تختلف القوى السياسية في لبنان على كل شيء تقريباً، باستثناء السمة الطائفية للنظام السياسي والاحتماء بالخارج الإقليمي والدولي، لاكتساب مصادر قوة في تفاعلاتها الداخلية. هذا هو لبنان لم يتغيّر، تبتكر السياسة فيه حلولاً أكثر طائفية لأزمات يجب وضع آليات تؤدّي إلى إزالتها على مراحل.

هكذا، يتدحرج لبنان من المارونية، إلى السنية المارونية، إلى اتفاق الدوحة الذي أسّس لثلاثية سياسية بين الموارنة والشيعة والسنة. هذه المعادلة الأخيرة، أصيبت بضربة على أمّ رأسها بسبب تغييرٍ أصاب موازنات القوى في الإقليم ولبنان، حتى أصبح حزب الله فريقاً داخلياً وإقليمياً وازناً يزيد حجمه عن أحجام القوى اللبنانية الداخلية مجتمعة. وله في الإقليم تحالفات راسخة، تمكّنت من الانتصار على النفوذ الأميركي في أكثر من مفترق أساسي في مراكز الصراع اليمني ـــــ السوري ـــــ العراقي.
أما لبنانياً، فنجح حزب الله في هزيمة الكيان المحتل مرتين، في عام 2000 وعام 2006، ملحِقاً خسارة كبيرة بالمشروع الإرهابي المدعوم أميركياً وخليجياً وتركياً. التشكيك في هذا الدعم، نقضه رئيس وزراء قطر السابق حمد بن جاسم الذي اعترف في مقابلة حديثة له مع محطة الـ«بي بي سي»، بأنّ الخليج موّل الإرهاب في سوريا بـ169 مليار دولار بطلب أميركي، كاشفاً أنّ سياسيين لبنانيين تلقّوا أيضاً نحو 60 مليون دولار، لدعم انتقال الإرهابيين إلى سوريا من الحدود اللبنانية.
هذه ليست مصادفة، بقدر ما تعكس بشكل كامل تحالف هذه القوى اللبنانية من المستقبل الحريري وعقاب صقر، النائب السابق الذي أدار من مكتب له في تركيا تهريب «الإسلاماويين» إلى سوريا، والحزب الاشتراكي الذي كان ينظّم إقاماتهم في جبل لبنان، وانتقالهم إلى سوريا أيضاً. كذلك، فإنّ قوى طائفية في جبل لبنان وفّرت حرية حركة وإسناد لقوى إرهاب، من خلال مناطقها في الشمال وجبل لبنان.
هذه ليست اتهامات عشوائية لمجرّد الإساءة إلى الآخر، وما على المشكّكين إلا العودة إلى مقابلة حمد بن جاسم، التي تحتوي على فصيح الكلام وأوضحه. هناك، إذاً، غالب هو حزب الله وتحالفاته، وهناك مهزومٌ هو النفوذ الأميركي ــــــ الخليجي ــــــ الإسرائيلي إقليمياً، وتحالف 14 آذار داخلياً. ألا يترتب على هذه التوازنات الجديدة معادلة سياسية موازنة لها؟ هذا ما يقوله المنطق السياسي المعمول به عالمياً، إلّا أنّ للبنان خصوصيته التي تمنع الغالب الكامل بالإقصاء السياسي، وتضع بديلاً منه دوراً إضافياً للمنتصر، إنّما في قلب النظام الطائفي الموجود. يتبيّن بالاستنتاج، أنّ للعبة التغيير في لبنان مدى يقفله سياج الطائفية وتؤثر فيه الأدوار الخارجية. أليس هذا ما يحدث في لبنان؟
فمن يستمع إلى قائد «القوات» سمير جعجع، يشعر أنّه في بلاط الإسكندر المقدوني أو نابليون بونابرت، يُمليان شروطهما على مهزومين. ويكاد المتابعون لوليد جنبلاط يتأكدون أنّهم يصفّقون لسقراط وأفلاطون، قبل أن يتبيّنوا أنهم أمام «مسيلمة» جديد. أمّا رئيس الحكومة السابق سعد الحريري، فينطق بشكل يوهم فيه متابعيه أنّه يُمسك بأكثر من مليار مسلم مستعدّين لافتداء الحريرية السياسية بأرواحهم، وليس بأموالهم المسروقة من قبل هذه الحريرية السياسية وتحالفاتها في لبنان والخليج والعالم العربي والإسلامي والمهجر.
من جهة أخرى، فإنّ هذا التراجع في تحالف 14 آذار، لا يملؤه فريق 8 آذار بطروحات سياسية مفيدة للبنانيين، فهناك تشابه في إيمانهما بالحلول السياسية الطائفية والتحاصص وأكبر كمية ممكنة من الفساد بمجمل أنواعه.

