أثار الصحافي الأميركي دانيال هوبسيكر عاصفة في وجه فيلم توم كروز الأخير American Made، قبل عرضه فعلاً في الصالات، بسبب ما أسماه بالكذب البواح والتزوير الفاضح للتاريخ، الذي قامت به «هوليوود» بالتضامن مع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في صياغة قصة الفيلم، الذي يروي سيرة باري سيل أحد أشهر مهرّبي المخدّرات إلى الولايات المتحدة في مرحلة بابلو إسكوبار.

هوبسيكر يقول إن الـ«سي آي أيه» تحاول، من خلال ذلك، إخفاء حقيقة الدور الرسمي للمؤسسة الأمنية الأميركية في إدارة تجارة المخدّرات مع كارتيلات أميركا الجنوبية، وتنظيم عمليات تهريبها وتوزيعها والتصرّف بعوائدها، لتحقيق أهداف السياسة الخارجية الأميركية في دعم اليمين الفاشي عبر نصف الكرة الجنوبي، وإلقاء اللوم على شخص سيل الذي قتله عملاء أخبروا القضاة وقتها أنهم تلقّوا الأوامر من شخصية غامضة في المؤسسة العسكرية الأميركية.
American Made يعيدنا، من جديد، إلى مواجهة حقيقة التعاون العضوي والوثيق بين لانغلي و«هوليوود»، للتحكم الدقيق بالسرديّات لخدمة أغراض النخبة المهيمنة في الولايات المتحدة، و صنع (حقيقة) تخدم أهداف تلك النخبة. اكتشفت النخبة المهيمنة في أميركا، في وقت مبكر من القرن العشرين، أهمية الدعاية والبروبوغاندا كأهم أدوات القوة الناعمة، للسيطرة على الشعب الأميركي ومدّ مظلّة الهيمنة الأميركية إلى بقية العالم. الجيش الأميركي الذي تدخّل في أوروبا لحسم الحرب العالمية الأولى، درَس عن كثب الجهود الألمانية الرائدة في هذا المجال، وعاد بعض ضباطه بعد الحرب إلى وظائف لبناء ترسانة البروبوغاندا الأميركية، سواء ضمن أجهزة السلطة أو في صناعة الدعاية والإعلان الحليف الموضوعي الدائم للنخبة المهيمنة.
طوال فترة ما بين الحربين، بذلت أجهزة السلطة الأميركية المختلفة، بداية من مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى البنتاغون (مقر وزارة الدفاع) ولاحقاً إدارة الأمن الداخلي، والبحرية وسلاح الجو وحتى قوات خفر السواحل، جهوداً مختلفة للتحكم بالسردية، ولا سيما في ما يتعلق بطريقة تعاطي الإعلام الجماهيري مع الصورة العامة لتلك الأجهزة وعملياتها الداخلية والخارجية، سواء في الصحافة أو في الراديو ولاحقاً في الأعمال التلفزيونية والسينمائية الدرامية والوثائقيّة على حدّ سواء. وكل تلك الأجهزة وغيرها، كانت تحتفظ بالعديد من الصحافيين وصانعي الأفلام وخبراء الإعلام على قوائم رواتبها، إضافة إلى إرسال موظفيها للعمل كمستشارين لصناعة الإعلام في ما يتعلق بنطاقات عمل مؤسساتهم.
سقوط برلين عام 1945، وانتهاء الحرب في أوروبا بعد إنهاك كل الأطراف في ما عدا الأميركي، مثّلا تحدياً حقيقياً للنخبة الأميركية. فهي تعلم أن الجيش الأميركي لن يمكنه البقاء كقوة مهيمنة مباشرة في أوروبا، بعدما تتعافى من آثار الحرب، بينما بدت الظروف الطاحنة حينها بمثابة قاعدة مجهّزة لصعود اليسار الأوروبي، الذي خاض حروب مقاومة باسلة في إيطاليا وفرنسا وبلجيكا، ولا سيما مع تحوّل صورة الاتحاد السوفياتي إلى حليف شارك على نحو فعّال في انتصار الحلفاء. كان الخيار واضحاً: يجب أن نكسب حرب الهيمنة المقبلة (على أوروبا واليابان) من خلال أدوات القوّة الناعمة، لا بالقوة العسكرية فحسب.
