«إنّ سياسة الحصار الأميركي على لبنان، تدفع بالشعب اللبناني نحو حزب الله والمحور الآخر». هذه هي المعادلة التي أطلقها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، الذي ترك للإدارة الأميركية العمل على تحليلها وتفنيدها. وكلّ الشواهد الحالية على أرض الواقع، إضافة إلى التجارب التاريخية، تؤكّد أنّ تداعيات الحصار الأميركي المفروض على لبنان لن يكون محط رحالها سوى في انحسار النفوذ الأميركي، من خلال تراجع زعامات حلفائه في الداخل، وسحب ورقة الاقتصاد من يده.

إنّ الحجر الأساس الذي يفرز كل الظواهر المادية في أي مجتمع، من اجتماعية إلى سياسية إلى أخلاقية إلى ثقافية وغيرها، هو البنية الاقتصادية التي تعبّر عن علاقات الإنتاج القائمة فيه. وإذا أسقطنا هذا المبدأ على المجتمع اللبناني، استخلصنا أنّ اقتصاد الريع هو الذي ثبّت وأمّن استمرارية زعامات الطبقة السياسية المحسوبة بغالبيتها على الأميركيين، منذ أوائل التسعينيات حتى اليوم. فالزبائنية السياسية التي تعدّ عمود خيمة تأمين الولاءات الشعبية لهذه الطبقة الحاكمة، هي بدورها إحدى عوارض اقتصاد الريع الذي، بحكم جوهره، يعتمد بشكل دائم على تدفّق الأموال من الخارج.
اليوم، جاء الحصار الأميركي على لبنان وعطّل الحركة الاقتصادية بشكل تام، من خلال تدخّل المسؤولين الأميركيين السافر في كلّ صغيرة وكبيرة، لمنع تدفّق أي سيولة جديدة على البلد، وأيضاً عبر الإشارة إلى أدواتهم النافذة بتحويل ما تبقّى من هذه السيولة إلى الخارج في الأشهر القليلة الماضية، تاركين ما بالكاد يستطيع أن يسمن من جوع أو يروي من عطش، هادفاً إلى وضع كلّ اللبنانيين، وفي مقدمتهم بيئة المقاومة، بين خياري الجوع أو تسليم السلاح. الإدارة الأميركية أرادت، وكان عكس المُراد.
أولاً، إنّ الحصار الحالي أدّى، بطبيعة الحال، إلى تحولات اجتماعية كبيرة جدّاً، وازداد حجم الطبقة الفقيرة بشكل ملحوظ. ثانياً، إنّ هذا الحصار عينه الذي عطّل الاقتصاد بشكل تام، ضرب الزبائنية السياسية بطريقه. بالتالي، فإنّ وقود الطبقة السياسية لتغذية ولاءاتها الشعبية قابع في موت سريري. والتداعيات الولائية لهذين المتحوّلَين واضحة، حيث إنّ كلّ الإحصاءات تشير إلى تراجع كبير في شعبية غالبية الأحزاب التقليدية.
أمّا حزب الله، فمنذ بداياته لا ناقة له ولا جمل في كل السياسات الاقتصادية لهذه المنظومة الحاكمة، فضلاً عن زبائنيّتها. والولاء الشعبي الذي يحظى به هو نتيجة الإنجازات الحسيّة التي حقّقها على مرّ السنين الماضية، منذ تحرير عام 2000، إلى الانتصار في تموز/ يوليو 2006، إلى مشاركته في درء الخطر التكفيري عن لبنان والمنطقة، أخيراً. ولا علاقة لتشكل بيئته الحاضنة، لا من قريب ولا من بعيد، بأي منفعة زبائنية. وقد أحدثت الإنجازات المتتالية التي حققها، واستفاد منها مجموع هذا الشعب، تحوّلاً اجتماعياً إيجابياً. فالمقياس الحقيقي لاختبار صوابية أداء أي حزب سياسي، هو مقدار الحركة الاجتماعية الإيجابية التي ينتجها.
صحيح أنّ بيئة الحزب لحقها التحوّل الاجتماعي من جرّاء الحصار، ولكنّ المفارقة أنّ هذا الحزب أصاب في تشخيص المشكلة الكامنة في بنية الاقتصاد الريعية، وهو دخل معركة الدفع نحو الإنتاج من خلال وجوده في الحكومة وعلاقاته وتحالفاته. ومن المعلوم أيضاً أنّ حزب الله قادر، وأعدّ العدّة لتأمين البديل المؤقّت من خلال حلفائه في محور المقاومة، إلى حين انطلاق عجلة الإنتاج. كما أنّ بيئته الحاضنة تشكّل أكثر من الحدّ الأدنى المطلوب لإرساء هذا البديل، والذي سيصبح مطلباً لكلّ الشعب اللبناني كلّما تفاقمت حالته المعيشية أكثر، وسيدرك من خلال التجربة من يعبّر فعلاً عن مصالحه الحقيقية.
هي معركة شرسة تُخاض اليوم، ولا يخلو مخاضها من الضراوة من دون أدنى شك، لكن أفقها يؤشر إلى ما هو أرحب. بعدما نجح حزب الله في الانتصار في المعارك العسكرية المتتالية ضد وكلاء الإدارة الأميركية في المنطقة، من إسرائيلية إلى تكفيرية، والتي أرسى بعدها توازن رعب مع العدو الإسرائيلي، ها هو يخوض الآن معركة نقل الاقتصاد اللبناني من أداة في يد الأميركي يحوّلها ساعة يشاء إلى ورقة ضغط، إلى اقتصاد وطني يؤمّن مصلحة كلّ الشعب اللبناني. الانتصار في هذه المعركة سيضيّق هامش المناورة للإدارة الأميركية في لبنان، بتقليص أوراق الضغط التي تتمتّع بها حالياً. والنتيجة الحتمية لهذا التطوّر، هي ارتفاع هامش مناورة الحزب، وبالتالي ارتفاع الخطر الوجودي الذي يمثّله على الكيان الإسرائيلي.
مشكلة الإدارة الأميركية مع شعوب منطقتنا، أنّها دائماً تبني سياساتها على مقدّمات خاطئة، والمقدّمات الخاطئة لا تؤدي إلّا إلى نتائج خاطئة. في معركة تحرير الأرض، أطلق السيد عبّاس الموسوي المعادلة: «اقتلونا فإن شعبنا سيعي أكثر فأكثر». وفي معركة تحرير الاقتصاد، يطلق السيد حسن نصر الله توأم تلك المعادلة: حاصرونا فإن شعبنا سيعي أكثر فأكثر.

*باحث اقتصادي لبناني