حين نتأمل في أحداث العالم العربي خلال العقود الأخيرة، قد يخطر لنا أنه لو لم يوجد ذات يوم أشخاص بعينهم في كرسي السلطة لما انتهى حالنا إلى ما نحن عليه اليوم. في هذه اللحظة، تخطر لنا أسماء أشخاص كان ظهورهم في السياسة العربية كارثياً. مثلاً: أنور السادات، صدام حسين، محمود عباس، عبد الفتاح السيسي ومحمد بن سلمان. هؤلاء لم يقترفوا أخطاء سياسية فقط، وإنما هم جميعاً يشتركون في أنّ طرق تفكيرهم، وأنماط شخصياتهم، قد تسبّبت في انهيار عربي عميق وبعيد المدى، وعصيّ على الإصلاح، بحيث يكاد يكون مستحيلاً لأي جيل قادم أن يعيد الأمور ـــــ على الأقل ــــــ إلى ما قبل ظهور هؤلاء. فكأنهم موكّلون بإصابة شعوب المنطقة بعطب لا شفاء منه. لا فرق، في هذا السياق، إن كان ما اقترفوه هو من صنع نرجسيّتهم ورؤاهم، أو بتأثير قوى خارجية، فالنتيجة واحدة: إنهم ردموا طريق المستقبل لشعوبهم، وحوّلوا أمّتهم من وجود بشري وثقافي وسياسي فاعل، إلى تجمّعات من البؤساء وقوافل من اللاجئين. لهذا صحّ وصف هؤلاء بالمدمِّرين.

عندما أمر صدام حسين، في نوبة من نوبات نرجسيّته، قواته باجتياح الكويت، فقد أعلن، حرفياً، بدء مسيرة الانهيار العربي. كانت نتائج تلك الحماقة المصيرية:
ـــــ حضور القوة الأميركية إلى المنطقة العربية، وهو ما مكّن هذه القوة، في ما بعد، من تطوير وجودها في المنطقة حتى بات اليوم يشمل معظم بلدان المشرق العربي؛
ـــــ ضربة قاصمة للقضية الفلسطينية (التي كان صدام يدّعي نصرتها) ألقت بها في ما بعد في مهاوي معاهدة «أوسلو« التي حكمت، بجرّة قلم، بإنهاء المقاومة الوطنية المشروعة؛
ـــــ تخلّص إسرائيل نهائياً من عقدة العراق، البلد الذي كان يؤرقها لعقود من السنين بسبب جَمْعِه، من بين كل البلدان العربية الأخرى، بين عنصرين خطيرين: غنى ثرواته الطبيعية، وراديكالية شعبه. فقد تشبّث المخطّطون الاستراتيجيون في الولايات المتحدة الأميركية، بأيديهم وأسنانهم، بهذه الذريعة (الغزو العراقي للكويت)، للتخطيط لإفراغ هذين العنصرين من خطورتهما، وهو ما نجحوا فيه في النهاية ــــــ بالتجويع الطويل ثم بالاحتلال والتدمير ــــــ حتى لم يعد اليوم ثمة عراق واحد ولا شعب عراقي واحد، في حين لا يمكن تصدير أي برميل بترول، أو استحصال ثمنه، من دون توقيع المسؤول الأميركي. لقد قضى صدام على العراق يوم غزا الكويت.
إن هذه الإصابات يتعذّر إصلاحها، اليوم، لأنهّا تصادر المستقبل. وهنا يمكن لخيالنا القانط أن يتساءل: لو ــــ فقط ــــ لم يرتكب صدام تلك الحماقة، هل كنّا سنجد أنفسنا اليوم في هذا القعر المظلم وهذا العجز المخجل؟ حماقة واحدة، غيّرت قدر أمة.
ما فعله صدام على طريقة العنف العراقي الشهير، فعله أنور السادات على طريقة اللِّيْن المصري الشهير أيضاً. فكل الخنوع الحالي في السياسة المصرية الخارجية، وأثره القاصم على القضية الفلسطينية، وكل الفساد والنهب في مرافق الدولة، وكل الانحدار المريع الذي يسم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية والثقافية في مصر اليوم، كان السادات هو من أرسى أساسه ومهّد له أرضاً خصبة. فالكارثي في نموذج السادات، هو أنه لم يكتف بهدم إيجابيات التجربة الناصرية والمضي بسلبياتها حتى النهاية، وإنّما حرص أيضاً على أن يكون لأعماله التخريبية طابع استراتيجي بحيث يتعذّر على الأجيال القادمة إصلاحها، إلا بتغيير شامل وجذري للنظام برمّته.
ظاهرة الرئيس الخانع الذي ينزع سلاحه مقابل لا شيء، ويدمّر إمكانات شعبه إرضاءً لقوة كبرى، لم يتفرّد بها السادات، فقد شاركه فيها رئيس «السلطة الفلسطينية» (وهو ـــــ كما نعرف ـــــ عنوان مضلِّل) محمود عباس. وكلاهما يشتركان في أنّ وصولهما إلى المركز القيادي، جاء نتيجة لأخطاء الحكم وسوء التقدير لسلفيهما معاً.
أما الطابع الاستراتيجي لمهمة عبد الفتاح السيسي ومحمد بن سلمان في المنطقة العربية، فلم يوضحه شيء كما أوضحته «صفقة القرن»، التي كانت بالفعل «صفقة» بين الرئيس الأميركي وحكّام عرب: أن تضمن لهم بقاءَهم في السلطة ثمناً لمشاركتهم في تصفية القضية الفلسطينية. ورغم أن هذه الصفقة، بحد ذاتها، كانت تشتغل منذ بدايات المشروع الصهيوني في فلسطين، إلا أنّها هذه المرة بلغت أقوى درجة من الصراحة، بعدما كانت الأجيال الماضية من الحكام العرب تمارسها من خلال الاتفاقات (أو ملاحق الاتفاقات) السرية ووراء الأبواب المغلقة.
إنّ ظهور المدمِّرين في السياسة العربية، جلب معه ضرراً حاسماً على مستقبل الشعوب العربية، وأكد أننا كنا سنعيش اليوم واقعاً أقلّ بؤساً وأقلّ يأساً، وأكثر قابلية على الإصلاح، لو لم يظهر هؤلاء في حياتنا.

■ ■ ■

كلّ ما سبق وصفه هو واقع نشهده من حولنا، ولكنه ـــــ مع ذلك ـــــ ليس الصورة الأصلية وإنما ظلّها، أو وجهها الآخر. أمّا الصورة الأصلية، فهي التربة التي أنتجت هؤلاء المذكورين، والتي تشاركت الأنظمة والمعارضة معاً في تكوينها وإدامتها. أعني هل كان هؤلاء المدمِّرون ليظهروا، ويتمكنوا، لو كان تشكّلنا السياسي ـــــ منذ الاستقلالات العربية ـــــ دولتياً وليس عُصْبوياً، ولو كانت تجاربنا التنموية راسخة مجتمعياً وذات طابع استراتيجي، ولو كان وعينا الجمعي أكثر نضجاً وتقدماً؟
إنّ بقاء عُصَب من الانتهازيين، أو من محتكري السلطة، في الحكم لفترات طويلة جداً، هو دليل على هشاشة البيئة السياسية وضعف قوى المجتمع؛ ولكنّه أيضاً يؤشّر إلى حالة لدى التنظيمات الوطنية العربية، يمكن أن نسميها بالمراهقة المستمرة. فهذه التنظيمات ظلّت دائماً، وعلى امتداد أجيال عدة من القرن العشرين، تعيش تفتّتاً وتناحراً على تفاصيل عقائدية ـــــ تبيّنَ في ما بعد أنها ليست رئيسية ولا ملحّة ــــ غافلة عن القضية الأهم، قضية تجذير التنمية وتدعيم الاستقلال الاقتصادي وترسيخ الحداثة والعدالة في المجتمع، أي ــــــ باختصار ــــــ تقوية الوجود العربي. لقد كلّفت الصراعات السياسية، في العراق ومصر وسوريا بشكل خاص، آلاف الضحايا والمعذّبين والمنفيين، بلا أية فائدة. وإلا، هل كان البعثيون والشيوعيون والناصريون، على سبيل المثال، مختلفين حول مفهوم الاستقلال والتنمية؟ لقد كانت برامجهم متقاربة حول ذلك، ولكنّهم رغم هذا ركّزوا على موضوع السلطة وتقاتلوا في ما بينهم مقاتلة العدو للعدو.
■ ■ ■

طالما ظلّت «التربة» السياسية العربية نفسها، وطالما ظلت أخطاء الحركات الوطنية تكمل أخطاء الأنظمة الحاكمة، سيتواصل بلا انقطاعٍ المشهدُ العربي الذي يصعد فيه، أو يتسلّل، أو يقفز، لاعبون انتهازيون ومتحذلقون إلى سدّة الحكم، ليبيعوا أنفسهم وبلدانهم إلى جبابرة العالم مقابل البقاء في السلطة لا غير. ما لم نغيّر البيئة التي تنتج الفشل لن ينتهي الفشل، ولن تتوقف سلالة المدمِّرين، فبعد كل قيصرٍ يموت، كما قال أمل دنقل، قيصرٌ جديد.

*كاتب عراقي