قد تبدو هذه الكلمات قاسية بعض الشيء ولكنها الحقيقة، أو أقرب ما تكون إلى الحقيقة، الحقيقة المؤلمة الجارحة التي يجب أن يبنى عليها لمستقبل أفضل:

أولاً: بعد جريمة وقف التعقبات عن العميل فاخوري وإطلاق سراحه، ينبغي أن نعلن انتهاء لبنان كدولة مستقلة، وينبغي بالتأكيد الكف عن القيام بأي شيء يفهم منه أنه احتفالية مئوية لدولة لبنان الكبير... لا نطمح هنا بالتأكيد إلى أن نكون ولاية أميركية إضافية، فهذا كثير علينا، نحن بالكاد زقاق في حي برونكس (المحروم) في نيويورك مثلاً، أو قرية في جبال روكي البعيدة عن العمران. ولكن، وللأسف، يسري علينا القانون الأميركي المستكبر. كان من المفترض أن يعلن ذلك المسؤولون صراحة، وأن يخاطبوا الرأي العام بهذا الوضوح، وإلا لكان هنالك غش مرفوض بين الحاكم والمحكوم.
ثانياً: لم تكن أميركا لتقوم بهذا الضغط المفضي إلى هذه الجريمة لولا أنها تعلم أن هنالك فريقاً وازناً من المسؤولين يريد هذا الأمر بأي ثمن، وهي تعلم تماماً أن مشروع استقدام هذا العميل إلى لبنان لم يكن وقتها مشروعا أميركياً، كان مشروعاً لبنانياً بامتياز (بطله معروف لدى الجميع)، ضمن التنافس اللاهث نحو أحقيّة التمثيل المسيحي، والذي لن يجني منه صاحبه إلا الخسران على الصعيدين الإسلامي والمسيحي، وبوادر ذلك واضحة.
وهنا نستذكر الاجتياح الاسرائيلي، مع الفارق الكبير في الحجم ومع تشابه في المعطيات: لم يكن الإسرائيلي (ومن خلفه الأميركي)، لم يكن ليجرؤ على هذا الاجتياح المدمر لولا وجود فريق في لبنان (وازن نسبياً) في وقتها يريد هذا الاجتياح، وهو مستعد لأي شيء، بما في ذلك التعاون مع الشيطان (كما عبّر عن ذلك صراحة) لإخراج المقاومة الفلسطينية، ولتنصيب رئيس لبناني يناسب المرحلة المفترضة وقتها، على أنقاض الفوضى التي كانت قائمة. لم يُبن لبنان الجديد، ولم تتخلص إسرائيل من المقاومة، وقد ظهرت لها المقاومة الإسلامية التي تتمتع ببعض صفات لم تكن متوافرة عند المقاومة الفلسطينية، وأهمها أن المقاومين «الجدد» هم أهل الأرض وسكانها، وذلك بعيداً عن أيّ عنصرية مفترضة.
في النهاية، انطبق على الجميع قوله تعالى: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} (سورة الحشر 16).
اليوم تعود الأيام: اعلموا أيها اللبنانيون أن الضغط الأميركي لم يكن ليكون بهذه القوة وهذه الوقاحة لولا موافقة مسبقة أو حتى تنسيق مسبق مع أصحاب هذا المشروع، والله أعلم.
ثالثاً: حتى إشعار آخر، لم يعد هنالك أي معنى لبقاء الكثيرين في السجون، بل لم يعد هنالك معنى للجسم القضائي كله، فضلاً عن التشكيلات القضائية التي لن تكون أفضل من سابقاتها. انتهت العدالة في لبنان، نعم، حتى إشعار آخر. ما الذي يمنع أهالي المحكومين، حتى أولئك الذين تورطوا بمواجهة الجيش، ما الذي سيمنعهم من المطالبة الجريئة (والمحقة نسبياً) بإطلاق أبنائهم، وجرائمهم ليست أشد من الجرائم المنسوبة للعميل فاخوري؟ قانون العفو، بما في ذلك عن كبار المجرمين، أصبح مشروعاً ومبرراً.
رابعاً: نحن بين أمرين، أحلاهما مر. السيد حسن نصر الله وفيٌّ، أثبت وفاءه في الكبيرة والصغيرة، أخلاقيٌّ إلى أبعد حد، ونحن نقول ذلك من خلال العلاقة المباشرة والطويلة، والتي تصل إلى أكثر من ثلاثين عاماً، وليست فقط من خلال المواقف الإعلامية. وفاء قد يبدو لمن لا يفهم مقتضيات الأخلاق السامية إلا أمراً مُداناً. عندما يقول له الحليف: وقفت معك في عدوان 2006، ووقفت معك في المحافل الدولية، أمّنت لك غطاءً «مسيحياً» لمقاومة «إسلامية إرهابية»، وأعطيتك كذا وكذا، إلخ، أعطني مقابل ذلك هذا العميل... أمام سماحته خياران، إما أن ينقض هذا «التحالف التاريخي»، وإما أن يكون وفيّاً رغم مرارة هذا الوفاء أو حتى أكثر من ذلك. وذكّرني هذا الموقف بكلام الإمام الخميني عندما قبل مرغماً بالقرار (598) (بصرف النظر عن التفاصيل) وقال: «كأنني أتجرع السم». هكذا أراه، حتى لو لم أره أو أسمعه مؤخراً بعد هذه الكارثة. وهنا يمكن لسماحته أن يقول: بل قدمت لك أكثر ممّا قدمت، وأتيت بك رئيساً من خلال مسيرة مؤلمة تحمّلنا فيها وزر الاتهام بتعطيل البلد وغير ذلك، وماذا بعد. وهنا لا بد من تذكير هذا الحليف: صحيح أن الحسنات يذهبن السيئات، ولكن أيضاً وأيضاً فإن السيئات يذهبن الحسنات. وهذه سيّئة تمحو الكثير من الحسنات فضلاً عن غيرها.

هل تعتبر هذه الجريمة ضربة قاصمة للميثاق الموقّع بين المقاومة والتيار الوطني الحر؟


جمهور المقاومة هنا ينتظر جواباً من سماحته يصارحه فيه مباشرة: هل ما حصل هو وفاء؟ وما حدود الوفاء والشرعية؟ وهل الوفاء يتضمن مخالفة البديهيات الشرعية والوطنية؟ إن الذي حصل هو من باب الضرورات تبيح المحظورات، بعد أن أقنعنا الحليف بأن هنالك عقوبات أميركية ستفرض على لبنان، لن يتحملها اللبنانيون؛ سيتوقف الدعم اللوجستي للجيش اللبناني، ستوضع كثير من الشخصيات «المرموقة» على لائحة العقوبات الأميركية، الخ... الجواب هنا عند سماحته فقط، وهو الذي لا يمكن أن تتم المزايدة عليه، خاصة في مثل هذا الموضوع.
خامساً: انتهى العهد، نعم إلى حدّ كبير، مسمار يكاد يكون الأخير، وليحمل كل مسؤولية في المرحلة القادمة. والسؤال يطرح نفسه: هل انتهى تحالف حزب الله والتيار العوني، أو هل هو على طريق النهاية؟ وهل تعتبر هذه الجريمة ضربة قاصمة للميثاق الموقّع بين المقاومة والتيار، كما كانت استقالة الحريري إعلاناً لنهاية مشروع التسوية الرئاسية؟ الجواب عند سماحته أيضاً... أما بالنسبة إلى جمهور المقاومة، فلقد عرف ذلك بشكل واضح... نعم انتهى التحالف.
خامساً: أما من الناحية القانونية، فمن قال إن جرم العمالة قد توقف حتى يبدأ احتساب مرور الزمن؟ فهل توقفت عمالته أصلاً؟ وما يدرينا ماذا كان يفعل في أميركا، ومثلها في الكيان الصهيوني قبل ذلك. ومن قال إن جرم الخطف يسقط بمرور الزمن؟ ومن قال إن الجرائم التي لم يتم الكشف عن مصير المجني عليهم تسقط بمرور الزمن؟ هل هذا قانون أم كعكة حلوى؟ أم جرّة يضع فيها الفاخوري أذنها حيث يشاء؟ الفاخوري هنا أنتم وليس هو فقط.
* الأمين العام لاتحاد علماء المقاومة