حين انتهت حرب التحرير في الصين، عام 1949، وتسلّم الحزب الشيوعي قيادة البلاد، لم تكن الصين بلداً زراعيّاً فقيراً وحسب. تذكّر المنظّرة الماويّة باو ـــ يو تشينغ بأنّه، بعد قرنٍ ونصف من الانحدار والحروب والغزو والمجاعات والإهمال، كانت الأرض نفسها «لم تعد صالحة»، ولا يمكن أن تُطعم الشعب الصيني. حين عجزت الدولة ـــ الإمبراطورية ـــ الصينية عن القيام بدورها «التاريخي» في التنمية والحفاظ على إنتاجيّة الريف، خرّبت مشاريع الري وانخفضت نسبة الأراضي المرويّة المنتجة بشكلٍ كبير، فيما منعت الحروب والأزمات حصول استقرارٍ وتراكم. القصص عن حالة الريف في تلك المرحلة مرعبة: كانت الكثير من القرى، مثلاً، تضطرّ لإقامة تحصيناتٍ وأسوارٍ حولها، وتنظيم حراساتٍ وخطط دفاعيّة، لأنّ الريف كانت تجوبه باستمرار جماعات من الفلّاحين الجائعين ينتظمون في عصاباتٍ، تتحوّل أحياناً إلى جيوش صغيرة، تهاجم القرى في طريقها للاستيلاء على مخازنها. في تلك المرحلة، راجت عادةُ أن تخرج القرية بأكملها للتسوّل جماعيّاً، لأنّ المحصول لن يكفيها والخَيار هو بين الاستجداء والموت جوعاً، ولم تنتهِ حتى أوائل ستينيات القرن العشرين. حين حصل الإصلاح الزراعي في مرحلته الأولى، عام 1952، وتمّ توزيع الأرض على الفلّاحين، تقول تشينغ إنّ أكثر هؤلاء كانوا فقراء ومعدمين، إلى درجة أنّهم لم يكونوا يمتلكون المعدّات الأساسية البسيطة، مثل المعول والمنجل، لاستثمار أرضهم وزراعتها.

هنا، كانت المعضلة التي واجهها ماو وفريقه: أنت تحتاج إلى بناء نظام إنتاجي في الريف يستبدل النظام الإقطاعي القديم، وعليك أن تستثمر في الأرض وتستعيد إنتاجيتها، ومن المفترض، في الوقت نفسه، أن ترفع مستوى حياة الفلّاح الصيني (حتّى يكون استفاد من الثورة التي ضحّى لأجلها، ولا تستحيل سخرة). وأنت في مجتمعٍ زراعيٍّ بالكامل، ليست لديك موارد صناعية أو خارجية يمكن أن تصبّها في الريف، بل على الريف أيضاً أن يؤمّن الفائض لبناء القطاع الصناعي وسوق البلد نحو التصنيع. كيف يمكن أن تحقّق هذه الأهداف المتناقضة، وكيف تضمن أن لا يعود الماضي الإقطاعي بصورةٍ جديدة ويتمّ فرز الناس مجدّداً بين مالكٍ ومملوك؟ بالنسبة إلى ماو، فإنّ الاشتراكية هي الإجابة الوحيدة الممكنة والخيار الوحيد المتاح في هذه الحالة. ولكن ماذا تعني الاشتراكية بالضبط؟ ولماذا لم ينجح مشروع اشتراكي ويستمرّ، أو يكتمل «انتقال اشتراكي»، من بين تجارب القرن العشرين؟
من الأمور التي أندم عليها في حياتي، هو أنّني لم أدرس الصين كما يجب حتّى حين أُتيح لي ذلك. هذا كان له أسباب عدّة، من بينها ضرورات الاختصاص وحاجز اللغة والكسل، ومنها أيضاً أنّ المناهج الغربية في الاقتصاد السياسي والسياسة المقارنة، يومها على الأقل، لم تكن تملك تنظيراً واضحاً عن حالة الصين أو تفسيراً مقنعاً لنمط الإنتاج فيها؛ فلا هي يمكن وضعها في سلّة «الدول النامية»، ولا هي من «الاقتصاديات الغربية المتقدّمة» (لهذا السبب، كان يتمّ تقديم الصين، غالباً، على أنّها نموذجٌ «في طور التحوّل»، إمّا صوب الرأسمالية الليبرالية أو صوب الفشل ـــ أي أنها لا بدّ أن تنتهي حكماً إلى أحد النمطين). أندم لأنّه صادف أنّي كنت في جامعة تزخر باختصاصيي الشرق الأقصى، وفي قسمي وبجواري أساتذة من مستوى كيفن أوبريان الذي يدرّس ـــ تحديداً ـــ الريف والمجتمع الفلّاحي الصيني. ولكنّي لم أفكّر يوماً بأن آخذ صفّاً معه، واقتصرتْ علاقتنا على إيماءة الرأس المهذّبة نتبادلها حين نتشارك المصعد (وهو لا يعرف بالضّبط من أنا).
ولكن، للأسباب المذكورة أعلاه، فإنّ تجربة الثورة الصينية تساعدنا على التعلّم عن الصين والاشتراكية سويّة؛ ولا نعني الاشتراكية هنا بالمعنى النظري المجرّد، بل كحالة تاريخية حقيقية، تفاعلت فيها النظرية مع أحداث الواقع وتناقضاته. هذا ما سنحاول فعله عبر مقالٍ من جزئين (أعتقد) نعرض فيه فكرة الاشتراكية في الصين، في صعودها وفي هزيمتها، ومعنى تحرير 1949 الذي قد يتذكّره التاريخ على أنّه، وليس غيره، كان أهمّ حدثٍ على الإطلاق شهدته البشرية في القرن العشرين.

ما هي الاشتراكية؟
يبدأ السؤال الحقيقي هنا من تعريف «الاشتراكية». لعرض النقد الماوي للتجربة الصينيّة، سأعتمد على كتابات منظّرين ماويين مثل ويليام هنتون وهارت ـــ لاندسبرغ وبوركيت، وأساساً على نصّين لباو ـــ يو تشينغ، الأوّل هو نصٌّ شهير نشرته مع دنغ ـــ يوان هسو، في أواخر التسعينيات، تحت عنوان «إعادة التفكير بالاشتراكية»، والثاني كتابٌ من عام 2017، «من النصر إلى الهزيمة»، هو عبارةٌ عن تطويرٍ وتوسيعٍ لأفكار الورقة الأصلية.
هل الاشتراكية تعني إجراءات وسياسات محدّدة نربطها عادة بالاشتراكية، تملّك الدولة لوسائل الإنتاج مثلاً أو سيطرة القطاع العام على الاقتصاد؟ يؤكّد تشينغ وهسو أنّ هذه السياسات، في ذاتها، لا تعني شيئاً كثيراً، ولا يمكن أن نوازي بينها وبين الاشتراكية. بل إنّ هذه الإجراءات «محايدة» في جوهرها، يمكن أن تستخدمها الرأسمالية كما تستخدمها الاشتراكية. يشرح الكاتبان أنّ سياسات «رأسمالية» وسوقيّة من الممكن أن توظّف في حالاتٍ معيّنة لأجل خدمة مشروعٍ اشتراكيّ (خطّة لينين الاقتصاديّة مثالاً)، بينما من الممكن أن تؤمّم الدولة شركات أو تدخل في عملية الإنتاج، ولكن يكون ذلك لأجل تعزيز التراكم الرأسمالي، أو لأداء دورٍ في السوق لا تقدر البرجوازيّة المحلية عليه (مثل شراء الحكومة الأميركية لأسهم المصارف والشركات خلال الأزمة الاقتصادية العالمية).
المسألة هي أنّ «الاشتراكيّة» ليست شيئاً محدّداً، بل هي مفهوم، ولا يوجد «دليل عملي» على تأسيس النظام الاشتراكي، أو طبيعة مؤسساته، أو شكل السوق الذي سينتج عنه. وكارل ماركس نفسه، لم يشرح خصائص هذا النظام أو كيفيّة الانتقال إليه. يذكّر هسو وتشينغ أنّ المعنى الحقيقي للاشتراكية، هو في الانتقال من نمط إنتاجٍ يقوم على تعظيم قيمة رأس المال (أي يقوده الربح) إلى إنتاجٍ تحدّده حاجات المجتمع ـــ وكلّ شيء آخر ينساب من هنا. بتعبير تشينغ، فإنّ «المنطق»، في نظامٍ يقوم على الربح، قد يكون في «أن تصرف نصف العمّال وتجعل النصف الآخر يعمل لثمانين ساعة في الأسبوع» بينما، في نظامٍ اشتراكي، يصبح العامل والفلّاح هو مصدر الثروة لديك، وهو أثمن عنصر في المجتمع، وليس مجرّد أداةٍ لتعظيم رأس المال.
