تحت ضربات الوباء تُطرح على العالم معادلة صعبة بين الحياة والإفلاس، لا سيما أنه يكاد يستحيل القفز فوق الأولويات بالإنكار، أو تغليب الأهواء بالمصالح. كيف نحفظ صحّة وحياة المواطنين وثقة المجتمع بنفسه، وقدرته على تجاوز المحنة بأقلّ أضرار ممكنة؟ ومتى يعاود الاقتصاد حركته حتى يتسنّى توفير الاحتياجات الرئيسية وخفض فواتير الانكماش والتدهور المحتمل؟

الشق الأول، مسألة وجود ومستقبل وشرعية، فإذا ما تهدّدت حياة المواطنين بالاستخفاف، تتصدّع ثقة المواطنين بقدرتهم الجماعية على التصدي لأية أخطار مشتركة، تضرب الفوضى والاضطرابات في بنية المجتمعات وتفلت الحسابات عن كل قيد. حفظ حياة المواطنين أولوية مطلقة لا يصحّ أن ينازع فيها أحد بأية ذريعة.
الشق الثاني، مسألة لا غنى عنها، حيث يصعب على أي دولة أن تتحمّل لفترات طويلة إغلاق منافذ حركة الحياة، وقدرتها على الإنتاج والإبداع وإشباع احتياجات مواطنيها المتعدّدة. إنها الحياة الطبيعية والآمال المفتوحة في تحسين مستويات المعيشة.
لا الاستخفاف بحياة المواطنين على أيّ نحو مقبول، ولا تعطيل حركة الاقتصاد لفترات مفتوحة ممكن.
لا توجد إجابة سهلة على تلك المعادلة الصعبة، لا في مصر ولا في أيّ مكان في العالم.
الدول ترقب معدلات الإصابة والوفيات، وتستقصي نقاط الذروة ومتى تصل إليها، وتتساءل عن الظروف الملائمة لتخفيف الإجراءات الاحترازية، قبل الإقدام على أية خطوات قد تترتّب عليها نتائج وخيمة.
الكلمة الأولى للطب والعلم والتوقعات المبنية على استقصاءات موثوق في صحتها، وإلّا فإنّها مقامرة بحياة مواطنيها.
في رسالة لها مغزاها، حذّرت منظمة الصحة العالمية من تخفيف الإجراءات الاحترازية، بعدما أعلن بعض الدول كالنمسا هذا التوجه، خشية موجات جديدة من الوباء تُقوّض ما تحقق في محاصرته.
الصين رفعت الحظر عن السفر من وإلى ووهان مركز الوباء، بعدما تراجعت الإصابات أو كادت تختفي.
وفق خطوات وخطط معلنة تتشدّد في إجراءات حفظ الصحة العامة، بدأت تدبّ حركة الحياة والاقتصاد في جنبات المدينة المنكوبة بعد السيطرة على الوباء لا قبلها.
قد لا تتحمّل اقتصادات دول العالم الثالث، الذي ننتسب إليه، توقّف عجلة الاقتصاد لأسابيع أخرى، فالإفلاس مصيرها المحتم، غير أنّ أية خطوة يتعيّن أن تستند إلى دراسات مسبقة ومشاورات واسعة، بقدر ما هو ممكن مع الكفاءات الطبية والعلمية والاقتصادية في البلد، وليس مجموعة ضيّقة مهما بلغت كفاءتها.
اتّساع الرؤية وانفتاحها على اجتهادات متعدّدة من ضمانات عدم الانزلاق، في خطوات قد تخطئ هدفها وتفضي إلى ارتفاعات في معدلات الإصابة لا يتحمّلها الجهاز الصحي.
ما بين التعطيل الإجباري للاقتصاد وعودة عافيته، هناك فئات اجتماعية فقيرة ومهمّشة تدهس حياتها بالكامل وتحتاج إلى مساندة حقيقية من الدولة.
في بلد بحجم الولايات المتحدة، تضاعفت أعداد الذين يطلبون إعانات البطالة. وقد اضطُرّ رئيسها دونالد ترامب إلى تفعيل قانون الإنتاج الدفاعي، لإجبار شركات سيارات كبرى على إنتاج ما تحتاج له بلاده من أجهزة تنفّس صناعي.
وفي دولة مثل فرنسا، اضطرّت إلى اتخاذ إجراءات توقف النزيف الاجتماعي الذي زادت معدلاته تحت ضربات الوباء، ولوّح رئيسها إيمانويل ماكرون باحتمال اللجوء إلى تأميم بعض الشركات الكبرى إذا ما هدّدها الإفلاس.
ترامب يمين شعبوي، وماكرون يمين وسط، لكنّهما تحت ضغط استفحال الوباء استخدما وسائل شبه اشتراكية لا تتوافق مع أفكارهما الاجتماعية.
في مصر، هناك تحسّن ظاهر في مستوى الأداء العام تحت أشدّ الظروف ضراوة. وُضعت خطط وسيناريوات، واتُّخذت إجراءات لتخفيف معاناة الفئات الأكثر تضرّراً، لكنّها تحتاج إلى دعمها بإجراءات أخرى.
الإجراءات الاجتماعية ترادف الإجراءات الاحترازية. فكيف تموّل أيّة إجراءات اجتماعية جديدة؟
هذا سؤال يستدعي أوسع اجتهاد وطني، وفق قدرات البلد وما يتيحه الدستور من خيارات. قد يُقال إنّ القطاع الخاص تضرّر بقسوة، وإنه يحتاج بدوره إلى مساندة الدولة، التي اتّخذت بالفعل إجراءات تساعد بعض القطاعات الاستثمارية الأكثر تضرراً، كالسياحة والطيران المدني والمصدّرين.
المعاناة حقيقية والإجراءات في محلّها، لضمان قدرة الاستثمارات على معاودة العمل عندما ينجلي الوباء عن العالم، وتعود حركة السياحة والطيران والتصدير إلى أحوالها الطبيعية.
مع ذلك، فهناك مبدأ سياسيّ وإنساني هو «عدالة توزيع الأعباء». لا يُعقل في بلد يعاني بقسوة وحياته تكاد تشلّ، أن ترتفع أصواتٌ تدعو إلى استصدار تشريع يقتطع نسَباً من رواتب العاملين من أجل توفير الموارد لمواجهة تداعيات الوباء، فيما يُعفى الأكثر ثراءً من أيّ التزام باستثناء ما يتبرّعون به طوعاً أو قسراً. ولا يُعقل أن ترتفع أصوات أخرى من بين رجال الأعمال، تدعو بعصبية مفرطة إلى عودة العمال إلى أشغالهم فوراً، من دون أيّ اعتبار لما قد يتعرّضون له من مخاطر حقيقية على حياتهم.
أسوأ ما قيل: «لما شوية يموتوا أحسن من أن البلد تفلس». بالقطع، لا يوجد عاقل واحد يتمنّى لبلده أن تفلس، غير أنّ مثل هذا الخطاب المتوحّش بلهجته ومنطقه، يستبيح حياة العاملين على نحو يؤدّي بعشوائيته إلى أن يركع البلد جاثياً تحت شعوره بالعجز أمام الموت الزاحف في زوايا الشوارع.
العودة إلى العمل في الظروف الحالية، تناقض صارخ مع نداءات «خلّيك في البيت» وتقويض لاستراتيجية منظمة الصحة العالمية لحصار الوباء ومنع تفشيه. قد تكون هناك ضرورات لتحريك بعض أوجه النشاط الاقتصادي، لكنّه لا يصح أن يتم بعشوائية، أو تحت ضغط صراخ بعض رجال الأعمال، خشية الانتقاص من ثرواتهم المليارية.

خرق سلامة الإجراءات جريمة متكاملة الأركان جريمة قتل عَمد تفضي إلى رفع معدلات الإصابة فوق طاقة الأجهزة الطبية


يُقال عادة إن هناك قضايا عادلة، تخسر بمحامين فاشلين. قضية الاقتصاد تكتسب عدالتها من ضروراتها العامة للبلد كلّه، لا من مصالح صغيرة مهما تراكمت الأموال الخاصة بطرق مشروعة أو غير مشروعة.
قبل أية خطوة لا بدّ من تدبّر العواقب. في الدول الأوروبية الأكثر تضرّراً من الوباء المستشري، مثل إسبانيا وإيطاليا وألمانيا، أفضت الإجراءات الاحترازية إلى انخفاض نسبي في معدلات الوفيات اليومية، اعتُبر ذلك مؤشراً إلى أن الوباء وصل إلى ذروته، وأنّه يمكن التطلّع تالياً إلى عودة الحياة الاقتصادية إلى طبيعتها بالتدريج.
هذه أمور لا تُدار بابتزاز الدولة تهديداً على الشاشات بالانتحار، إذا لم يعد العاملون فوراً إلى مشروعاتهم، أو استهتاراً متوحشاً بأية قيمة إنسانية بالقول إنه إذا لم تكن هناك مستشفيات كافية فليموتوا أفضل من إفلاس الاقتصاد. الأشخاص ليسوا هم القضية، زاوية النظر مكمن الخطر. هذا التفلّت العصبي تعبير عن رأسمالية متوحّشة تطلّ على الناس من بين خرائب الوباء.
العودة المدروسة، خطوة بخطوة، مع التأمين الاحترازي المشدّد، لا يصحّ أن يمانعها أحد. خرق سلامة الإجراءات جريمة متكاملة الأركان، جريمة قتل عَمد تفضي إلى رفع معدلات الإصابة فوق طاقة الأجهزة الطبية. لكلّ شيء مواقيته وحساباته وإجراءاته، وأي خلل يمتد أثره السلبي في كل أنحاء الاقتصاد وأوجه الحياة. ما نحتاج إليه، الآن، هو التأكيد على الإجراءات الاحترازية والتشدد فيها، حتى يمكن محاصرة الوباء والعودة إلى الحياة الطبيعية بأقرب وقت.
ما نحتاج إليه، الآن، هو أن يتأكد الرأي العام أنّ كل خطوة في موضعها، وأنّ كل إجراء في وقته. الخطأ ممنوع، بقدر ما هو ممكن، حتى يتسنّى التوصل إلى إجابة صحيحة على المعادلة الصعبة في الوقت الصعب.

* كاتب وصحافي مصري