بالممارسة كيفية تطبيق سياسة التحويل هذه. وقد استخدم العلامة الكبير هنري بريتون شعار «تعلّم الدولة» (Government learning) كشرط لكي تلعب هذه الأخيرة هذا الدور. وجعَل هذا الشعار نقيضاً لشعار «دولة الحدّ الأدنى» الذي اعتمدته المؤسسات الدولية، وأدّى إلى تدمير الإدارة العامة في بلدان العالم الثالث وفي لبنان.
واستخدم الباحثون على مدى حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، مفهوم «العلاقة بين الدولة والمجتمع» (state-society relation) كنقطة انطلاق في تحليلاتهم. وركّزوا على دور المجتمع (society centered) في شرح هذه العلاقة. وذلك من خلال إظهار كيفية تحكّم مجموعات الضغط بالسياسات الحكومية. وطالب تيار المؤسّساتية المقارنة منذ عام 1985 «باستعادة دور الدولة في التحليل» (إيفانز وريشماير وسكوكبول، 1985). وهو ما دفع باحثيه للاعتماد على فكر ماكس فيبر الذي درس البنى الإدارية للدولة الحديثة في الغرب، ودور هذه البنى في تحقيق النمو الرأسمالي. وبدت في هذا الإطار الإدارة العامة القانونية ــــــ العقلانية أو الفيبرية، شرطاً لفعّالية الدولة في دعم النمو الرأسمالي. وبيّن باحثو هذا التيار كيف تجسّدت «العلاقة بين الدولة والمجتمع» في التجارب التنموية المعاصرة الناجحة، بنشوء «مشروع مشترك» (joint project) بين الدولة ممثلة بإدارتها العامة وبين النخب الاستثمارية. وهو اتخذ في التجربة الآسيوية شكل توفير الدعم (subsidizing) لهذه النخب لدفعها للاستثمار، كما أوضحت ذلك أليس أمسدن (إيفانز، 1995: 38). واتخذ شكل ممارسة توجيه حكومي (administrative guidance) للمستثمرين، عبّر عنه التخطيط التأشيري (indicative planning)، كما أوضح ذلك روبرت واد (إيفانز، 1995: 39). أي أنّ الترجمة الحسّية لفكرة «تعظيم القدرة على اتخاذ القرار الاستثماري لدى النخب الاستثمارية» التي طرحها ألبرت أوتو هيرشمان، عام 1958، وجدت ترجمتها في دعم الحكومة للمستثمرين وفي توجيه خطاهم لتحقيق أهداف التحويل الصناعي.
وتكون الإدارة «فيبرية» حين يتم تنسيب الموظفين الحكوميين بواسطة المباريات الوطنية التي تشكل الضمانة للاستعانة بالأفضل مهنياً وتثبيت هؤلاء الموظفين. وهما الشرطان لتأمين مهنية الإدارة وحياديتها لتحقيق النمو الرأسمالي. وقد تتبّعت الباحثة درايفوس تطوّر الإدارة العامة في ثلاث دول هي فرنسا وإنكلترا والولايات المتحدة (درايفوس، 2000)، وذلك من خلال ربط هذا التطوّر بطبيعة النظام السياسي القائم في كلّ من هذه الدول الثلاث. وذلك على خلاف باحثين آخرين اعتمدوا منهجية تقوم على المقارنة بين هذه الإدارات وبين الحالة النموذجية (type idéal) للإدارة العامة، كما رسمها ماكس فيبر. وأظهرت أن الإدارة العامة القائمة على مبدأ الاستحقاق والتي يُنسّب أفرادها بالمباريات الوطنية ويثبّتون، وهو الوضع الذي باتت عليه منذ مطلع حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، كان نتيجة صراع امتد قرابة قرن لتحرير الإدارة العامة من النفوذ السياسي وانتزاع التعيينات الإدارية من يد السياسيين.
وفي حالة فرنسا، اقتضى مرور قرن بكامله لحسم هذا الصراع. وقد شهد عام 1848 إنشاء المعهد الوطني للإدارة، ثم إلغاءه نتيجة رفض السياسيين إحلال مبدأ الاستحقاق محل النفوذ السياسي كقاعدة للتعيينات. وشهد عام 1946، إصدار قانون الموظفين الذي جمع بين التنسيب على قاعدة المباريات والتثبيت في الوظيفة وتأمين استقلالية وحيادية الإدارة لمتابعة أهداف الخير العام. وشهدت إنكلترا سيرورة مماثلة للإدارة العامة. وكانت ثمة صعوبة في حالة الولايات المتحدة في جعل الإدارة العامة في عهدة هيئة حكومية، وتحييدها عن النزاع الدائم بين الرئيس من جهة، والكونغرس من جهة أخرى، على صعيد التعيينات.
وتُظهر التجربة الحديثة في الغرب أن موجة النيو ـــــ ليبرالية لم تؤدِّ إلى التخلّي عن شروط تنسيب العاملين في القطاع العام المعتمدة منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية (كافالو وغاغليياردي، 2012). وتذكر الباحثة درايفوس أنّ أنكلترا تخلّت عن مبدأ التعاقد الوظيفي في القطاع العام، وحافظت الإدارة العامة في فرنسا على صلاحياتها التي بقيت مُصانة بفضل مجلس شورى الدولة وجهده القضائي (درايفوس، 2000: 252 و254 و261). لكن الحكومات المحافظة استطاعت على امتداد حقبة ما بعد عام 1980، الحد من استقلالية الإدارة وتسييس العمل الإداري إلى هذا الحد أو ذاك، وفتح الإدارة العامة أمام الممارسات الزبائنية.
أما بلدان آسيا، فقد نأت بالكامل عن النقاش النيو ـــــ ليبرالي الدولي حول إصلاح الإدارة العامة، وأوضح بيتر إيفانز وجود «فيبرية معزّزة» فيها. وقد كان على الدولة أن «تخلق» النخب الاستثمارية، وأن تحافظ لاحقاً على استقلالية الإدارة العامة تجاه هذه النخب (داغر، 12/ 2016).
وينبغي إحلال إدارة تنموية (developmental) في لبنان محل الإدارة القائمة «المعنية فقط بالتأكد من الالتزام بالقانون» (regulatory) (داغر،7/2020). ويقتضي منحها صلاحيات تدخّلية لتنكّب المهمات المبيّنة أعلاه، كما ينبغي إنشاء «مجلس تخطيط مركزي» تكون الكفاءة أساساً لتكوينه، ويُحترم في تكوينه التوزيع الطائفي والمذهبي للمواقع. وتكون مهمته أن يلعب دور «مجموعة تفكير». وتقع عليه مسؤولية بلورة السياسة الصناعية هذه ووضعها موضع التنفيذ.
وليست الإدارة الحكومية القائمة قادرة بوضعها الحالي على تولّي التنفيذ. وقد أُفرِغت من إمكاناتها على مدى عقود، وهي باتت شاغرة. وقد اقتضى تأجيل جلسة لمجلس الوزراء لإتاحة الفرصة أمام تعيين مدير عام لوزارة الاقتصاد يحمل ديبلوماً في العلاج الفيزيائي. ونقلت الصحافة جداول أعمال المجالس الوزارية لحكومة «التكنوقراط» والنقاشات التي تحصل خلالها. وهي تتمحور كلها حول تعيينات في هذا السلك الإداري أو ذاك، وهو السقف الذي وضعته هذه الحكومة لانشغالاتها، وهو سقف القوى السياسية التي لا توفر مناسبة لوضع اليد على ما أمكن من الموارد العامة بعد أن لفظها المجتمع وأسقط عنها شرعيتها التمثيلية. واتخذ استقتال هذه القوى في الإطباق على الموجود شكل تحالف بين الأطراف المهيمنة في الطوائف، أي يستقوي بعضنا ببعض لملء المواقع العامة واحتكارها لنا وحدنا. وهم يتواطؤون لتوفير تنفيعات لأزلامهم من دون أن يكون هؤلاء مستوفين للشروط. وتمثّل هذه التعيينات خطوات إضافية على طريق تدمير الإدارة العامة بشكل متعمّد، وذلك وصولاً إلى حالة يحتل فيها الفاشلون كل مواقع المسؤولية في القطاع العام.

المراجع

Bozorgmehri Dariush, “The Developmental State and the Rise of Iran Auto”, Department of Sociology, University of California, Berkeley, 2012, 56 pages.
Bruton Henry, “A Reconsideration of Import Substitution”, in Journal of Economic Literature, vol. 35, June 1998, pp. 903-936.
Cavallo et Gagliardi, « Le recrutement dans l’administration publique et le principe du concours dans le système juridique italien », in Revue Française d’Administration Publique, n. 142, 2012.
Chang Ha-Joon, Antonio Andreoni, “Industrial Policy in the 21st Century”, Development and Change, 51, n. 2, 2020, pp. 324-351.
Dreyfus F., L'invention de la bureaucratie : Servir l'Etat en France, en Grande Bretagne et aux Etats Unis (18éme-20éme siècle), Paris: Editions-La Découverte, 2000, 290 pages.
Evans Peter, «A Comparative Institutional Approach», in Peter Evans, Embedded Autonomy: States and Industrial Transformation, Princeton University Press, 1995, pp. 21-42.
Evans Peter, Dietrich Reuschemeyer, Theda Skocpol (eds.), Bringing the State Back In, Cambridge: Cambridge University Press, 1985.
Maucourant Jérôme, Frédéric Farah, “ Contre la main-mise possible du FMI : Un plan pour le Liban », février 2020, 8 pages.
Westphal Larry, "Industrial Policy in an Export-Propelled Economy: Lessons from South Korea's Experience", in Journal of Economic Perspective, Vol. 4, n. 3, Summer 1990.
ألبر داغر، «البرنامج الحكومي للإصلاح»، الأخبار، 17/ 6/ 2020.
ألبر داغر، «سياسة سعر صرف العملة: التجربة اللبنانية والدور المطلوب من هذه السياسة»، نُشرت في مجلة الدفاع الوطني اللبناني، العدد 42، تشرين الأول 2002، وأعيد نشرها في ألبر داغر، أية سياسة صناعية للبنان: مقاربة مختلفة لدور الدولة في الاقتصاد، «المركز اللبناني للدراسات»، 2005، 197 صفحة، ص. 75 – 125.
ألبر داغر، «مقاربة بنيوية للسياسة الصناعية في لبنان»، مجلة الدفاع الوطني اللبناني، العدد 30، تشرين الأول 1999، ص. 113 – 138؛ أُعيد نشرها في ألبر داغر، لبنان وسوريا: التحديات الاقتصادية والسياسات المطلوبة، دار النهار، 2001، 241 صفحة، ص. 95 – 125.
ألبر داغر، «كيف نحمي الشعب من خفض الإنفاق العام»، الأخبار – ملحق رأس المال، 3 و10/ 6/ 2019.
ألبر داغر، «التحوّل إلى دولة صناعية: تجربة إيران نموذجاً»، الأخبار، 5/ 1/ 2016.
ألبر داغر، «برنامج اقتصادي برسم الحراك»، الأخبار – ملحق رأس المال – 9/ 12 / 2019.
ألبر داغر، «الإدارة الحكومية كشرط للتنمية»، الأخبار، 28/ 12/ 2016، أعيد نشرها في مجلة «الإدارة اليوم»، الصادرة عن الجامعة العربية – المنظمة العربية للتنمية الإدارية، العدد الأول، 22 شباط/فبراير، 2017.
ألبر داغر، «الإدارة العامة في لبنان قبل عام 1990»، الأخبار، 23/ 7/ 2020.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا