الأثر المروِّع لانفجار المرفأ، لم يظهر في اتجاه واحد فقط. مضاعفاته تجاوزت إدانة النظام السياسي برمّته إلى التساؤل عن مصير الكيان ذاته، عشيّة الاحتفال بمئوية تأسيسه الأولى. التشكيك بشرعية كلّ القوى التي أوصلت البلاد إلى هذه الهاوية، أتت استكمالاً للمسار الذي بدأ في 17 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، ولكن هذه المرّة في لحظة أفول المسار نفسه، أو لِنَقُل بشكل أدقّ، في لحظة غياب الأدوات اللازمة لاستمرار الصراع وتزخيمه، مع تآكل قوى الاحتجاج واندثار أُطرها الواحدة تلو الأخرى. المسار الوحيد الذي بقي قائماً من تلك المرحلة، هو المعركة مع المصارف ومصرف لبنان على خلفية التفاوض مع صندوق النقد على إعادة هيكلة الدين العام، وتوزيع الخسائر الناجمة عنها. وهو مسار قادته الحكومة المستقيلة الحالية بحكم تمثيلها للاتجاه المناهض لسياسات المصارف ومصرف لبنان، وقد انتهى بدوره إلى هزيمة مطلقة لمصلحة الأوليغارشية المصرفية، في ظلّ موازين قوى اقتصادية وسياسية لا تسمح للاتجاهات المناهضة لها بالذهاب في معركتها حتى النهاية. هذا الانسداد الكامل، تزامَنَ مع انفجار أزمة شحّ الوقود كنتيجة مباشرة لعجز النموذج عن تقديم بدائل عن الاستيراد بالدولار. العتمة الشاملة التي سبقت الانفجار، بدت كمؤشِّر على فداحة الوضع الذي وصلت إليه البلاد قبل الرابع من آب/ أغسطس. الأزمة بهذا المعنى، لم تكن فقط أزمة نظام أو حتى كيان، بل كذلك أزمة بدائل وقوى معارِضة، والأهمّ من هذا وذاك، أزمة نموذج اقتصادي لا يريد الإقرار بمسؤوليته عن الإفلاس والانهيار، خصوصاً أنّ الفرصة الآن باتت متاحة أكثر من السابق لتفادي المحاسبة، على قاعدة عودة الانقسامات الأهلية التي كانت قد توارت قليلاً بفضل قوة الدفع الخاصّة بـ17 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.


تحوّلات 17 تشرين
الانفجار أتى في هذا السياق تحديداً، ولذلك كان طبيعياً أن تنفجر معه ليس فقط العاصمة بيروت، بل أيضاً كلّ التناقضات التي استطاعت لحظة 17 تشرين احتواءَها وإعادة إنتاجها. والحال أنّ «فلسفة» تلك «اللحظة التاريخية»، كانت تقوم على معاودة إنتاج الصراع، بحيث لا تكون الغلبة فيه للانقسامات الأهلية والطائفية كالعادة، بل أن يُعاد فرز القوى داخله بحسب بُعدها أو قُربها من جوهر الصراع الاجتماعي، الذي تبلْوَرَ حينها بوضوح بالغ ولأول مرة بهذه الحدّة في تاريخ البلاد. أي، بوصفه صراعاً بين أكثرية المُفقَرين التي عانت طويلاً من اختلالات النموذج القائم، والأقلّية التي تمثَلها الأوليغارشية المالية، والتي حصل كلّ التراكم لحسابها، سواءً في الريع المالي المباشر أو في «نمط الإنتاج» الذي اختُزل في شكله العقاري. مفاعيل هذه اللحظة كانت قد «انتهت» تقريباً قبل الانفجار، وأتى هذا الأخير ليؤكّد أنّها في حال عادت فلن تكون على الأرجح، لا بحجم سابقتها، ولا بقدرتها على التأثير التي كانت مشروطة بظرف اجتماعي اقتصادي حصلت فيه تحوّلات كثيرة، أهمّها انتقال المعركة مع المصارف ومصرف لبنان والنموذج عموماً، من الشارع إلى