«وحده الفكر السياسي الثوري القادر على التفسير للجماهير أسباب الفشل والهزيمة في مواجهة العدو»

من مقدّمة أحد المنشورات الأولى لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، شباط/ فبراير 1969
يعدّ هذا المنشور الـ«مانيفستو» من أهم مصادر النظرية الثورية لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، ويتّفق كثيرون على دور جورج حبش في صياغته، إلى جانب وديع حداد وبمشاركة غسان كنفاني. لا يختلف اثنان على مركزية جورج حبش في التاريخ الفلسطيني الحديث، وفي مسار الثورة الفلسطينية المعاصرة تحديداً، وهو الذي امتاز بصفات إنسانية وسياسية أجمع عليها خصومه قبل أصدقائه.
لكن كل الأعمال التي صدرت عن جورج حبش ركّزت على صفاته الشخصية والفكرية (النظرية تحديداً)، من دون خوضٍ عميق في نقد مساره السياسي. بل نكاد لا نجد عملاً نقدياً مفصّلاً لمسيرة حبش بما تمثّله من أهمية في المسار التاريخي للشعب الفلسطيني. ونقد جورج حبش ليس ترفاً أو محاولةً لتحطيم تجربة سياسية كانت لها ظروفها الموضوعية، بل هو ضرورة نابعة من مركزية «الفكر السياسي الثوري» الذي كتب عنه حبش نفسه، في الحرب التي يخوضها الشعب الفلسطيني للبقاء والتحرّر والتحرير.
لقد اكتسب جورج حبش، عبر السنين، صفة «القائد الثوري»، وبعيداً عن تكرار كل ما قيل عنه سابقاً، لا شكّ في أنّ نهجه العلمي كان ثورياً، ويكفي أنّ الرجل لم يتنازل عن ثوابت الشعب الفلسطيني حتى وفاته، لكن للقصّة بقية.
الثورية، كما عرّفها الشهيد غسّان كنفاني، هي «تعجيلٌ بدفع التطور كي يعوّض فترات الركود والصمت... وهي قضاء عنيف وحاد على كل ما من شأنه أن يعترض طريق التطوّر السريع؛ هي، بكلمة موجزة، اختصار الزمن من أجل اللحاق بالموكب من دون الوقوع في أخطاء جديدة». وفي مقارنة لمواقف جورج حبش مقابل النتائج التي ترتّبت على قراراته، وتحديداً في ما يتعلّق بالعلاقة بين نهجه ونهج ياسر عرفات، نجد حبش بعيداً نسبياً عن الثورية والفعل الثوري، وخصوصاً خلال مفاصل تاريخية أثّرت، وما زالت تؤثّر، على الأجيال الفلسطينية حتى يومنا هذا.
يشرح حبش أنّه أدرك انحراف ياسر عرفات ومجموعته مُبكراً، فيذكر في كتاب «أزمة الثورة الفلسطينية: جذور وحلول»، عام 1983، أنّ الثورة الفلسطينية «تقف لأول مرة أمام استعدادات حقيقية للتعاطي مع الحلول الأميركية... وهي مرحلة نوعية ابتدأت بعد الخروج من بيروت وتمتدّ جذورها إلى السبعينيات». إذاً، يعترف حبش ــــ وهو قائد ثاني أقوى الفصائل الفلسطينية حينها ــــ بفشله في الوقوف بوجه منظومة فاسدة تشكّلت في السبعينيات، واستمرّت في قيادة مصير ومسار الشعب الفلسطيني لعقودٍ من الزمن. إضافةً إلى تحميله المسؤولية الأساسية لمنظومة الفساد التي تفشّت في «منظمة التحرير» على صعيد المؤسسات والأفراد، لم يغب عن جورج حبش خطورة المسار الذي انتهجه عرفات، فلقّبه بـ«سادات فلسطين»، إثر زياة عرفات لمصر. وفي العديد من كتاباته، يشرح حبش «ديموقراطية ياسر عرفات» الذي كان يقول حرفيّاً: «قولوا ما تريدون وأنا أفعل ما أريد». ويتابع حبش في الإضاءة على «أساليب عرفات؛ في تحقيق ما يريد، فيذكر بأنّ أبا عمار كان دائماً «يجد طريقة» لاكتساب «الأصوات» في اتخاذ القرارات، ويشرح أسلوب عرفات في «احتكار الموارد» و«تشجيع الخلافات والانشقاقات»، والسيطرة على قرار الفصائل الأخرى. باختصار، تُشير كلّ كتابات وتصاريح حبش إلى أنّ انحراف نهج عرفات كان أمراً متوقّعاً ومقروءاً في السياسة، ولذلك كان حبش «يدعو» عرفات إلى التراجع عن نهجه.
فماذا حصل؟ وقف عرفات في الـ 1988 في الجزائر، مُعلناً هزيمة الثورة الفلسطينية بحضور جورج حبش (وهو ما تقصّد عرفات إظهاره لإكساب موقفه «شرعيّة» باسم حبش). لم يستجب عرفات لأي من «نداءات» حبش، واستمرّ في الرهان على الخيار الأميركي ــــ الإسرائيلي مُفقداً الشعب الفلسطيني كلّ أوراق قوّته أمام مشروع استعماري لم يتوقّف يوماً. والنتيجة؟ حتّى ما اكتسبه عرفات وزمرته، ابتلعته إسرائيل، وها نحن اليوم نُحارَب بلقمة عيشنا وبآخر ما تبقّى من أرضنا وهويّتنا.
لو كان جورج حبش مراقباً سياسياً، لوجب شكرُه على التحذيرات التي كان يطلقها بين الحين والآخر في وجه التخاذل والانحراف، لكنّه كان قائداً لثاني أكبر فصيل في الثورة. والفعل الثوري هو ذاك الذي «يعجّل بدفع التطور»، وليس ما يهادن الانحراف ويرضخ للتراجع تحت عناوين «الوحدة الوطنية» و«حرمة الدم»، من دون أي اعتبار للثوابت الثورية الفلسطينية.
ختاماً، لا ضير في تكرار تقديرنا واحترامنا لنضالات جورج حبش وتضحياته، لكنّنا جيلٌ فلسطينيّ قد ملّ «الأوثان»، وواجبنا اليوم نقد التجارب السابقة ــــ ولا سيّما المُخلصة منها كجورج حبش ــــ ودراسة أسباب الهزيمة على طريق بناء نهضة ثوريّة علمية تُعيدنا إلى واجهة «الفعل»، عوض أن نفنى في خانة «المفعول به».

* ناشط فلسطيني