ما سيرد في هذه المقالة لا يجرؤ شخص عاقل في داخل العراق على إعلانه، لأن إعلانك هذا الكلام في العراق ثمنه حياتك. ستُقتل كما قُتل أخيراً، مساء العاشر من آذار (مارس) 2020، اثنان من ناشطي مدينة العمارة (جنوب) إثر «خلاف في الرأي» بينهما وبين التيار الصدري في المدينة. كانا من خيرة مثقفي العمارة الوطنيين، لم يوفرا جهداً في التوعية بالوطنية العراقية، والتذكير بجرائم أميركا في العراق. كان أحد المغدورين (أب لثلاثة أطفال) قد اعترض على فرض الصدريين، بالعنف والبلطجة، إرادتهم على ساحة التظاهر، وكان يعلم عواقب هذا الاعتراض ويحسّ بأنه سيتم اغتياله قريباً. ،كالعادة أنكر جميع الأطراف مسؤوليتهم عن الجريمة.

لا يتشابه التيار الصدري في العراق وتنظيم الإخوان المسلمين المصري في نمط «القائد والقطيع» فقط، وإنما في السلوك خلال الانتفاضات الجماهيرية أيضاً، والمسمى «ركوب موجة الثورة». فسلوك «الصدريين» خلال الانتفاضة العراقية الأخيرة كثير الشبه بأسلوب الإخوان المسلمين خلال ثورة يناير في مصر (2011): دخول عناصر التنظيم إلى ساحات التظاهر كمشاركين، فيما قادتهم يمارسون، من وراء ظهر المتظاهرين، السمسرة السياسية مع السلطة «فوق!». وبفضل الطاعة العمياء، يصبح أنصار التنظيم ذراعاً تستخدمها القيادة لفرض الاتفاقات والسمسرات التي تعقدها مع السلطة، كأمر واقع في الشارع: فحين يجري الاتفاق على محاصصة للحكم بشرط إنهاء التظاهرات، تأمر قيادة التنظيم أنصارها باحتلال ساحات التظاهر. وعندها يخلع هؤلاء الأنصار، على الفور، رداء الثوار التنكّري ويستخدمون العنف، بما فيه الإجرام، لطرد بقية المتظاهرين، إخوة الأمس، من الساحات. حصل هذا السيناريو في كلا البلدين.
كان المشهد الغرائبي حاضراً في العراق، طوال أشهر التظاهرات: عناصر التيار الصدري مشاركون في التظاهرات، فيما تيارهم مشارك في الحكومة! في التظاهرات يهتف الصدريون ضدّ الفساد، وفي الحكومة يمارسونه! في التظاهرات يطالب الصدريون بسقوط المحاصصة الطائفية والقومية التي يشكل التيار أحد أركانها! غرائبية لا تضاهيها سوى غرائبية الردود التي تسمعها من أنصار التيار، وهم يدافعون دفاعاً أعمى حرفياً عن قائدهم، فيغيرون موقفهم أكثر من مرة في وقت قصير، تبعاً لتغيير »القائد» موقفه: هذا ما حصل خلال الشهرين الماضيين عندما تفاوض المتحاصصون «فوق!»، على أن يَقْبلوا تَرْئيس الحكومة للشخص الذي يرشّحه مقتدى الصدر مقابل أن يخلصهم الأخير من كابوس التظاهرات. ومعروف ما حصل بعد ذلك من رفض المتظاهرين لمرشح الصدر لكونه، على عكس مطلبهم الرئيسي، آتياً من داخل ماكينة الفساد الحاكمة. لكن اللافت هو أن آلية «القائد والقطيع» التي اشتغلت في هذه القضية قد بلغت مستوى عالياً من الكوميديا: فعندما صار الصدر يطلق، في موقع تويتر، تغريدات يناقض بعضها البعض الآخر تبعاً للشدّ والجذب في مفاوضاته مع التنظيمات الأخرى، وقع أنصاره في تشويش إذ كان عليهم أن يغيروا مواقفهم وهتافاتهم في ساحات التظاهر مراتِِ عدّة في اليوم الواحد!

إن إزالة نتائج التذمّر الشعبي بدلاً من معالجة أسبابه هي عبث محض، وإهدار للجهود فضلاً عن كلفتها الإنسانية المؤلمة


في الفترة الماضية، كانت أصابع الاتهام في عمليات الاغتيال والخطف والتعذيب تتوجه صوب «الميليشيات» (المنضوية تحت اسم الحشد الشعبي) وليس التيار الصدري، بما أن كثيراً من الصدريين كانوا مشاركين في التظاهرات. لكن اغتيال قاسم سليماني في 3 كانون الثاني/ يناير الماضي، أدى الى تقارب هذين الطرفين واتفاقهما على «إنهاء مشكلة التظاهرات». هذا التطور، إضافة الى أعمال البلطجة ــ بما فيها الضرب بالسكاكين ــ التي صار الصدريون يرتكبونها يومياً في ساحات التظاهر، وتهديدات الصدريين ــ والصدر نفسه ــ بكل صراحة «بالعودة» إلى نشاطهم المرعب الذي صبغ العراق كله بالدم عام 2006، كلّ هذا يطرح علامات استفهام حول مسؤوليّة التيار في بعض عمليات الاغتيال الأخيرة. أما في جريمة الاغتيال الأخيرة في مدينة العمارة فالمعطيات تقود إلى ما هو أقوى من الاشتباه.
هنا، يطرح سؤال مشروع نفسه: هل هذا هو الحل الذي اتفقت عليه تنظيمات نافذة، مالكة للسلاح والسلطة، لإنهاء الاحتجاجات؟ وذلك طبعاً بصرف النظر عمّا نسمعه في وسائل الإعلام من وعود سخية، إنما فارغة من المعنى، لإصلاح الأوضاع الداخلية. وربما يتمكن الحل الدموي من القضاء على التظاهرات في نهاية المطاف، لكن هل سيكون هذا حلاً للأزمة؟ إن مشكلة الحل الدموي أنه لا يحل شيئاً. فهو قد يقضي على التعبير السياسي عن الغضب العام، لكنه لا يقضي على الغضب نفسه، لأن الأخير متولّد عن أوضاع سيئة وعلاجه هو إزالة أسبابه وليس إزالة نتائجه.
إن إزالة نتائج التذمّر الشعبي بدلاً من معالجة أسبابه هي عبث محض، وإهدار للجهود فضلاً عن كلفتها الإنسانية المؤلمة. والتظاهرات الأخيرة في العراق دليل على هذا، فقد سبق أن تمّ القضاء على تظاهرات مماثلة في السنوات السابقة، لكن ها هي تتجدّد الآن، لأن الأوضاع مذّاك لم تتحسن ومسيرة الفساد والنهب استمرت كما هي. إن المطلب الذي تطرحه القوى الحاكمة مطلب تعجيزي، وهو أن يُسمح لها بمواصلة السرقة من دون أن يفتح المسروق فمه بالاعتراض، ومن يفتح فمه يُقتل.
هل تتحجّج القوى الحاكمة، في قمع تظاهرات سلمية بأساليب لا إنسانية، بحجّة أن بعض الناشطين في التظاهرات يستغلون الغضب العام ويوجهونه سياسياً صوب التأثير في ميزان الصراع الأميركي – الإيراني على الأرض العراقية؟ إن هذه المعلومة صحيحة بحدّ ذاتها؛ لكنها، أولاً، لا تعطي الحق، في أيّ حال من الأحوال، بارتكاب القتل والاعتداء على مواطنين عزّل، وثانياً تحمل في طياتها الحل البسيط: جرّدْ هؤلاء الوكلاء الأميركيين من حجتهم وذلك بالبدء بإصلاح جدي، وجذري، للأوضاع، وهو ما بُحَّ صوت المرجع الشيعي الأعلى، علي السيستاني، في الدعوة إليه بلا جدوى ولا مجيب.
إضافة الى ذلك، يقوّض الحل الدموي إمكانية الحلول الاصلاحية ويخذل الناشطين الوطنيين الداعين إلى التحول السلمي إلى دولة السيادة الوطنية. لأن العنف يزرع إحساساً ثأرياً في نفوس الآلاف ممن فقدوا شباباً أعزاء عليهم، ولن يرضوا بأقل من محاكمة القتلة. بعبارة أخرى، في حين تظن القوى الحاكمة أنها، بحلّها الدموي، تطفئ بركان الغضب الجماهيري ففي الواقع هي تزيده اشتعالاً؛ وحتى إذا خمد هذه المرة، بالإجرام والسمسرة السياسية، فلا يعرف أحد متى ينفجر مرة أخرى، ولا أحد يمكنه أن يتوقّع حجم قوته التدميرية المقبلة وما إذا كان، عندئذ، سيُبقي شيئاً أو أحداً مما وممن يوجد الآن في العراق.
إذاً لماذا الإصرار على هذا الحل؟ وما هي الحقيقة التي تختفي وراء الحجج المبرّرة له؟ الجواب ليس موجوداً في أفواههم ولا خطاباتهم، فهم لا يَصْدقون. الجواب ـــ بصراحة ـــ موجود في جيوبهم.
*كاتب عراقي