في خضمّ مخاض متواصل ومُثقل بصنوف المعاناة التي ضربت الأكثرية الساحقة من اللبنانيين، تراوح محاولات الخروج من الأزمة بين العقم والشبهة. ذلك أنّ القوى المسؤولة عن الأزمة، ما زالت هي التي تُمسك بناصية القرار، بما في ذلك داخل الحكومة نفسها. أمّا الانتفاضة الشعبية التي انطلقت بمعظمها عفوية وطبيعية، فقد عجزت عن بلورة خطة وبرنامج مناسبين، فضعُفت وتراجعت، ومن ثم انكفأت كلياً، تقريباً، تحت تأثير انتشار وباء «كورونا» أيضاً. وسط ذلك، تقدّم الدور الخارجي، حتى بات اللاعب الفاعل شبه الوحيد في مشهد الجائحة التي ضربت لبنان في شقّيها الصحّي والمعيشي. سيكون من قبيل التواطؤ أو دفن الرأس في الرمال، تجاهُل واقع أن محاولة شاملة ومواظبة تجري، جهاراً نهاراً، من أجل رهن كل حلحلة للأزمة الاقتصادية الراهنة، بشروط عرقوبية تمر حتماً بدفع البلاد نحو الفوضى والفتنة القاتلتين، سعياً للنيل خصوصاً من المقاومة ضد العدو الصهيوني.

نعيد التذكير بأنّ الأزمة حقيقية وكبيرة وخطيرة. وهي قد عبَّأت وستعبئ أكثر، واستهدفت وستستهدف أكثر، مئات آلاف المتضرّرين ممّن أصابهم الخراب، ويهدّدهم الجوع. هؤلاء باتوا الأكثرية الشعبية الساحقة التي انحدرت، بشكل دراماتيكي، إلى خط الفقر وما دونه، وباتت تشكل حوالى نصف اللبنانيين. إذن، الجدال ليس بشأن وجود الأزمة وحجمها الخطير (أكثرية مسبّبيها تحاول إنكارها وتراهن على خمول المتضرّرين منها، أو على استيعاب احتجاجاتهم بتشتتها أوتشتيتها أو إغراقها، كالعادة، بالعصبيات والانقسامات الطائفية والمذهبية)، إنه بشأن كيفية الخروج من الأزمة وبمن؟ ولمصلحة من؟! قوى المحاصصة المتسلّطة سعت وتسعى، بكل الطاقة بالتالي للاحتفاظ بمواقعها وللإفلات من العقاب. أمّا قوى الانتفاضة، فمدعوّة إلى مراجعة تجربتها وإلى مغادرة السياسات والمقاربات والأساليب القديمة. والمطوب دائماً أن تنخرط الفئات المتضرّرة في النضال على أوسع نطاق. والمطلوب، في السياق إياه، أن تسعى قوى التغيير إلى بلورة برنامج وطني اقتصادي اجتماعي شامل، يضع الأمور في نصابها ويجنِّد جهود ومطالب المتضرّرين في مشروع إقامة سلطة بديلة قادرة على قيادة المرحلة الانتقالية وبالتالي على العبور بالبلاد إلى مسار يجري أثناءه احتواء الأزمة، ومن ثم التأسيس لنظام سياسي واقتصادي جديد. هذا النظام، هو بالمقاييس اللبنانية، أشبه بثورة على النظام القديم الذي بات عقبة أمام توحيد البلاد والشعب، وأمام الازدهار والاستقرار، وأمام تحديات الوحدة الوطنية والسيادة، وأمام علاقات سليمة للبنانيين: في ما بينهم، ومع الخارج.
هذا الاستدراك للقول إنّ الكلام عن أزمة ليس مؤامرة. المؤامرة الحقيقية، تكمن في مكانَين: الأول، في عدم اتخاذ الإجراءات الضرورية العاجلة والصحيحة لمعالجتها. والثاني، في استغلال هذه الأزمة ودفعها إلى الحد الأقصى من التفجر، بهدف توظيفها في خدمة أهداف خارجية هي في الراهن من التطوّرات ذات صلة وثيقة بالمشروع الأميركي الصهيوني («صفقة القرن»)، لتصفية حقوق شعب فلسطين، ومحاولة فرض مشروع هيمنة شاملة على المنطقة، تقوده واشنطن وتل أبيب.
ثمة من المواقف والإجراءات والتدخّلات، ما يثبت، كل يوم، أنّ الإدارة الأميركية تخوض بالتعاون مع حلفائها في أكثر من بلد عربي وبالشراكة مع تل أبيب عمليات ضغط متواصلة، علنية ووقحة غالباً، من أجل تمهيد الطريق وإزالة العقبات أمام «صفقة القرن». آخر حلقات هذه العمليات هو مشروع «قيصر» لفرض عقوبات شاملة على سوريا وحلفائها. قبل ذلك، كان إسباغ صفة الإرهاب على حزب الله في قرار أميركي تردَّد صداه، حتى الآن في لندن وبرلين وفيينا... وقبل ذلك، في خطوات واشنطن وتل أبيب بإعلان القدس عاصمة لدولة الاغتصاب، و«بشرعنة» ضم الجولان والمستوطنات في الضفة الغربية، ويهودية الدولة العبرية... أميركياً! كلّ ذلك، في امتداد التضييق على «منظمة التحرير»، وإقفال مكتبها في واشنطن، ومنع التمويل عن «وكالة غوث اللاجئين» لضرب مبدأ «حق العودة». وقد نال لبنان، في السياق، نصيباً وافراً من التدخّل في شؤونه الداخلية، وتشجيع الانقسام فيه، وإلحاق خسائر فادحة باقتصاده (وحتى بقطاعه المصرفي الذي اتّخذت خطوات للسيطرة الكاملة عليه، عبر «أصدقاء»، وبشكل سافر ووقح ومتجاوز أبسط مقومات السيادة اللبنانية!). وحالياً، يجري العمل على ملفي تعديل مهمات قوات «اليونيفيل» في الجنوب، لكي تصبح أكثر قدرة على «مراقبة» الوضع جنوباً، لمصلحة العدو الصهيوني؛ وعلى ملف الحدود مع سوريا بذريعة منع التهريب، فيما الهدف إحداث قطيعة بين البلدين، في نطاق عقوبات «قيصر» و«صفقة القرن»...
واضحٌ أنه بالتزامن مع «الهجمة» الأميركية وتصاعدها، يجري تحرّك وتحريك مجموعات لبنانية انتقلت مباشرة إلى تبنّي شعار نزع سلاح المقاومة، بذريعة أنّ هذا السلاح هو سبب الأزمة، ونزعُه هو السبيل لمعالجتها! التحرّكات التي جرى تنظيمها، أخيراً، كانت مفضوحة بالكامل في كونها صدى للضغط الأميركي. وقد اجتهد منظّموها، لتشقّ طريقها وتُسمع صوتها رغم ما فرضته «التعبئة» ضد وباء «كورونا» من إجراءات دفعت الأطراف الأساسية في الانتفاضة إلى الاكتفاء ببعض التحرّكات الرمزية الممكنة في هذا الظرف الاستثنائي. طبعاً، يأتي ذلك في امتداد لمحاولات بكَّرت أكثر في استغلال الأزمة والانتفاضة، من أجل طرح مسألة سلاح المقاومة بتصويره، دائماً، سبب الأزمة ومدخل حلّها. هذا برز بشكل خاص، في موقفي «حزب الكتائب» و«القوات» اللذين بالغا في «تأييد» الانتفاضة، أملاً في التأثير على مسارها وفي توظيف النقمة الشعبية لمصلحة سياسية داخلية وخارجية.
النهج التآمري الأميركي، ونشاط «المتعاونين» مع واشنطن (كما تسمّيهم هي)، خطير ومدمّر. بل هو عملية لعب مشبوهة بمصير البلاد وبوحدة شعبها. طرد المحتل، إنجازٌ صنعة المقاومون بدمهم وتضحياتهم وبطولاتهم، وبكلّ أطرافهم ومكوناتهم. إنّها النقطة الأشرف في التاريخ اللبناني والعربي الحديث. وهي في وضعها الراهن، رغم ملاحظات تقل أو تكثر بشأن البعض أو الكثير من سياساتها وتحالفاتها الداخلية، عامل ردع حقيقي ضد مغامرات واعتداءات العدو الصهيوني المتربّص، وضمانة أكيدة للسيادة الوطنية. الأمر الأخير هو المستهدف، وليس بعض سياسات وتحالفات حزب الله الداخلية أو طابعه الديني أو المذهبي.
لن نمل من التكرار، هنا، مرة جديدة، أنّ واشنطن وأدواتها وقوى المحاصصة والنهب التي دفعت البلاد والشعب إلى الأزمة القاتلة الراهنة، تستفيد أيضاً من غياب مشروع وطني يتوحّد من خلاله الحريصون على منع استغلال الأزمة لإحداث فتنة بين اللبنانيين، من قِبل واشنطن وتل أبيب، وأساساً، على معالجة سليمة لها لمصلحة الشعب والوطن.
* كاتب وسياسي لبناني