جرى الحديث مراراً، في الفترة الأخيرة، عن وجود «ودائع» لواشنطن خصوصاً، في هذا الموقع الإداري الرسمي أو ذاك. بعض هذه المواقع ذو دور مقرِّر، كما هو الوضع بالنسبة إلى المصرف المركزي. الخطير في الأمر أنّ مسؤولين في السفارة الأميركية في بيروت، وآخرين أعلى رتبة في وزارة الخارجية الأميركية، قد تدخلوا، سرّاً وعلانية، لمصلحة هؤلاء، مصرِّين على بقائهم في مواقعهم بذريعة أنهم «أصدقاء» لواشنطن، وأنهم، تحديداً «متعاونون»، في مجال «مكافحة الإرهاب». ثم لا يلبث الأمر أن يزداد خطورة بسبب عاملين: أولهما أن أصحاب تلك المواقع قد حظيوا، أيضاً، بدعم مباشر وسريع من قِبل أكثر من فريق سياسي ومن مرجعية دينية في البلد. وهكذا فقد توافر لهؤلاء الموظفين الكبار دعم مزدوج: خارجي بوصفهم متعاونين مع دولة أجنبية، وداخلي بوصفهم ممثلين لإحدى الجهات في منظومة التحاصص السائدة في توزُّع مواقع السياسة والإدارة في لبنان. الأمر الثاني، هو أن «الصداقة» و«التعاون»، بالنسبة إلى موظفي المصرف المركزي، إنما يمارسان في حقل «مكافحة الإرهاب» حسب التبرير الأميركي. والأميركي، كما هو معروف، لا يخفي أن الطرف الإرهابي المقصود، إنما هو «حزب الله»: أكبر الأحزاب اللبنانية، والممثل منذ سنوات طويلة، في السلطتَين التشريعية والتنفيذية على حدّ سواء. لكن ليس هذا هو الأمر الأساس بالنسبة إلى هذا الحزب. الأساس هو أنه يخوض صراعاً مع العدو الصهيوني. وهو قد لعب دوراً بارزاً في هزيمته في لبنان، ومن ثم في بناء صيغة مواجهة مستمرّة معه وفّرت توازناً رادعاً منع العدو من مواصلة اعتداءاته وحفَّز أشكالاً من المقاومة في غير ساحة عربية.

لا يخفى أيضاً، أنّ كلّ النشاط الأميركي في المنطقة اليوم، إنّما يصبُّ في خدمة مشروع «صفقة القرن». وهو مشروع مشترك أميركي، صهيوني رجعي عربي، لتصفية كلّ حقوق الشعب الفلسطيني، ولفرض التطبيع مع العدو، ولبسط الهيمنة الأميركية على المنطقة.
في الشأن الداخلي، مرة جديدة، نقع على خلل متمادٍ. تغطية الارتكاب تتكرر بمعزل عن نوعيته وحجمه، لينطلق موفروها فقط، من أن الانتماء الطائفي أو المذهبي للمرتكب، وبالتالي، للجماعة التي يمثلها في موقعه، هي المستهدفة، لا أيّ أمر آخر. وهكذا، غير مرة، وحتى يومنا هذا، وبالنسبة إلى كلّ الأطراف تقريباً، فقد جرت تغطية جرائم بحجم العمالة للعدو، أو نهب أو هدر المال العام، ولو بملايين، أو حتى، بمليارات الدولارات، من دون أن يعني ذلك شيئاً لـ«ذوي» المرتكب، أو أن يتمكّن أحد من محاسبته (آخر النماذج حاكم مصرف لبنان، والرئيس فؤاد السنيورة والعميل عامر الفاخوري...).
بمعنى ما، يمكن القول بشأن تفشّي الفساد في صفوف الطبقة الحاكمة، بأنه يصحّ شعار «كلن يعني كلن»! بعضهم، هو فعلاً مكرهٌ لا مختار، إلّا أن النتيجة واحدة.
في تقاليد علاقات الدول (خصوصاً المتصارعة والمتنافسة) تحصل اختراقات، بالتجسّس، متبادلة. هذا أمر لا تستطيع أن تحول دونه أعظم الدول وأكثر الأجهزة تصميماً واحترافاً. لكن الأمر يبقى على مستوى أفراد. وهؤلاء إذا افتضح أمرهم لهم مرجع وحيد للاهتمام بهم ومتابعة وضعهم. ليس الوضع على هذا النحو بالنسبة إلى بلدنا ولتركيبتنا السلطوية السياسية وما ينبني عليها من علاقات في الداخل والخارج. إننا، في حالتنا شبه الفريدة والمكرّسة في نظامنا السياسي، إزاء خلل شامل يتعدّى الأفراد إلى المنظومة السياسية – الاجتماعية نفسها. هو كذلك يزداد خطورة، بمقدار ما يتكرَّس ويتعمَّم ويتعمّق... وأيضاً بمقدار ما تحوَّل إلى «تقليد» يتباهى به فرقاء المحاصصة بوصفه «إنجازاً» في حقل المشاركة والتوازنات وحتى الديموقراطية! ديموقراطيتنا «توافقية» تؤمِّن شكلياً للجميع الحضور في القرار أو في تعطيله مهما بلغت الأضرار وكبرت الخسائر (الدليل ما وصل إليه البلد من إفلاس).
لقد أحلَّت صيغتنا التي رعاها الاستعمار الفرنسي الانتماء للطائفة والمذهب على حساب الانتماء للوطن. لم ينقل لنا الغرب عموماً، والفرنسيون خصوصاً، تجربتهم في حقل فصل الدين عن الدولة وبناء نظام المواطنة المتساوية. على العكس من ذلك فقد أخذوا بالمبدأ الإنكليزي: «فرّق تسد». كان ذلك لضمان أن تبقى بلداننا معتلَّة ومفكّكة وتابعة، ليسهل دائماً التحكم بأوضاعها ومصائرها من قِبل الدول المستعمرة سواء بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر. وفي تقاليد السياسات الاستعمارية الكثير من التجارب والأساليب والأدوات. أبرزها تغذية العصبيات والانقسامات الدينية والعرقية. إثارة المشاكل والأزمات واستغلال أخطاء الحكام بحق المجموعات والأفراد والأقليات خصوصاً. ادّعاء حماية المضطهدين وفرض وصايات بذريعة تلك الحماية. إغراق المجتمعات بآفات التسيُّب والمخدرات، بناء أجهزة متنوعة لهذا الغرض عبر ادّعاءات ثقافية وحضارية، حيث لم تتردّد إنكلترا يوم كانت سيدة البحار والعالم، في إرسال عملاء دُربوا طويلاً، ليكونوا أولياء وأئمة، بنسبٍ شريف مزعوم، وبغيرة على هذا الدين أو ذاك وهذه الفئة أو تلك. وقد حقق هؤلاء العملاء نجاحات مشهودة في معظم البلدان. وكان لهم تأثير في صياغة حركات متطرقة (الوهابية) وفي دعم قيام دول وإمارات وحكام. وشاركت النساء في ذلك ومن أبرزهن «مس بل» (الخاتون) التي بدأت في إسطنبول وانتقلت إلى العراق. وقد وُضعت أبحاث مؤرخين ومستعربين في خدمة هذا الهدف حيث جرى رصد مكامن الخلاف والانقسام، والسعي لتغذيتها بكل الطرق والأساليب التآمرية والقذرة منها خصوصاً. لكن المشروع الصهيوني هو الأداة الأبرز الذي يستمر بؤرة للعدوان وأداة للسيطرة على المنطقة عبر مشروع «صفقة القرن» الصهيوني الأميركي في الحقبة الراهنة.
نحن، إذن، مخترقون في بنيتنا وليس على مستوى بضعة أفراد فقط. وهنا مكمن الاختلال الأكبر. وعبثاً يجري التركيز على الأفراد دون المنظومة السياسية، وعلى بعض النتائج دون الأسباب الأساسية والحقيقية.
ولا يعالج مثل هذا الخلل الفادح والخطير بغير برامج جذرية وشاملة. ولن يتم الوصول إلى هذا الأمر بغير نقد ومراجعة تجارب التغيير جميعها. فليس نادراً أن يستدرجنا المستعمرون إلى لعبتهم نفسها وخصوصاً في مجال استخدام العصبيات فنتوهم أننا سوف نتقدم عليهم في استخدام أدوات كانوا السباقين في اختراعها....
والمشكلة هي، بعد، شاملة، فلا استقلال في ظل التبعية. ولا تنمية ووحدة وطنية في منظومة المحاصصة. ولا دول موحدة وقوية في ظل التفكك ونشوء الدويلات. ولا حريات حقيقية إذا ما كانت بلداننا مخترقة النسيج بكل أشكال الانقسامات والتوترات والولاءات القبلية والعشائرية والطائفية...

* كاتب وسياسي لبناني