واجهت النخبة الأميركية مشكلة عويصة في تنفيذ ذلك الخيار، إذ أن الثقافة الأوروبية في الأدب والسينما والموسيقى والفن والفلسفة، كانت أرقى بمراحل من تلك الأميركية المتّسمة عموماً بالشعبية والضحالة والعنصرية البغيضة، كما كان الاتحاد السوفياتي وقتها، وبرغم كل مشاكله، أشبه بمختبر ضخم لاستكشاف وتجريب آفاق جديدة في مجالات الثقافة جميعاً.
وهكذا، عندما أُعيد تشكيل المكوّنات الاستخبارية الأميركية، عام 1947، في مؤسسة واحدة أُطلق عليها وكالة الاستخبارات المركزية CIA، أنيطت بها مهمّة أساسية واحدة، إلى جانب مهمّات الجاسوسية التقليدية: بناء صورة إيجابية عن أميركا وثقافتها في ذهن الأوروبيين، كأداة لتمكين النفوذ الإمبراطوري الأميركي من الهيمنة على القارة، ومنع سقوطها في أيدي الشيوعيين.

وصلت العلاقة الآثمة بين لانغلي و«هوليوود» إلى حدود الفضيحة العلنيّة، عند إطلاق فيلم Zero Dark Thirty في عام 2012


استعانت الوكالة، وقتها، بثلاثة جيوش ظلام للقيام بمهمّاتها: استدعت عشرات الفنانين والأدباء والشعراء والصحافيين والموسيقيين والرسّامين وصانعي الأفلام الأميركيين إلى أوروبا، ووفّرت لهم الدعم المادي عبر مؤسسات ووقفيات عملت كواجهات بريئة للوكالة، وذلك للترويج للأعمال الثقافية الأميركية، كما شحنت آلاف العقول الأوروبية المبرزة في كل المجالات إلى وظائف في الجامعات الأميركية، في وقت كان الأوروبيون فيه لا يجدون خبز يومهم. وهي كذلك، بنت سلسلة شبكات سريّة في أوساط اليمين الأوروبي ـــــ بمن فيه بقايا النازيين والفاشيست ــــ للسيطرة على مفاصل الحياة في مؤسسات الحكم والثقافة المحلية وتوجيهها لمصلحة المشروع الرأسمالي ـــ الأميركي في مواجهة اليسار. لكنّ قوّة الظلام الأفعل، كانت من خلال فتح قنوات المال (المموّهة) لدعم المثقفين والأكاديميين الأوروبيين والترويج لهم عند انحنائهم ــــ من دون إصدار توجيهات مباشرة إليهم في معظم الأحيان ــــ وهم كثيراً ما فاجأوا ضبّاط الوكالة في قدرتهم على استنباط ما تتوقعه الوكالة، بل وتجاوزوا التوقعات في تقديم ما يخدم السردية الأميركية ونظامها العالمي لمرحلة ما بعد الحرب.
حاولت الوكالة جاهدة إخفاء تورّطها السافر في تشكيل ثقافة العالم ومعلوماته وتياراته الفنية والأدبية والفكرية، رغم أنّ كبار ضباطها ــــ بمن فيهم مدير الوكالة المؤسّس ألان دالاس نفسه ــــ كانوا معروفين في أجواء نيويورك وواشنطن بعلاقاتهم الشخصية الوثيقة مع كبار الصحافيين وصانعي الأفلام وأساطين الميديا عموماً. لكن تحقيقات الكونغرس، نهاية السبعينيات، والتي كشفت عن تلقي آلاف الصحافيين والفنانين والأكاديميين، من أميركيين و غير أميركيين، رواتب وأعطيات مالية سخية ومنتظمة من الوكالة، دفعتها إلى إعادة النظر في كيفيّة إدارة عمليات صناعة الحقيقة وتشكيل الرأي العام، والبحث عن طرق أفعل وأكثر تأثيراً لتوجيه الكتل الشعبية في العالم الغربي أساساً ــــ ولاحقاً رعايا الإمبراطورية الأميركية المعولمة جميعهم ـــــ من دون القبض على جواسيسها متلبّسين بصرف الحوافز.
كانت «هوليوود» بمثابة الشريك الذهبي الذي جاء في وقته تماماً، إذ أن الانتشار المتزايد للسينما والتلفزيون في العالم، منذ عقد الستينيات تحديداً، جعل من صناعة الصورة أهم تأثيراً بمراحل، من الأدوات التقليدية كالصحف والكتب والمجلّات أو الأنشطة النخبوية كالمعارض الفنية وحفلات الأوبرا، رغم نزوع بعض الأعمال السينمائية إلى تصوير سلبي على نحو ما لأنشطة الاستخبارات.
منهجيّة الوكالة لإغواء «هوليوود» توزّعت على ثلاثة محاور: أولها، تجميل صورة الوكالة ونشاطاتها وتقديمها للأميركيين كضرورة لا بدّ منها لضمان تحقّق الحلم الأميركي وحمايته من الأعداء الأشرار؛ والثاني، العمل المشترك على صياغة السردية الأميركية للوقائع السياسية والتاريخية والاجتماعية، بما يخدم تمكين النخبة الأميركية المهيمنة؛ وثالثها، توجيه عقول المتلقّين عبر العالم والتلاعب بها لتحقيق أغراض الهيمنة الإمبراطوريّة الأميركية وتقبّل رؤيتها ــــ الرأسمالية الطابع ــــ للعالم.
في المحور الأول: انتقلت استراتيجية الوكالة في عهد الرئيس بيل كلينتون، من محاولة التأثير على صورة العمل الاستخباراتي الأميركي في أعمال «هوليوود»، من الغرف المغلقة إلى العلن، فأُسِّست عام 1996، دائرة رسمية للتنسيق مع «هوليوود» والتحكّم بالأساطير حول الوكالة في المخيال الشعبي، تولّى إدارتها تشايس براندون، وهو عميل استخبارات عريق. كانت أول ثمار هذا التعاون، أعمال الروائي الأميركي توم كلانزي التي تتابع عليها الممثلون أليك بولدوين وهاريسون فورد، وأخيراً بين أفليك، وتضمّنت عدة أعمال بطلُها شخصية عميل الاستخبارات الأميركية جاك راين، الذي ينتصر على أنواع مختلفة من أعداء أميركا كان أشهرها The some of all fears (عام 2002)، والذي شوهد براندون يتجوّل في كواليسه عدّة مرّات، كما استضيف بين أفليك عدّة مرّات في المبنى الرئيسي في لانغلي. براندون شوهد، أيضاً، في كواليس المسلسل التلفزيوني Alias، الذي أنتجه J.J. Abrams وظهر موسمه الأول في عام 2001، وهو المسلسل الذي لعبت دور البطولة فيه زوجة بين أفليك وقتها ــــ جينيفر غارنر (لاحقاً، قدّمت غارنر فيلماً رسميّاً من إنتاج الوكالة لاستقطاب الخرّيجين إلى كوادرها).
توالت أعمال عدّة تعاوَن الطرفان على صياغتها بشكل أو بآخر، لكنّها تتفق جميعها في إعادة تقديم الصورة السلبيّة عن أجهزة الأمن إبّان فترة حرب فيتنام بلون أكثر إشراقاً و جاذبيّة: ( Syriana - 2005) و( The Good Shepard - 2006 ) و(2007 Rendition) و(Salt 2010) وكثير غيرها، إضافة إلى سلسلة من الأعمال الوثائقيّة.
العلاقة بين الوكالة وبين أفليك بالذات، أثمرت في عام 2012 عن فيلم Argo الذي يقدّم رواية محوّرة ــــ «ليست لها علاقة بالحقيقة» كما يقول العميل السابق روبرت بير ــــ عن قصّة إطلاق سراح رهائن أميركيين احتُجِزوا في طهران. وقد سُمح، وقتها، لطاقم الفيلم بالتصوير داخل لانغلي، ومورست ضغوط لمنح الفيلم عدداً من جوائز الأكاديمية المرموقة، ومنها جائزة أفضل فيلم لذلك العام.
ومنذ عام 2011، أصبح مسلسل Homeland ــــ بطولة كلير دانز ــــ المفضّل لدى دائرة التنسيق بالوكالة. فالمسلسل الذي استوحي من مسلسل إسرائيلي حقّق نجاحاً (Prisoners of War 2010)، وما لبث أن قدّم عدّة مواسم متلاحقة، طرح أهم القضايا الخلافيّة في ما يتعلق بالحرب المزعومة على الإرهاب، من وجهة نظر الوكالة، وقدّم عملاءها أبطالاً استثنائيين، رغم أنّهم قد يعانون أو يتألّمون أو يخطئون أحياناً.
العلاقة بين الوكالة ومنتجي Homeland، كانت ربما أفضل نموذج لانخراط الوكالة، بشكل جدي، في كل مراحل الإنتاج الفني للعمل الهوليوودي، من كتابة السيناريو إلى الترويج للمنتج النهائي، وما بينهما. ورغم أنّ أحد كتّاب السيناريو (أليكس غانزا) تحدث لاحقاً عن أنّهم لم يتلقّوا أموالاً عينيّة مباشرة مقابل تعاونهم، فإنه يبدو أنّ الهوليووديين كانوا حريصين على تقديم خدماتهم والاحتفاظ بعلاقات حميمة مع كوادر الوكالة، سواء الحاليين أو المتقاعدين الذين ترشّحهم الوكالة للعمل مع المخرجين كمستشارين. وهو يذكر أنه التقى في إحدى ورشات العمل التي تنظّمها الوكالة، مع كتّاب آخرين ومنهم ديفيد أوغانتس ــــ الذي كان صحافياً مرموقاً في صحيفة «ذي واشنطن بوست» وتمتّع بعلاقات دافئة مع الاستخبارات، منذ عمله مراسلاً خلال الحرب الأهلية في بيروت ــــ وهم أجمعوا على أنّ العلاقة مع الوكالة مهمّة لفتح الأبواب، وأنّها لذلك تستحق العناء رغم غياب الدعم المادي المباشر.
أليكس غانزا نفسه، كان قد شارك في كتابة بعض مواسم المسلسل التلفزيوني الشهير 24، الذي أنتجته «فوكس»، ويعدّ أكثر المسلسلات الأميركية صراحة في سعيه إلى تغيير الرأي العام حول الإجراءات الاستثنائيّة التي قامت بها الأجهزة الأمنية الأميركية في عهد جورج بوش الابن، لجهة ما عُرف بالحرب على الإرهاب. فهو يبرّر لممارسة التعذيب، والاحتجاز في أماكن سرّية، والقتل الاستباقي، كما شكّل مقدمة ممتازة لـHomeland، الذي يبرّر لـ«حماة الديار» القيام بمهمّاتهم، حتى وإن تسبّبت بأضرار جانبيّة للأبرياء ما دامت المصالح الأميركية هي الغاية الأسمى.
وصلت العلاقة الآثمة بين لانغلي و«هوليوود» إلى حدود الفضيحة العلنيّة، عند إطلاق فيلم Zero Dark Thirty في عام 2012. هذه المرّة، كانت «هوليوود» السبّاقة في اقتراح سيناريو للوكالة عن أسامة بن لادن، لكنّ الوكالة رأت أنّها يمكن أن تستفيد من طاقم الفيلم لاحقاً، لتقديم الرواية الرسميّة للوكالة عن مزاعم مقتل الرجل، بعدما أعلن أوباما ذلك يوم 1 أيار / مايو 2011. تحمّست الوكالة بشدة وقتها للعمل، وأراد مدير الوكالة أن يقوم بدور الشخصيّة الرئيسيّة فيه آل باتشينو ــــ انتهى الدور إلى جيمس غاندولفيني ــــ وحصل تداخل لم يسبق له مثيل بين فريق الفيلم وفريق الوكالة، الذي أنيط به العمل على تحضير الرواية الرسمية عن مقتل بن لادن، حتّى لم يعد معروفاً تماماً أين يبدأ الفيلم الدرامي وأين تنتهي الرواية المزعومة، لدرجة أنّ السيناتور الأميركية دايان فينستين، غادرت العرض الخاص للفيلم، بعد أقلّ من عشرين دقيقة على بدئه، معلّلة ذلك بأنّها لم تستطع «تحمّل كمية الكذب التي فيه».
المحور الثاني: أي العمل المشترك على صياغة السرديّة الأميركية للوقائع السياسية والتاريخية والاجتماعية، بما يخدم تمكين النخبة الأميركية المهيمنة. وقد تبدّت أهم ملامحه من خلال إنتاج مجموعة الأعمال السينمائيّة حول فيتنام، لتحويل حرب أميركا الأقل شعبيّة إلى الأكثر شعبيّة، من خلال الصياغة الواعية للخطاب بشأن تلك الحرب. لقد خلقت الوكالة، من خلال «هوليوود»، فيتنام أخرى متخيّلة ليس لها علاقة بفيتنام الحقيقيّة. فهي إمّا تعبير عن خيانة الجميع لقوّاتها هناك: الديدان المدنيون الذين يحتجّون في المطار (Rambo 1982) والسياسيون القصيرو النظر (Missing in Action 1984) والقيادة العسكريّة المتردّدة في الميدان (Platoon 1986). لكنّ النتيجة النهائية التي أرادت الوكالة قولها، إن أميركا نفسها لم تخسر، بل فقدت فرصة الانتصار. وتُقلب صورة الواقع تماماً في هذه الأعمال وأمثالها، من تفوّق أميركي تكنولوجي هائل إلى أفراد أميركيين شجعان يقاتلون أعداداً لا نهائية من الفيتناميين، وينتصرون في إطار من مركزيّة أميركيّة مبالغ فيها، تجعل من الفيتناميين مجرّد كومبارس للبوح الأميركي.
ساعدت فيتنام الهوليوودية الوكالة، على إدارة تجاوز العقدة النفسيّة التي سبّبتها خسارة تلك الحرب للأميركيين، وما رافقها من انقسام سياسي حادّ، وهي عقَدٌ ساهمت «هوليوود» في محوِها تماماً، من خلال الانتصار الأميركي في حرب الخليج، ليس فقط في الأعمال الدراميّة و الوثائقيّة، بل من خلال الانخراط المباشر مع فريق العمل الإمبراطوري، على تقديم صورة لحرب عادلة من خلال الأخبار الملفّقة، والصور المصنوعة، والتمثيليات السخيفة، والمبالغات والإشاعات، حتى إنّ أحد الفلاسفة الفرنسيين الكبار ــــ جان بودريار ـــ كتب عدّة مقالات عن ذلك، كان عنوانها «حرب الخليج لم تحدث أبداً»، قبل أن تتكشّف الحقائق لاحقاً عمّا يمكن وصفه بأكبر مؤامرة على الحقيقة في التاريخ.
أما المحور الثالث في ما يتعلّق بتوجيه عقول المتلقّين، عبر العالم والتلاعب بها، لتحقيق أغراض هيمنة الإمبراطوريّة الأميركيّة وتقبّل رؤيتها ــــ الرأسماليّة الطابع ــــ للعالم، فلا تزال موضوع شكّ عند كثير من السذّج، بل وربما بعض المثقفين. لكنّ التحليل الموضوعي لعدد من الأفلام والمسلسلات المهمة والتي ساهمت ــــ وتساهم بشكل متتابع ــــ بأشكال متفاوتة، في تكوين وعي المتلقين (الزائف) عبر السنوات، يكشف عن عمليّة تراكميّة للتحكّم بالسرديّة وتوجيهها، لتكريس التوجهات العامّة للإمبراطوريّة الأميركيّة المعولمة في المراحل التاريخيّة المختلفة. منذ البدايات مثلاً، أصرّت الاستخبارات الأميركية على مخرجي «هوليوود» في الخمسينيات، أن يضمّوا إلى نجوم عملهم ممثلين من السود، لكي يمكن تحدي الرواية السوفياتية النقيضة عن أميركا، بوصفها مجتمعاً عنصرياً بامتياز. وقد تبيّن لاحقاً، أنّ وكالة الاستخبارات الأميركية، تدخّلت، وبشكل مكثّف، منذ الخمسينيات في دعم أعمال سينمائية معيّنة ــــ مثلاً Animal Farm 1954 المأخوذ عن رواية جورج أورويل ــــ بل وتعديل أفكارها خدمة للمجهود الحربي الثقافي الأميركي في حينه، لدرجة أنّ الروائي الأميركي المعروف غراهام غرين أدان الفيلم الذي قدّمته «هوليوود» عن روايته The Quiet American، معتبراً أنها قدّمت القصة «كفيلم بروبوغاندا محضة»، لا علاقة له فعليّاً بالرواية.
لاحقاً، دفعت الوكالة باتجاه إنتاج أعمالٍ تكرّس سرديّتها لتدخلاتها السريّة عبر العالم، كفيلم Charlie Wilson’s War 2007 وThe Recruit 2003 وحديثاً في عام Person of Interest 2011 و2015 Narcos، وأخيراً American Made 2017، وغيرها العشرات. لكنّها كانت جميعها بالتأكيد صياغة مختلقة وإنتاجاً غير بريء لـ«حقيقة» أميركية يراد لها أن تشكّل تصوّرنا عن العالم. والوكالة هنا، لم تقم بدور سلبي خجول لتمنع أو تُخفي أو تراقب السرديّات، بل هي أخذتها من قرنيها إلى حيث تريد. ولعلّ قصة كاتب السيناريو الأميركي غاري ديفور أكبر دليل على ذلك، إذ أنّ الرجل كان يقوم ببحثٍ لفيلم يستكشف الخلفيّات المشبوهة للغزو الأميركي لبنما عام 1989، وهو بالفعل اجتمع في عام 1997 مع ضبّاط في الوكالة لجمع المعلومات، لكنّه أثار انزعاجهم بكمّية الأسرار التي تمكّن من جمعها من مصادر مختلفة، وكانت تهدّد بتحطيم الرواية الرسمية الأميركية بالكامل. ويبدو أنّ الرجل صدّق نفسه، وأراد الاستمرار في تقديم صياغته المختلفة للأحداث، عندما اختفى فجأة قبل أن يُعثر عليه مقتولاً في ظروف مريبة، ويخفي كمبيوتره الشخصي إلى الأبد.
لانغلي و«هوليوود»... علاقة آثمة، لكنّها كزواج سرّي، خرَج إلى العلن ولم يبقَ ثمّة مجال لإنكاره، أو حتّى التظاهر بعدم وجوده.

* كاتب عربي