1 ـــ يوم الأرض... والإنسان في فلسطين

قلّما ارتبطت أرض بإنسانها، وإنسان بأرضه، كما ارتبطت أرض فلسطين بالإنسان الفلسطيني، وارتبط هذا الإنسان بأرضه... فلأكثر من قرن ونيف من الزمن، والإنسان الفلسطيني يقارع مشروعاً صهيونياً مدعوماً استعمارياً لانتزاعه من أرضه وانتزاع أرضه منه. ولأكثر من قرن ونيف، والإنسان الفلسطيني يكافح من دون هوادة، المشاريع والأحلاف، الصفقات والمؤامرات، التي تستهدف سلخه عن أرضه وسلخ أرضه عنه. ولأكثر من قرن ونيّف، والإنسان الفلسطيني يقاوم الاغتصاب والاحتلال، العدوان والاستيطان، دفاعاً عن الأرض والمقدّسات، وعن الهوية والمعتقدات. ولأكثر من قرن، والإنسان الفلسطيني يواجه المجازر والتهجير، القتل والأسر، الاغتيالات والاعتقالات، رافضاً التنازل عن شبر من الأرض.
فأي علاقة هذه، هي التي تربط هذا الإنسان بهذه الأرض؟ ومن هنا، فإذا كان يوم الأرض قد كتبه، في ٣٠ آذار عام ١٩٧٦، أهل فلسطين المغتصبة عام ١٩٤٨ بدمائهم، فلتكن كل أيام العام أياماً للإنسان الفلسطيني وللعدالة في فلسطين. على أرض فلسطين، لا يتقرّر مصير شعب واحد فقط، بل مصير الإنسانية جمعاء، التي إمّا أن تنتصر لقيَمها ومثُلها في فلسطين، أو تُهزم في كل مكان. يبقى فيروس الصهيونية أخطر الفيروسات التي عرفها العالم.

2 ـــ تيريزا هلسة... ابنة الأرض
رحلت، قبل أيام في عمّان، المناضلة الكبيرة، الأسيرة المحرّرة، بطلة عملية «سابينا» في مطار اللد، 8/5/ 1972، تيريز هلسة، بعد مرض عُضال أقعدها عدّة أشهر. رحلت تيريز هلسة، التي جاء المطران عطا الله حنا من القدس إلى عمان، خصّيصاً لزيارتها في المستشفى تقديراً لدورها وشجاعتها. رحلت تيريز هلسة، التي قالت إن كلام جمال عبد الناصر في خمسينيات القرن الماضي، هو الذي أشعل فيها، وهي المقيمة يومها في عكا المغتصبة، الروح القومية والاستعداد للبذل وللمقاومة. رحلت تيريز هلسة، التي رافقت الشهيدين علي طه وزكريا الأطرش والمناضلة ريما طنوس، في عملية مطار اللد، التي أصيب فيها بنيامين نتنياهو. رحلت تيريز هلسة، وهي الأسيرة المحرّرة بعد 11 عاماً في الأسر، إثر إصابتها بعدما شاركت في عملية اختطاف طائرة تقلّ ركاباً صهاينة قادمة إلى تل أبيب من بروكسل، من أجل الإفراج عن فدائيين معتقلين. رحلت تيريز هلسة، التي نشأت في جوّ شيوعي فلسطيني، وعاشت العروبة الجامعة بين أردنية الأب وفلسطينية الأم، عروبة لا تفرّق بين أبنائها على أساس الدين أو الجنس أو اللون أو العرق، فأكّدت وحدتهم في آلامهم وآمالهم، في نضالهم ومصيرهم. رحلت تيريز هلسة، وهي تردّد قصائد الراحل الكبير توفيق زياد، الذي عزّز فيها الروح الوطنية، وكلمات ياسر عرفات ــــ «أبو عمار»، الذي ظنّت أنهما شخصان مختلفان، لكنّهما أعطيا للكلام الجميل عن فلسطين بعداً مثالياً، كما قالت في مقابلتها الشهيرة مع الإعلامي المميز سامي كليب، في برنامجه «زيارة خاصة» عام 2005. رحلت تيريزا هلسة، بعد أيام من احتفال الفلسطينيين والأردنيين جميعاً بالذكرى الـ52 لملحمة الكرامة، التي أبلى فيها رجال «فتح» والمقاومة الفلسطينية بلاءً عظيماً، جنباً إلى جنب مع الجيش العربي الأردني وقائد فرقته في الاغوار المناضل العربي الكبير، اللواء مشهور حديثة، الذي سيكتب التاريخ اسمه مع كبار القادة العرب. رحلت تيريز هلسة كرمز للمرأة العربية المقاومة على امتداد الوطن الكبير، والتي احتلّت موقعها إلى جانب كبيرات في المقاومة الفلسطينية واللبنانية والجزائرية وكل أقطار الأمّة. رحلت تيريز هلسة، في زمن فيروس «كورونا»، بعدما أدّت قسطها في مقاومة فيروس العصر، وهو الفيروس الصهيو ـــ استعماري، الذي لن نتخلّص منه إلا بالمقاومة والنضال، وبالوقاية من كل فيروسات الفساد والاستبداد والتبعية.
تيريزا هلسة رحمها الله، وتعازينا الحارة لكل عائلة هلسة الكركية الأردنية المناضلة، بل لكل أردني وفلسطيني وعربي مقاوم.

* كاتب وسياسي لبناني