المؤسّسات بعد تشكيل الحكومة الحالية. خسارة الحكومة المستقيلة لهذه المعركة، بعد صولات وجولات طويلة مع جمعية المصارف والقوى السياسية الداعمة لها، أضعَفَت أكثر فأكثر شرعية مجموعات 17 تشرين الأول (اليسارية تحديداً)، التي كانت قد انقسمت إلى قسمين: قسم حاضر رمزياً في الحكومة لحثّها على متابعة المعركة مع المصارف وحاكمية مصرف لبنان حتى النهاية، وآخر في الشارع لمراقبة الحكومة والمصارف معاً، بحيث لا تكون ثمّة قيود على حركته في حال تطلّب الأمر معاودة استئناف المعركة مع السلطة. ظروف الانهيار لم تسمح بمتابعة هذا الجهد، خصوصاً بعد التقييد الذي حصل لمنع تفشّي الوباء، فاضطرّت الحكومة لخوض هذه المعركة وحدها، بدون غطاء مباشر في الشارع، وفي وقت كان فيه الفريق الإصلاحي داخلها ليس فقط محاصَراً، بل أيضاً يتلقّى الضربة تلو الأخرى، إلى أن حُسِم الصراع بخروج مدير عام وزارة المالية الذي كان يقود المعركة تقريباً، من الحكم. الهزيمة التي حصلت داخل المؤسّسات انعكست فوراً على الشارع، حتى في ظلّ غياب مجموعات تعمل فيه مباشرةً، وهو ما جعل استمرار الأشكال الأخرى التي يمكن من خلالها تعويض «الخسارة الأساسية» صعباً، إن لم نقل مستحيلاً.

ثنائية القديم والجديد
هذا كان يحصل في ظلّ التوازنات القديمة نفسها، فحكومة حسّان دياب المستقيلة لم تمثّل قطيعة مع قوى «الطائف»، بل حظيَت بتأييد جزء منها، كون هذا الجزء لا يمانع تحسين شروط المعركة مع المصارف، بحيث يقوِّي موقعه داخل السلطة على حساب الفريق الآخر الذي يبدو أقرب إلى المنظومة المالية والمصرفية التي يقودها حاكم مصرف لبنان. انعكس ذلك بدوره على المجموعات في 17 تشرين، التي كانت تفضّل حصول المواجهة مع السلطة بشعارات تبتعد قدر الإمكان عن مناهضة النموذج الاقتصادي، الذي لم يكن لها مصلحة في تقويضه، أي بخلاف موقف نظيرتها اليسارية الأكثر حضوراً وشعبيةً داخل الحركة. وهو ما أضعف وحدة هذه المجموعات في محطّات لاحقة كثيرة، خصوصاً في لحظة اشتداد الصراع مع المصارف، إذ ازداد الفرز داخلها، ومعه ازدادت فاعلية الجناح الذي اكتسب بفضل نشاطه على الأرض ضدّ المصارف في لحظة تغوِّلها على الناس وحرمانِهم ودائِعَهم موقعاً متقدماً، أهّله لاحقاً لتمثيل أكثرية المحرومين من استعمال ودائعهم وأموالهم المحجوزة في البنوك. فشهدنا في هذا السياق، ظواهر عديدة أفرَزَها هذا الشكل الجديد من المواجهة، وأهمّها على الإطلاق ظاهرة الشبّان الذين تطوّعوا لحماية ودائع الناس، عبر اقتحام المصارف وتهديدها، إن لم تُقدِم على تحرير الودائع. وسواءَ مورِسَ العنف في هذه الحالات أم لا، فإنّ مجرّد إشهاره والتلويح به بهذه الطريقة يعني ليس فقط فقدان هذه المؤسّسات التي كانت تموّل عمل النموذج لمصداقيتها لدى الأكثرية، بل أيضاً التشكيك بوظيفتها ذاتها، والتي تتجاوز الصراع المحلّي نفسه لتصل إلى الدور الذي تؤدّيه البنوك، عبر عمليات الإقراض والادّخار بالفائدة في النظام الرأسمالي نفسه. صحيح أنّ هذه الأعمال الرمزية لم تستمرّ طويلاً، بسبب ظروف البلاد، ولكنّها أتاحت لجزءٍ يسير من اللبنانيين اختبار أشكالٍ جديدة ليس فقط من الوعي المصحوب بمقاومة اجتماعية شديدة، بل أيضاً من الانتماء، بمعناه الأوسع. حيث بدا حزب المتضرّرين من احتيالات المصارف وسرقاتها، أقلّه في تلك المرحلة، وكأنّه الحزب الأكبر في لبنان، وهي «استعارة» قد تفيد في فهم عمق التحوّل الذي أصاب علاقة هؤلاء ليس فقط بالمصارف، بل أيضاً بأحزابهم وانتماءاتهم السياسية نفسها. الولاءات القديمة، القرابية والزبائنية لم تتنهِ بهذا المعنى، بل تراجعت قدرتها ليس فقط على تأمين حصّتها من الريع، بل أيضاً على ترجمته إلى علاقة مادّية مع الناس الذين تؤمِّن لهم هذه القيادات عبر الحضور في الدولة ومؤسّساتها، أو حتى في القطاع الخاصّ سُبُلَ الحياة والعيش و...إلخ. انقطاع الريع أصاب هذه المنظومة في مقتل، وأدّى إلى تراجع كبير في أشكال هيمنتها، سواءً سياسياً أو اقتصادياً واجتماعياً، قبل معاودة تزخيمها لاحقاً حين بدأت تظهر شبكات الإغاثة الخاصّة بالطوائف، كبديل من انهيار الخدمات التي تقدّمها الدولة، وعدم قدرتها على تمويل إنفاق اللبنانيين على احتياجاتهم الأساسية. الخطورة المرحلية التي مثّلها هذا الوعي لدى قطاعات متزايدة من اللبنانيين ــــــ وهو وعي طبقي بالتعريف ــــــ على القوى القديمة، سواءً التي تؤيّد الطائف أو تعارضه، يفسّر السرعة التي حدث فيها الانقلاب، ليس فقط على خطة الحكومة لإعادة الهيكلة وتوزيع الخسائر بعد تحديدها، بل كذلك على أيّ ترجمة عملية كان ممكن أن تحصل لها على الأرض في حال نجاحِها. بمعنى، تزخيم الأطر الناشطة ضدّ المصارف وتأطيرها أكثر سياسياً، بحيث تصبح قوّة فاعلة ليس فقط ميدانياً، بل في المشهد السياسي أيضاً. وهي على أيّ حال كانت تشهد تزايداً في شعبيتها، حتى داخل الأوساط الاجتماعية القريبة من الأوليغارشية المالية والمصرفية.

الانهيار بدون كوابح اجتماعية
كلّ ذلك انتهى الآن، وحتى قبل حدوث الانفجار، لأنّ الفاعلية على الأرض، سواءً في هذا الاتجاه أو ذاك، تتعارض مع ظروف الانهيار الذي كان قد أطبق بالكامل على البلاد مع بداية تفشّي الفيروس، وفَرْض الحظر الجزئي. انهيار قطاع الأعمال الصغيرة والمتوسّطة مع حصول التقييد، أنهى أيّ إمكانية، لربط النشاط السياسي من جديد بصراع الأكثرية ضد المصارف، وهو ما انعكس على نشاط المجموعات المختلفة، حتى اليمينية منها، في الجمعيات وسواها. وبالتالي استعادت القوى التقليدية الملعب الذي كانت قد فقدته جزئياً لمصلحة هذه المجموعات، وأتت استعادته في ظرف شديد الوطأة على كلّ القطاعات الاقتصادية في الدولة وخارجها، إلى درجة أنّ توفير اعتمادات بالدولار للوقود بات هو الأولوية القصوى في ظلّ حالة الانقطاع شبه الكامل للكهرباء. هكذا، تصاعَدَت أزمة نضوب الدولار أو شحُّه في غياب أيّ وجود مادّي في الشارع، على عكس ما حصل مع أزمة الودائع، حين كانت المجموعات المنتشرة في أرجاء البلاد قادرة على ممارسة ضغط مادّي على المصارف، لإجبارها رمزياً على تحرير الودائع، وتسليمها، نقداً، وبالدولار، لأصحابها. إيقاع الأزمة الأخيرة ضُبِط لأشهر خلال الحجر بين مصرف لبنان والمصارف والصرّافين، وهؤلاء عملياً يمثّلون ليس فقط جهة واحدة، بل الجهة التي خيضت ضدّها معركة تحرير الودائع طيلة أسابيع. ولكن بسبب تفشّي الفيروس، وبتغطية من الحكومة والمعارضة معاً، أو بتواطؤ من كليهما، سُمِح لمصرف لبنان بتحريك أسعار الصرف بما يتناسب مع حاجته إلى إطفاء خسائره، بوسائل مختلفة، أهمُّها تسليم أجزاء من الودائع المدولرة لأصحابها بالليرة بعد أن تكون قد فقدت نصف قيمتها أو أكثر بسبب الفارق بين أسعار الصرف. بالإضافة إلى «قص شعر» الودائع بهذه الطريقة وبالتالي انهيار قيمة الادّخار الفعلية، ثمّة أيضاً أزمة ارتفاع الأسعار أو فقدان السلع واحتكارها في مقابل فقدان آلاف الوظائف، وتدنّي قيمة الأجور مع تراجع أرباح أرباب العمل بسبب أزمة الإقفال. وهو ما جَعَل مصرف لبنان يلجأ إلى تغطية هذا الانهيار في القدرة الشرائية وفي «عملية الإنتاج» عموماً بالطبع المحموم للعملة المحلّية، وبالتالي زيادة الطلب على الدولار الذي يرفع من جديد نسبة التضخّم، وهكذا دواليك...
كلّ هذه الحلقة المُفرَغة، حصلت في غياب أيّ رقابة شعبية على عمل المصارف ومصرف لبنان، وفي لحظة كانت فيها الحكومة، أو على الأقلّ الاتجاه المناهض للمصارف داخلها، قد هُزِم تماماً في معركته لتحديد حجم الخسائر وتوزيعها بشكل عادل.

خاتمة
الصراع على الوجهة الاقتصادية للبلاد، بهذا المعنى، بات يفتقر إلى محدِّدات سياسية واضحة، في ظلّ غياب الجهة التي كانت تعارض تحميل الخسائر لأكثرية المودعين، سواءً كانت داخل الحكومة أو في الشارع. ومع غيابها، ومع عودة الانقسامات السابقة إثر الانفجار وما تسبَّب به من تروما جماعية، ستعود البلاد على الأرجح لتشهد جولات من «الصراع الأهلي»، ولكن من دون وجود إطار هذه المرّة لضبطها وإعادة إنتاجها في سياق جديد، كما حصل في 17 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي. حتى «الفكّ الجزئي للحصار» الذي تسبَّبَ به الانفجار عرَضياً، سيصعُب «الاستفادة منه»، ما لم تُستؤنَف المعركة مع المصارف، ليس بالضرورة كما حصل مع الحكومة الحالية، على اعتبار أنّ موازين القوى في الاقتصاد لا تزال لمصلحة الأوليغارشية. ولكن، أقلّه، بشكل يجعل هذه المنظومة لا تستفيد من الظرف المستجدّ، وما يحمله من فرصٍ اقتصادية لجهة إعادة الإعمار المقبلة للهروب من استحقاق دفع فاتورة الخسائر التي تسبَّبت بها للاقتصاد وأكثرية المودعين. هؤلاء الضحايا، وبسبب حكم هذه الأقلّية وطريقة مراكمتها للربح سواء عبر الحروب أو النهب أو التفجيرات لم يعودوا يمتلكون شيئاً، فبعد فقدان الودائع والمدّخرات وحصيلة بيع قوّة العمل لسنوات في «الحرب» التي خاضتها ضدّهم المصارف يفقدون الآن منازلهم وحياتهم، والأثَر الرمزي الباقي لهم من بيروت المدينة، كما كانت قبل الحرب. أي قبل أن تأتي سلطة أمراء الحرب على كلّ التراكم الاجتماعي الذي أنجزته العاصمة، بتفاوت بين مرحلة وأخرى، ولكن بما يليق بأهلها، لا بهذه الطغمة التي تقود البلاد من هاوية إلى أخرى.
* كاتب سوري

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا