في منازل اللبنانيين المحاصرين بالهواجس والمترقّبين لأسوأ السيناريوات التي قد يتعرضون لها في حال تفشي وباء كورونا، تأتيهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي صورة قيل إنها لبنات العميل عامر فاخوري وهنّ يحتفلن بإطلاق سراح والدهنّ أمام العلم الإسرائيلي. وبصرف النظر عن صحة الصورة، فإن واقعة إطلاق الفاخوري تضع اللبنانيين أمام أسئلة صعبة تكاد تكون بلا أجوبة.

ترى، كيف سينجح المستنكرون والمُدينون في تدبيج بيانات لا تستخف بعقول الناس؟
ترى، هل في وسعنا لوم الشامتين الذين لم يقصّروا في السخرية والتندّر والمزايدات؟
والأهم والأخطر، ترى هل في وسعنا، بعد اليوم، لجم الخطاب التطبيعي الذي ينادي بتحييد لبنان وخروجه من الصراع العربي - الاسرائيلي وينظّر لفضائل الانضمام إلى المشاريع الغربية وفوائده، وآخرها ما يسمى صفقة القرن؟
إن إطلاق سراح العميل عامر فاخوري بقرار اتخذته المحكمة العسكرية، تحت جنح الظلام والكورونا، بذريعة سقوط التهم الموجّهة اليه بفعل مرور الزمن، هو فعلياً قرار سياسي أكثر ممّا هو قضائي. ويحظى هذا القرار، بهذا القدر أو ذاك، بغطاء سياسي من كل قوى الديمقراطية التوافقية المشينة، سواء ممن هم في السلطة أم خارجها أم فوقها. والأنكى أن الإخراج الذي اعتمد لتمرير هذا القرار، بلغ من الخفة والرداءة حدّ الاستهتار الكامل بالقانون والقضاء والمؤسسات، وبحقوق ومشاعر اللبنانيين الذين مارس الفاخوري ضدهم أعمال قتل وتعذيب وتنكيل، لمصلحة العدو الصهيوني، فضلاً عن الإهانة المباشرة التي يحملها هذا القرار للروح الوطنية اللبنانية التي لا تزال صامدة في موقع المواجهة لكل محاولات التنازل عن الحقوق الفلسطينية والعربية، مقابل سلام الذل والخنوع والإذعان.
المحزن أن اللبنانيين، وقد فتك بهم الإحباط في السنوات الأخيرة العجاف، كانوا يستحقون القليل من الاحترام لعقولهم وعواطفهم، وكان الأجدى أن تجنّب الدولة القضاء هذا السقوط، وأن تمتلك فروسية إعلان اضطرارها إلى الخضوع للضغوط والتهديدات الأميركية، أو ربما تدّعي، حفظاً لماء الوجه، اضطرارها إلى عقد صفقة الفاخوري لما فيه مصالح عليا للدولة تلزمها بالاختيار بين السيّئ والأسوأ، وبالتالي فإنها اختارت السيّئ مرغمة، وأنها لا تدّعي عنتريات وبطولات يعجز عنها بلد ضعيف ومنقسم ومتهالك مثل لبنان.
أما وقد صار ما صار، وتبيّن للبنانيين مجدداً أن الدولة التي تخرج قاتلاً محكوماً من السجن وتحوّله الى بطل وزعيم ومرشح لرئاسة الجمهورية، لن تتوانى بطبيعة الحال عن إخلاء سبيل عميل ومجرم، فإن من حق اللبنانيين أن يطالبوا هذه الدولة وهذا القضاء بالقيام بأدنى واجباتهما تجاه الموقوفين في السجون والمتروكين من دون تحقيقات ومن دون محاكمات ومن دون احترام لمهل التوقيف الاحتياطي المنصوص عليها في القانون، علماً بأن الآلاف من هؤلاء الموقوفين، بغض النظر عن انتماءاتهم المناطقية أو الطائفية، وسواء كانوا من المتهمين بارتكاب جنح أم جنايات، لم يخضعوا لأي تحقيق منذ توقيفهم، بل ويجري تكديسهم بالآلاف في سجون غير مؤهلة ولا تتجاوز قدرة استيعابها الافتراضية ربع الأعداد التي تحتويها.
من حق الموقوفين في السجون، وخصوصاً في سجن رومية، أن يثوروا وينتفضوا. من حق أهاليهم أن يروا في سلوك الدولة والقضاء ظلماً وتعسّفاً.
ومن حق الذين كانوا يطالبون حتى الأمس القريب بمحاكمات عادلة وسريعة، وبعد أن منحتهم الدولة صورة الذل والعار للفاخوري يعلّقونها على جدران الذاكرة المثخنة بالمواجع والنكبات، أن يطالبوا اليوم، وبضمير مرتاح، بالعفو العام والشامل، ليس من باب تبرير الجريمة وتشريع مخالفة القانون، بل من باب اختلال ميزان العدالة في الدولة اللبنانية حتى إشعار آخر.

* نائب لبناني