تحاجج تشينغ بأنّ العمّال في الصين، قبل عام 1978، كانوا يمتلكون ضمانات وتأمينات استغرق العمّال في الغرب قرناً من النضال للوصول إليها (كان من بينها، إضافة إلى حقوق السكن والتعليم والصحة، حقّ الإضراب ونقد رؤسائهم والتعبير عن رأيهم، وهي كانت مكفولة دستورياً إلى أن تمّت إزالتها من الدستور في أوائل الثمانينيات). حتى حين كان الريف الصيني لا يزال بالغ الفقر، بعد سنواتٍ قليلةٍ على الثورة، كان الفلّاح الصيني قد حصل على ضمانات لم يكن يتخيّلها قبل التحرير. أصبح الجميع، حتى الأرامل والأيتام والضعفاء الذين لا يقوون على العمل وإعالة أنفسهم، جزءاً من وحدات إنتاجية مسؤولة عنهم وتؤمّن لهم حصّة من الإنتاج الجماعي. وحين تقوم وحدات الإنتاج بالاستثمار في الأرض واستعادة خصوبتها وتأسيس مشاريع الري، فإنّ عائدها كان يرجع مباشرة إلى الفلّاح، فلا رأسمالي مهووسٌ بسحب الفائض من قيمة عمله، بل الجميع ينتج لأجل الجميع. هذا ما دفع عشرات الملايين من الفلّاحين الصينيين للعمل تطوّعاً، بلا مقابل، كلّ موسمٍ لأجل بناء قنوات الريّ وتحسين الأراضي وإنشاء مشاريع، كان من المستحيل أن تقوم الدولة بتمويلها. هم كانوا يعرفون أنّهم، وإن لم يشهدوا نتيجة كدّهم وتضحياتهم في حياتهم، فإنّ أولادهم سيقطفون ثمارها.

يستهين البعض بموضوع الاستعمار أو يعتبره موقفاً «رمزيّاً» وذلك لأنه لا يعرف ثمن الرهان والهزيمة وشروط الاستعمار الغربي في القرن العشرين


أمّا عن نتائج تلك المرحلة، فالأرقام تتكلّم: بين عامي 1952 و1979، خلال خمسة وعشرين عاماً، ارتفعت نسبة الأرض المروية من 18.5 إلى 45.3 في المئة من الأرض الزراعية في الصين، ارتفع استهلاك السماد من 7.8 كيلوغرام للهكتار إلى طنٍّ للهكتار، وازداد عدد محطّات الطاقة المائية الصغيرة من تسع محطّات بعيد الثورة إلى 83.200 محطّة (الأرقام من نصّ هسو وتشينغ). في الوقت نفسه، لم يتمّ طرد «الفائض الريفي» إلى المدن، كما يحصل في الدول الرأسماليّة، ليصنعوا أحزمة البؤس والفقر المديني، وذلك لأنّ المدن كانت أيضاً تمدّ الريف بالاستثمار والسماد والتكنولوجيا (على عكس ما يفترض منطق الربح الرأسمالي). هنا، كان أساس نهضة الصين ونموّها اللاحق، وهذه هي أيضاً الفترة الماويّة، فترة الحملات الشعبية و«القفزة الكبرى إلى الأمام» والثورة الثقافية، بنجاحاتها وعثراتها، والتي لا يتناولها البعض اليوم إلّا من باب السخرية كأنّها لم تكن إلا سلسلة متّصلة من الفشل والمآسي. تقول تشينغ إنّ دخل عمّال الصين في السبعينيات، كان يوازي نسبةً ضئيلة من دخل العامل الغربي، ولكنّ مستوى الرعاية الصحية والتعليم لديهم كان يقارب المعدّل في الدول المتقدّمة، وتضيف بأنّه، فوق ذلك، لم يكن هناك عمّالٌ في العالم يحظون بالاحترام والتقدير والكرامة كعمّال الصين الماويّة.

الاشتراكية والسيادة
يجب أن نتذكّر أنّه كانت للحزب الشيوعي الصيني مهمّتان تاريخيّتان، وهو قد وصل إلى الحكم لأنّه كان الطرف الوحيد القادر على تحقيقهما: وقف الاستغلال الداخلي والنظام الإقطاعي، الذي كان يُفقر الصين ويمنع تنميتها، ووقف الاستغلال الخارجي والاختراق الاستعماري للصين وتحويلها إلى نظامٍ تابع. وقد أصبح الحزب الشيوعي المرشّح الوحيد لـ«تحرير الصين» بعد فشل الوطنيين «الكومينتاغ» (هم أرادوا شيئاً يشبه «دولة مدنية» على الطريق الرأسمالي، فانتهوا إلى نظامٍ تابعٍ للخارج ويمسك الإقطاعيون فيه بالسلطة في الريف). انضمّ الكثيرون من صفوف النخب والبرجوازية إلى الحزب الشيوعي تحت هذه العناوين، وبعضهم انضمّ بسبب القضية الوطنية أساساً، لا التزاماً بالاشتراكيّة (ويعتبر الخطّ الماوي أنّ هذه الفئات هي التي أوصلت إلى حصول ازدواجية في الحزب في ما بعد، وأنّ جناح ليو شاوتشي ودِنغ كان يمثّل هذه النزعة). كان هناك خوفٌ عند ماو من أن يوصل الطريق الرأسمالي إلى عودة المجتمع القديم: إن أنت وزّعت الأرض على الفلّاحين قطعاً صغيرة، واعتبرت أنّ الإصلاح الاشتراكي قد تمّ وانتهى، فإنّ الفلّاح الناجح أو القوي أو الماهر سيزدهر ويصبح ثريّاً، فيما غيره سيظلّ محتاجاً، وسيتمكّن الفلّاح الثري من شراء أرض غيره أو استئجارها، وسيعمل باقي الفلّاحين عنده بالأجرة، وسيورث هذه الامتيازات إلى أولاده، ومع الوقت يعود الريف إلى توزيعٍ في الملكية والثروة لا يختلف كثيراً عن الماضي.
ولكنّ المسألة ذاتها تنطبق على السيادة الوطنيّة. إن كان مجتمعك يسيّره منطق الربح الرأسمالي، والنخب التي تستحوذ على القسم الأكبر من هذه الأرباح، فلن يكون لديك حافزٌ لأن تؤسّس لنمطٍ سياديّ من التنمية أو تمتنع عن الخضوع لرأس المال العالمي (وهناك نظرية، ليست بلا وجاهة، تفيد بأنّ «البرجوازيات الوطنية» في العالم الثالث، بعدما حاولت مقاتلة الاستعمار في الخمسينيات والستينيات باعتباره منافساً لها، وقيادة مشاريع وطنية وتحرّرية، قد يئست في العقود الأخيرة، وقرّر أغلبها أن يبيع بلاده مقابل موقعٍ محظيّ له شخصياً، وهي لم تعد صالحة لأداء دورها القديم).
يستخدم هسو وتشينغ مثال التكنولوجيا وتطوير التكنولوجيا محلّياً في الصين. وفق منطق الربح الرأسمالي، فإنّ الحلّ الأمثل هو أن تشتري أحدث الآلات وأكثرها فعاليّةً من الخارج، بدلاً من أن تراهن على طريقٍ طويلٍ للاكتفاء الذاتي، وأن تطوّر قطاعاً تصديرياً (أو تقترض من رأس المال العالمي) لتدفع ثمن هذه الماكينات بدلاً من أن تركّز على حاجات شعبك ومعيشته. يقول الكاتبان إنّ فكرة تطوير التكنولوجيا محليّاً لم تكن صعبة لأسباب اقتصادية فقط، بل أيضاً لعوامل نفسيّة وتاريخية. حين تكون بلداً، كالصين، تعرّض لهزائم متلاحقة من قِبل جيوشٍ غربية ويابانية على مدى أكثر من قرن، تتكرّس في الوعي الجماعي قناعةٌ بالدونيّة وبتفوّق العنصر الغربي وتكنولوجيته، وأنّك لن تقدر يوماً على إنتاج تقنيات توازيها، ولن تتمكّن من التقدّم بغير معونته. ولكنّ الإرادة السياسية والتخطيط الاشتراكي، هما ما سمح بحشد قدرات الدولة في اتّجاهٍ لا يؤشّر إليه رأس المال ولا يرغبه الرأسماليّون.
من هنا، على سبيل المثال، اكتشف الصينيّون بعيد الثورة أنّهم لن يتمكّنوا من إنتاج مصانع على مستوى المصانع الغربية، بشكلٍ محلّي، ولكنّهم يقدرون أن يركّزوا على الاستنساخ وتقليد التقنيات الأجنبية. تذكر تشينغ أنّ الصين اشترت، عام 1960، أربعة مصانع لإنتاج السماد من دولٍ غربيّة، ولكنّها كانت، بحلول 1964، تبني أكثر من 185 مصنعاً كبيراً على شاكلتها في كلّ مقاطعات الصين (على رغم الدعاية الغربية، هذا النمط توقّف إجمالاً بعد دخول الصين منظمة التجارة العالمية، عام 2001، ولكنّ البلد كان قد بنى قاعدة صناعية وبحثية تسمح بإنتاج التكنولوجيا بشكلٍ مستقلّ).

الصين في الجنوب
يستهين البعض بموضوع الاستعمار، أو يعتبره موقفاً «رمزيّاً»، وذلك لأنه لا يعرف ثمن الرهان والهزيمة، وشروط الاستعمار الغربي في القرن العشرين، وما يحصل للدول التي تسقط أمامه، ولكنّ هذا كان حاضراً في ذاكرة الصينيّين طوال سنوات ما بعد الثورة (ولا يزال). البعض يتصوّر أنّ دولاً مثل كوبا وكوريا الشمالية وإيران، مرّت بمراحل حصارٍ وأزمةٍ وحرمان عن عبث، أو لتسجيل صمودٍ «أيديولوجي». هذا يصحّ لو أنّ كوبا، إذا انهار نظامها أو سقطت، كانت أميركا ستجعل منها ألمانيا جديدة. القضيّة هي أنّ أكثر الكوبيين كانوا يعرفون أنّ المصير الذي ينتظرهم إن وهنوا، هو مصير العراق أو ليبيا، أو أوكرانيا في أفضل الحالات، هذا إن لم تنتقم منهم أميركا وتتركهم يجوعون ويتقاتلون. بالمناسبة، حتى في أسوأ مراحل الأزمة و«الفترة الاستثنائية» في كوبا، حين كان من شبه المستحيل أن تحصل على بيضٍ أو حليب من خارج السلّة الغذائية، كانت الاشتراكية تؤمّن لكلّ مواطنٍ حصّةً غذائيّة تقارب قيمتها الـ2500 كالوري يوميّاً، وفيها أغلب الاحتياجات الأساسية (من الرزّ والخبز إلى الزيوت والسكر والقهوة، و6 كيلوغرامات من اللحم شهرياً). وهذا ما يتمنّاه، اليوم، الكثير من المواطنين في لبنان. هذه السياسات، إضافة إلى الإرادة السياسية، هي ما سمح للبلد بالصمود والاستمرار، حتى يظلّ لهم، على الأقلّ، وطنٌ يمكن أن تبني عليه.
القسوة الغربية في مرحلة الانحدار، قد لا تقلّ عنها في مرحلة الصعود. ولكن، مثلما كان الوضع في الصين في بدايات التحرير، من الصعب أن يتخيّل من تشكّل وعيه في عصر الهيمنة عالماً مختلفاً عن العصر الأميركي، أو حتّى أن تكون له القدرة على مقاومته. هذا واضحٌ في نقاش النخب العربيّة، القائم حول الصين واشتباكها مع أميركا وعلاقتها بنا، حيث تتكرّر نقاط البروباغاندا ذاتها التي تجدها في الصحافة الغربية (وإن كانت الأكاديميا الغربية فقيرة في التنظير عن الصين، فإنّ الصحافة أسوأ بكثير، ومثلما هناك خطاب غربي معادٍ للصين موجّه إلى جمهور الغرب، فهناك أيضاً خطاب معادٍ للصين يوجّه إلى دول الجنوب، وفعاليته ليست قليلة). ولكن، في الوقت نفسه، إن كنّا نريد بناء عالمٍ جديدٍ حقّاً، فإنّ المسألة لا يمكن أن تقتصر على «إعادة توزيعٍ» لميزان القوى على الساحة الدولية. وإن كنت حقّاً تودّ أن تواجه الهيمنة الغربيّة، فإنّ أوّل ما يجب أن ترفضه وتشكّك به وتحاربه، هو المنتج الأسوأ للاستعمار: الرأسمالية بشكلها التاريخي الحالي (يتبع).