مشكلة الكيانات الفاشلة، ليست في أنّها تزول وتنتهي حين تفشل، بل في أنّها تستمر. عدا عن الكلفة الإنسانية والمادية للكارثة التي حلّت ببيروت ــــــ ويزيد من وقعها أنّ الكثير من القتلى كانوا إمّا عمّال مرفأ فقراء، أو متطوّعين ومنقذين هرعوا إلى مكان الحريق، أو عسكريين بسطاء؛ ويبدو أيضاً أنّ ما يقارب ثلث القتلى هم من السوريين ـــــــ فإنّ الضربة كان لها أثرٌ رمزيٌّ أيضاً، أعاد الحديث من جديد عن هشاشة الكيان وسيناريو زواله، ونحن نقترب من الذكرى المئوية لقيام لبنان الكبير.

المسألة ليست فقط أنّ «لبنان الكبير» قد بُني حول بيروت، وبيروت كبرت حول المرفأ «الجديد» في القرن التاسع عشر، والذي اجتذب التجارة والمصالح الأجنبية والإدارات إلى المدينة وجعلها عاصمة. في لبنان أصلاً لا توجد مؤسسات كثيرة، أو تجارب جماعية، يمكن تسميتها بالـ«وطنية». هو المطار والمرفأ وأمور قليلة أخرى. حين تذهب إلى المطار لاستقبال الزائرين أو للسفر، فأنت تمرّ تحت العلم اللبناني في مكانٍ يستخدمه الجميع، والمرفأ نحتاج إليه ليكون صلتنا بالخارج (ومن أسباب ذلك أنّ المطار والمرفأ، على عكس الجامعة اللبنانية مثلاً، لا يمكن أن تقسّمهما إلى فروعٍ وتوزّعهما على الطوائف، وسيكون من الصعوبة بمكان أن تبني مطاراً ومرفأً في الجبال). لهذا السبب، حين اندلعت الحرب الأهلية، تمّ نهب أحواض المرفأ، وهو كان يقع تماماً على الخط الفاصل بين البيروتين، وبدأ مباشرة التفكير في إنشاء مطار أو مرفأ بديل في كل جهةٍ من لبنان ـــــــ ولولا تضافر الإرادة الخارجيّة في نهاية الثمانينيات، ووعود الإعمار، و«حرب الإلغاء» التي دمّرت اقتصاد المنطقة الشرقية، لما كان هناك من سبب قوي (أو من حافزٍ، أقلّه في «الشرقية») لإعادة وصل شطرَي البلد.
الحديث عن «نهاية الكيان» ليس جديداً، وأنا لا أذكر مرحلةً من عمري لم يكن فيها «لبنان في خطر». وهذا ليس مستغرباً حين نتكلّم على كيانٍ حديثٍ مضطرب، قضى أكثر تاريخه وهو على حافة الانهيار أو الانقسام. التمنيات التي تخرج دورياً بعودة الانتداب والحكم الأجنبي، ليست إلّا تعبيراً عن هذا اليأس من «الكيان» ومحدوديته، والبعض يراه أصغر من اللازم، والبعض الآخر أكبر من اللازم، ولكنّ الأكثرية تراه سجناً أو عبئاً وورطة (المشكلة هنا هي أنّ العديد ما زال لا يفرّق بين أن تكون مواطناً في بلدٍ أوروبي ثري متقدّم، وبين أن يحتلّك هذا البلد). ومقابل هذا الخطاب «المتشائم»، يخرج في لبنان دوريّاً، بعد الحرب أو أيام 14 آذار مثلاً، خطابٌ يمتدح لبنان و«فرادته»، ويتخيّل ماضياً ذهبياً سيعود إليه، وتصبح فيه كلّ مشاكل الكيان اللبناني حسنات و«تنوّعاً» وجمالاً.
كما يذكّرنا المؤرخ ستيفان وينتر، فإنّ تعبير «لبنان» حتّى، كتسمية جغرافية وسياسية، هو حديثٌ للغاية. «لبنان» (مثل «إسرائيل») تسمية توراتية قديمة اختفت من التداول بعد الفتح الإسلامي، ولا تجدها في الوثائق العثمانية حتى أواسط القرن التاسع عشر. «جبل لبنان» كان يرمز في الجغرافيا، حصراً، إلى الجبال التي تحيط بطرابلس: عكار والضنية والكورة وشمال «لبنان». وهي في ولاية ونظام إداري، فيما الشوف والمتن وكسروان في ولايةٍ ونظامٍ مختلفين. وحين كانت الوثائق العثمانية والأجنبية تشير بالجمع، إلى المناطق التي يلتزمها «المعنيّون» ــــــ والشهابيون من بعدهم ـــــــ ضريبياً، كالشوف وجزين والمتن، فهم كانوا يسمّونها ببساطة منطقة صيدا أو بيروت.
«لبنان» و«جبل لبنان» كما نعرفه، يكتب وينتر، ما هو إلّا نتيجة «عطية أوروبية» حصلت عام 1842، لا أكثر ولا أقلّ، حين قرّرت القوى الغربية خلق نظامٍ إداريٍّ خاص لـ«الأمة الدرزية والأمة المارونية» ــــــ بحسب لغة القناصل أيامها ــــــ وإعطائه هذا الاسم. وهم، بذلك، كانوا يسيرون على نهجٍ ابتدأ في البلقان قبل ذلك بعقدين، يقضي بتحويل أجزاء واسعة ممّا تبقّى من الدولة العثمانية، إلى «أمم جديدة» أو محميات دينية وعرقيّة.

تاريخ المحاصصة
العودة إلى التاريخ ضرورية لأكثر من سبب. من جهة، لأنّ تضعضع الكيان اللبناني يترافق مع انهيار السردية الرسمية القديمة عن التاريخ اللبناني. المؤلّفات والأبحاث الجديدة تجعل أكثر «المسلّمات» التي درسناها في كتب التاريخ الرسمي غير صحيحةٍ وغير واقعية، وتحتاج إلى إعادة تكوين. من جهةٍ أخرى، فإنّ «الطائفية» أصبحت تشبه صندوقاً أسود في الخطاب السياسي، بمعنى أنك قد تستخدمها كتفسيرٍ لأي شيء (الفساد، الخراب الاقتصادي، أزمة الكيان، إلخ)، وتعتبر «الخروج منها» حلّاً، ولكنّه تعبيرُ مغفَّل، يعني أموراً مختلفة بحسب من يقوله. لهذا السبب، لا معنى لأن تتكلّم على الطائفية والمحاصصة، من غير أن تشرح ما تقصده بها تحديداً، وتضعها في سياقها في التاريخ المحلّي. ودعوة «أن نتخلّص من الطائفية ونبني دولة حقيقية» هي الأخرى ليست فكرةً جديدة، بل تستعاد دورياً أيضاً كحلٍّ نهائي لمشاكلنا، وتظهر تقليدياً في ختام أكثر النقاشات السياسية، وإن كان يجري بين أناسٍ طائفيين (ووليد جنبلاط والأمير طلال أرسلان مثلاً كانا من بين الداعين، في الأيام الماضية، إلى إنهاء النظام الطائفي والعبور إلى الدولة المدنية).
من دون أن ندخل في نقاشٍ نظري، ولكن خطاب «إلغاء الطائفية»، كما يتمّ طرحه تقليدياً في لبنان، تعتريه إشكالات عديدة. أوّلاً، لأنّ الطموح بأنّ الدين والهوية والطوائف، يمكن ألّا تؤثّر على السياسة في عالمنا الحالي (سواء في الهند أم في لبنان) هو محض وهم ــــــ وبخاصة إن كنت تريد قدراً من الديموقراطية والحريات السياسية. ثانياً، لأنّه ليس كلّ «الطائفيات» تتشابه، وفي العالم الكثير من الدول التي تحوي تعدداً عرقياً ودينياً وثقافياً، ومحاصصة وكوتا وهويات، من غير أن تتحوّل هذه البلاد إلى كيانات كسيحة ودول فاشلة (في أميركا، مثلاً، المحاصَصة العرقية تصل إلى توزيع أدوار البطولة في المسلسلات والأفلام). ثالثاً، أنت تتحدث عن تشكيلات طائفية، حديثة وسياسية وجماعيّة (هذه التوصيفات، بالمناسبة، ليست متعارضة) تشبه «الشعوب»، لها وعي تاريخي مشترك ومؤسّسات، وبعضها يعود تشكّله إلى ما قبل نشوء القومية العربية، أو بدايات الوطنية المصرية. أنت لا تواجه «نظاماً» بسيطاً يمكن تفكيكه من داخله و«تنهيه». أساساً، قبل أن ندخل في تحويل الثقافة السياسية ومفهوم الهوية والمواطنة بشكلٍ جماعي، هناك خطوات تمهيدية أوضح وأبسط، من نمط إلغاء الطائفية السياسية أو الانتخابات خارج القيد الطائفي، وحتّى هذه هي أمورٌ قد لا يقدر على احتمالها الاجتماع السياسي في لبنان اليوم.
قدّم الأمجد سلامة، على هذه الصفحات، سرديّة بديلة من نشوء «نظام المحاصصة» في لبنان، أعتقد أنّها تصلح للبناء عليها. الفكرة، باختصار، هي أنّ أساس المحاصصة والريع الطائفي، لا يعود إلى إنشاء لبنان الكبير عام 1920، ولا إلى مرحلة المتصرّفية في أواسط القرن التاسع عشر، بل يمكن تتبّعه في حقبةٍ محدّدة، هي تقريباً القرن الذي تلا معركة عين دارة، بين أواسط القرن الثامن عشر وأواسط التاسع عشر.

التمنّيات التي تخرج دورياً بعودة الانتداب والحكم الأجنبي ليست إلّا تعبيراً عن هذا اليأس من «الكيان» ومحدوديته


معركة عين دارة عام 1711 (وهي معركة صغيرة بالمقاييس التاريخية، ولكن التاريخ اللبناني يذكرها كأنّها ثيرموبيلاي بسبب آثارها السياسية العميقة على مجتمع الجبل) ولدت بعدها أزمة شرعيّة وفراغاً سياسياً في «الإمارة»: هُزم الجناح اليمني بالكامل وهُجّر قادته وأتباعهم خارج الجبل، تسلّم الالتزام العثماني ــــــ والسيطرة السياسية ـــــــ بعد المعنيين آل شهاب، وهم لا ينتمون، لا جغرافياً ولا دينياً، إلى النسيج التقليدي الحاكم، وهم أيضاً سيُضطرون إلى الاعتماد بشكلٍ متزايد على حلفائهم المسيحيين إلى الشمال. «إعادة بناء الشرعية» قد تمّت، يكتب سلامة، عبر تحويل الحلفاء (وهم تقليدياً قادة عشائر مقاتلة) إلى ما يشبه «ملتزمين صغاراً» في مناطقهم. أنت لم تعد مجرّد حليفٍ «يحمل الراية» للأمير في وقت الحرب ويملك وجاهة وسلطة عشائرية في منطقته، بل أصبحت أنت من يتحكّم في جمع الضرائب والتصرّف بها وتمثيل الدولة في نطاقك، مع حصّة متّفق عليها تُسلّم للأمير (يسمّي كمال الصليبي هذا النظام «كانتونات ضريبية»). بطبيعة الحال، ستستخدم العائلات النافذة هذه الموارد، من أجل تشكيل بطانة حولها، ورفع وجهاء معيّنين يصبح ولاؤهم لها، وتوظيف البعض ومساعدة آخرين وبناء كنائس وإصلاح طرقات، إلخ. وتصبح هناك دينامية اعتماد بين الدولة (الإمارة) والزعيم المحلّي الذي يحصل على موقعه في الدولة بفضل نفوذه المحلّي، ولكنّه يحتاج، في الوقت نفسه، إلى المنصب الإداري للحفاظ على هذا النفوذ، أي إنّ موقع «الزعيم» من الأمير أصبح، على مستوى أصغر بكثير، يشبه موقع الأمير الشهابي من الباب العالي.
«تجزئة الالتزام» لم تكن إجراءً إدارياً فريداً في الدولة العثمانية، وقد تمّ تطبيقها في أكثر من مكان. الفريد في حالة «جبل لبنان»، هو أنّ هذه العملية قد ترافقت مع صعود الوعي الطائفي الجماعي الحديث، بدايةً عند الموارنة (ينبّه سلامة وآخرون إلى الدور الكبير الذي لعبته الرهبنات المارونية، الحديثة الإنشاء، في هذا التحوّل الاجتماعي، وخاصة لأنها قادت نشر التعليم الجماعي والطباعة، إضافة إلى دورها الاقتصادي الكبير الذي ربطها بالمجتمع وفئاته الدنيا). هذا المزيج، يمكن القول، هو ما خلق «الصيغة اللبنانية» من المحاصَصة: أن يعتبر الزعيم السياسي أنّ شرعيّته تخوّله حجز «حصّة» من الدولة وريعها، يتصرّف هو بها؛ وأن يكون هذا المنصب وريعه ـــــــ في الوقت ذاته ــــــــ حصّة لطائفة يمثّلها ويدافع عنها الزعيم. هنا، يجد تحذير جون رولز من «المصالح الخاصة» التي تلتهم الدولة مثاله الأعلى، بل يمكن لنا أن نكون استشراقيين بعض الشيء ونبالغ، لنقول إنّ هذه المنهجية (الكفيلة باستنزاف أي مؤسسة على المدى البعيد) تجد بصماتها المتماثلة في كلّ حالة محاصصة لبنانية، من إدارات الدولة إلى مرفأ بيروت إلى الجامعة الأميركية (بينما لا تجد هذا النمط، مثلاً، في أكثر البلديات والإدارات المحلية).
هذه من الأسباب التي تجعل الخوض في هذه «المؤسسات الوطنية» والصعود داخلها في لبنان يستلزم شخصيّة من نوعٍ خاص، وهي أيضاً من الأسباب التي تجعل الكثير منّا في لبنان يتعاطف بسهولة مع مقولة هادي العلوي بالابتعاد عن الدولة وعمّالها ووظائفها، واجتنابها كواجبٍ أخلاقي، إن كنت تريد أن تعيش حياةً جيّدة.

عن النظام ومن هم خارجه
في الوقت ذاته، هذا يشرح شرعيّة «النظام اللبناني» داخلياً (طالما استمرّ الريع)، وأنّه ليس مجرّد أوليغارشيا أو «احتلال داخلي»، بل هو في جانبٍ منه نظامٌ معقّد ومتكامل لتوزيع الريع والحماية في المجتمع، والسياسة فيه ليست حكراً على فئةٍ قليلة ـــــــ بل يصعب أن تجد فلّاحاً في الجنوب، أو ناخباً في بيروت، يبعد أكثر من خطوة واحدة عن أرقام هاتف نائبين أو ثلاثة. ولهذا، هو يصمد في الامتحان الديموقراطي والانتخابات، ويحظى بمشاركات كبيرة وتصديقٍ شعبي في كل دورة، ولهذا نجد الشعب اللبناني مسيّساً بدرجةٍ عالية، فالسياسة والعلاقات والولاءات تلعب دوراً أساسياً في تقرير مكانك في الحياة وبين الناس.
القصّة لا تنتهي هنا بالطبع، إذ ترافق تشكّل «الكيان» اللبناني مع وعيٍ متزايد لدى نخبه بأهمية العامل الخارجي، وقد أمّن السياق التاريخي والتوسّع الأوروبي حافزاً لدى هذه النخب لاستخدام خطابٍ معيّن وصياغة مطالبها بطريقة محدّدة، بغية استجلاب الدعم والرعاية. بدلاً من أن تقول «أنا زعيم عشيرةٍ مقاتل، أتنافس مع جيراني منذ قرنٍ على الزعامة ونتبادل المجازر»، تقدّم نفسك إلى القناصل كممثل لأمّةٍ مضطهدة يحكمها الترك الأجلاف (وهو أسلوبٌ لا يختلف كثيراً عن الحركات السياسية المعاصرة، التي تطلب الدعم والرعاية من حكومات أجنبية عبر استخدام خطابها عن الديموقراطية وحقوق الإنسان، أو الطريقة الببغائية في «الأداء» التي يقدّم بها العربي نفسه إلى المؤسّسات الغربية في طلبات التمويل والمِنَح). لهذا السبب، أنت لن تجد قوة أوروبية، من البندقية في القرن السادس عشر إلى الملك لويس الرابع عشر في فرنسا إلى نمسا مترنيخ، لم تستثمر عبر التدخّل وشراء الولاءات في جبل لبنان في مرحلةٍ ما. وفي العصر الحديث، وصلنا إلى أيامٍ «ترسل» لنا فيها الدول الراعية رجالها الذين تختارهم مباشرة، ليصبحوا رؤساء وزعماء كباراً.
هناك دائماً في لبنان المعاصر فئات «تخرج من طوائفها» لأسباب أيديولوجية، وطبقة وسطى حديثة لا تستفيد من النظام الطائفي ولا ترغب فيه: برجوازية صغيرة بنَت نفسها بنفسها، فئات مدينية علمانية، مغتربون، إلخ (المشكلة، هنا، هي أنّ هذا الشكل من المعارضة لا يمثّل الطبقة الوسطى فحسب، بل جزءاً صغيراً منها، وأنّ الغالبية الساحقة من الناس، كما يقول أحد أبطال رواية «خضوع» لويلبيك، سينشأون بحسب الوسط والدين والهوية التي تربّوا عليها وورثوها، ولن تشذّ منهم إلا أقلية صغيرة).
«النظام الطائفي» لا يوزّع منافعه على الجميع، وليس بالتساوي طبعاً، ولكنّه أيضاً ليس الباب الوحيد للريع. ما أقصده هو أن في الاجتماع اللبناني أيضاً فئة أخرى تعارض «النظام الطائفي»، وتستقلّ عنه ولا تحتاج إليه، ولكنّ ذلك مردّه إلى أنّها أصبحت تتموّل مباشرة من «الخارج». عام 2005، كان «الليبرالي اللبناني» يضطرّ إلى المرور عبر وسائل إعلام 14 آذار وأحزابها التي تتكلّم باسمه، ولكن، مع صعود عصر التمويل المباشر والمنَح والمنظّمات (وتحوّل قناة التمويل الخليجي إلى قنوات متعدّدة متنافسة)، أصبح في وسعه الحصول على دعمٍ وراتبٍ غربيٍّ بشكلٍ مباشر من حكومات الخارج ومنظّماته، ولا يضطرّ حتى إلى العمل عبر الحريري ومسايرته ومدحه. يصبح «ملتزماً صغيراً» بمعنى ما، ويعارض براحة كلّ «الطبقة السياسية».
من يراقب أرقام الاقتصاد ودخول الدولارات إلى البلد، في الأشهر الماضية، يعرف كم أصبحت هذه «الرواتب الخارجية» ذات وزنٍ في السوق، وكم أصبحت تمثّل طبقةً واسعة (من موظّفي المنظّمات الدولية إلى أصحاب منظّمات تموّل من الخارج إلى جحافل الإعلاميين لدى مختلف الوسائل العربية والأجنبية)، وهذه الدولارات تسهم في إسناد العملة، اليوم، كتحويلات المغتربين تماماً. هذه ليست مسألة هيّنة. كان العمل عند الغرب أو الخليج دائماً أمراً مغرياً ومطلوباً في لبنان، ولكن مع انهيار العملة أصبح الفارق مهولاً. الفارق الأهم بين المواطنين اليوم هو التالي: هل دخلك بالدولار أم بالليرة؟ وهذه هي المعلومة الأولى التي يهمّني أن أعرفها مع كلّ من يناقشني في السياسة. هذه الصفة أهمّ حتى من كونك مقيماً أو مغترباً. فأنا، ومن راتبه بالدولار، نعيش فعلياً في بلدَين مختلفَين ـــــــ ولا أحد سيقنعني بأنّ مصالحنا الوطنية والطبقية هي واحدة.
غنيّ عن القول إنّك إن أردت الانضمام إلى هذا «الكومبرادور اللبناني»، فإنّ هناك نطاقاً كاملاً من الآراء السياسية يصبح ممنوعاً عليك، بمجرّد أن تقرّر دخول هذا العالم، وبعض هذه الآراء يعتبر ببساطة «غير قانوني» في عرف الدول المموِّلة. وهي حدودٌ على الرأي والسياسة، لا تقلّ عن تلك التي يفرضها العمل لدى أي نظامٍ عربي ـــــــ وإن زعمت أنّك تعتنق أفكار المموِّلين وقضاياهم، عن حرية واقتناع، فإنّ الجانب الوحيد المختلف عن الآخرين (والمقنع) في زعمك هو أنك تقوله من شقّةٍ جميلة وأنت تعيش حياةً سهلة. «التناقض الرئيسي»، الذي يحدّد من يستمرّ ومن لا يستمرّ في هذا المجال، هو ليس المهارة والموهبة، أو حتى قوانين السوق، بل هو القدرة على اجتلاب المنَح والمال من الأجانب (أو الوظائف من وكلائهم)، فهذا ما يقرّر وجودك في هذا المضمار من عدمه، ولكم أن تتخيّلوا شكل «المؤسّسة» التي تنشأ ضمن هذه الشروط. الوعي الطائفي «متقدِّم» أكثر بكثير على ما نجده هنا، فالزعيم الطائفي عليه أن يفكّر في مصالح أناسٍ كثر وطبقات مختلفة وعائلات متنوّعة وتناقضات كثيرة، فيما الخيارات هنا سهلة وتقتصر على «مصالح طبقتنا»، أي الشكل الأكثر بدائية من السياسة، ونحن لا نتحدث حتى عن «طبقة» واسعة بالمعنى الماركسي، بل عن شبكةٍ صغيرة ومحظية من الوظائف والشراكات و«الصداقات» في العاصمة.

خاتمة
منذ أواسط / أواخر 2018، ابتدأ النظام المالي اللبناني بالتضعضُع وإظهار بوادر الفشل الكامل. بحلول 17 تشرين الأول، كانت المصارف قد بدأت بمنعك من سحب مبالغ كبيرة من حسابك، وخرج الدولار ـــــــ لأوّل مرّة منذ بداية التسعينيات ـــــــ من عقاله. وبعد 17 تشرين، قامت أجزاءٌ من النظام بـ«الثورة» عليه. بمعنى أنّ هناك فئات واسعة كانت تستفيد من المنظومة وتعتاش منها، وتغرف من المحاصَصة وتحصِّل الفوائد الربويّة وتستهلك وتستورد وتحترف السياحة والسفر، ثمّ توقّف النظام عن العطاء فثارت ضدّه. لا فضل كبيراً لك، هنا، في أن تعلن معارضتك الجذرية لـ«النظام»، بعدما انهار وفشِل وجفّت موارده. ولا أعرف من ابتدع مقولة إنّ «17 تشرين تجبّ ما قبلها» أو ما شابه، وإنّها بمثابة طقسٍ يمحو سجلّك وماضيك، ويسمح لك بأن تعيد اختراع نفسك. ولكن من يعتمد مقولات من هذا النوع، يجب أن لا يشتكي من «ركوب الانتفاضة»، فهي معادلات مصمّمةٌ خصيصاً لهذا الهدف.
هناك، أيضاً، من يرى كلّ هذه الأحداث كسلسلة متّصلة في سكرات موت «الكيان»، وأسسه كلّها تنزاح الواحدة بعد الأخرى. كيف سيعوّض الزعيم الريع الذي نضب؟ مكانة السيد الأجنبي ستزداد أكثر من أي وقت مضى في تاريخنا. ولا نعرف متى يصبح الانفجار أو التقسيم «أجندة» يسيرون عليها. الجميع يعلم أنّنا لن نخرج من هذه المرحلة كما دخلناها، وسيكون هناك متّسع للحديث عن المعارك المقبلة في هذه البقعة من ساحل الشام ــــــ التي انطلقت من قبل أن ينتهي الحداد على الضحايا.