التراجع في تحالف 14 آذار لا يملؤه فريق 8 آذار بطروحات سياسية مفيدة للبنانيين، فهناك تشابه في إيمانهما بالحلول السياسية الطائفية والتحاصص


يبدو المشهد شديد الغرابة للّذين بجهلون كيف تُدار السياسة في لبنان، وعادياً للمتعمّقين بها. كلّ هذه القوى، من الجانبين، تعمل في خدمة تضخيم قواها المذهبية، فتسحب أي دور للعقل مقابل إطلاق العنان للغرائز الطائفية، باستعمال دور «المؤسّسات الدينية والتعليم الديني» والإمساك بالمال العام والتوظيف في إدارات الدولة والإعلام الطائفي التحشيدي. هناك، إذاً، انسجام عميق بين حركتَي 8 و14 آذار، لكن من يحول دون إنتاجهما لمعادلة حكم شديدة الطائفية والمذهبية، كالعادة، هو الخارج الإقليمي والدولي. هذا الخارج يخوض صراعات كبيرة على مدى المشرق العربي بكامله، وربما الشرق الأوسط. ولكنّ الأميركيين يرفضون الاعتراف بالهزيمة، محاولين تعديل التوازنات بآليات صراع جديدة واحد منها استغلال الانهيار الاقتصادي في لبنان، لحصار حزب الله بما أنه رأس حربة المقاومة والنموذج المنتصر القابل للتقليد فيها.
هذا ما يدفع الأميركيين في هذه المرحلة اللبنانية الصعبة، إلى ممارسة كلّ أنواع الابتزاز تيقّناً منهم أنّ الحزب لا يقبل بتجويع اللبنانيين أو انهيار لبنان.
فيعملون بالمباشر تارة، ومن خلال الفرنسيين مرة ثانية، لفرض مطالبهم السياسية والمتعلّقة باقتسام آبار نفط لبنانية مع الكيان الإسرائيلي وإقفال معابر عند الحدود مع سوريا، وتوسيع مهام قوات الطوارئ عند الحدود الجنوبية ليصل نفوذها إلى عمق نحو سبعين كيلومتراً داخل لبنان، فبذلك يصبح سلاح حزب الله مطوّقاً عند نهر الليطاني باليونيفيل، ومع سوريا بإقفال المعابر.
هذا ما يؤدي إلى إرجاء تشكيل الحكومة بقرار خارجي حتى إشعار آخر، على الرغم من أنّ كلّ القوى السياسية اللبنانية متوافقة على استمرار النظام الطائفي والتحاصص المذهبي في رئاسات الجمهورية والحكومة ومجلس النواب، والتحاصص الإداري واقتسام المال العام بما يعني تمديداً للطائفية ربما لقرن إضافي.
أين المشكلة إذاً؟ تعتقد البطريركية المارونية أنّ النفوذ الشيعي المتصاعد في الإقليم، وازدياد نفوذ حزب الله في الداخل، هما من الأسباب التي تؤدي إلى دولة لبنانية ثلاثية القوى، من المسيحيين والسنة والشيعة، إنما بقيادة شيعية أساسية، كما كان الدور الماروني بين عامي 1948 ـــــ 1985. ويشاركها في هذا الاستنتاج، فريق سنّي كبير يرى بدوره ضرورة تحجيم حزب الله لأسباب إقليمية تتعلّق بالصراع السعودي ــــــ الإيراني، وداخلية لبنانية لازدياد قوة الحزب في الدولة والمجتمع. هذا ما دفع بالبطريرك بشارة الراعي إلى طرح مفهوم الحياد اللبناني بين القوى المتصارعة عربياً، «سوريا والخليج»، وإقليمياً السعودية ـــــ إيران وإسرائيل، ودولياً أميركا وإيران وروسيا. كما شجّع القوى السنية على اتهام حزب الله بتفجير مرفأ بيروت، واغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري.
السؤال هنا، هو عن كيفية التبرير الذي يجب أن يقدّمه البطريرك، ومن بعده السنّة، عند تشكيل حكومة جديدة تضمّهم مع حزب الله؟ أو تضع وزراء لنيافته إلى جانب من يتّهمهم بمخترقي الحياد ومدمّري الصيغة اللبنانية العجائبية؟
ما يمكن استنتاجه، أوّلاً، يتعلّق بالخيار الطائفي الوحيد لكلّ القوى السياسية اللبنانية من دون أي استثناء ولا أمل بمرحلة عقلية لإلغاء الطائفية. وهذا يعني أنّ الداخل الطائفي والخارج الذي يغطّيه يعملان على حكومة لن تفعل إلا إعادة إنتاجٍ لفساد طائفي كريه من أولى وظائفه اعتقال المجتمع اللبناني والحيلولة دون اندماج فعلي بين أبنائه. والغريب، أنّ مهام الدساتير في العالم هي إدارة الدولة بما يؤدي إلى اندماج الناس في إطار انتماء وطني موحّد. ويكاد لبنان يكون وحيداً في نوعه، لجهة منع الاندماج بين أبنائه، بقوة الدستور الذي يحاصص بين أبناء طوائف وليس بين مواطنين. يمكن هنا إضافة الأنظمة القبلية التي تنتج ممالك وإمارات تميّز بين المواطنين، بحسب تبايناتهم القبلية والجهوية.
لكنّها تبقى، على الرغم من تخلّفها، أفضل من النظام الطائفي اللبناني الذي تسمّيه جماعة نيافة الكاردينال بشارة الراعي بسويسرا الشرق، فيما يمكن تصنيفه فعلياً بنظام من القرون الوسطى تمنعه دولته من التطوّر نحو مفهوم الدولة الحديثة بتغطّية من الخارج الذي يحاصر اللبنانيين في أقبية تاريخية عفِنة.

* أستاذ جامعي

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا