في يوم 11آب / أغسطس 2002، زار واشنطن وفدٌ من «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق»، برئاسة السيد عبد العزيز الحكيم. كانت تلك الزيارة مؤشراً على تخلّي الولايات المتحدة عن سياسة انتهجتها، منذ عام 1993، نحو «الاحتواء المزدوج للعراق وإيران»، والاتجاه بدلاً من ذلك للتعاون مع إيران، مع بدء قرع الطبول الأميركية للحرب على العراق. كان «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق»، الحليف الرئيسي لطهران في صفوف المعارضة العراقية لنظام صدام حسين، ويؤمن بـ«ولاية الفقيه» بخلاف «حزب الدعوة الإسلامية»، الذي نادى بـ«ولاية الأمّة». وقد تأسّس المجلس عام 1982 في طهران على يدي آية الله محمود هاشمي شهرودي، الذي تتلمذ على يدي مؤسس «حزب الدعوة»، السيد محمد باقر الصدر، وعلى يدي آية الله الخميني في النجف، قبل أن يذهب إلى إيران ويحمل جنسيتها إلى جانب جنسيته العراقية، ويتبوّأ مناصب عليا في السلطة الإيرانية، مثل رئيس مجلس القضاء الأعلى، كما أنّه كان خليفةً محتملاً للسيد علي خامنئي، لولا وفاته عام2018.

بعد أربعة أشهر من تلك الزيارة، شارك السيد الحكيم في مؤتمر المعارضة العراقية في لندن، والذي جرى تنظيمه تحت إشراف المسؤول الأميركي زالمان خليل زادة، وأُريدَ منه تهيئة المعارضة العراقية لمرحلة ما بعد صدام حسين. بعد ثلاثة أشهر من سقوط بغداد بيد الغازي والمحتل الأميركي، بيوم 9 نيسان / أبريل 2003، قام الحاكم الأميركي للعراق بتشكيل «مجلس الحكم»، وكان السيد عبدالعزيز الحكيم أحد أعضائه هو وحلفاء عديدين لطهران. وكان واضحاً من تركيبة المجلس، أن التحالف الأميركي ــ الإيراني في العراق المغزوّ والمحتل، قد أنشأ ثنائية شيعية ــ كردية، كانت هي صاحبة الثقل في العملية السياسية العراقية، بخلاف الهيمنة السنّية العربية على الدولة العراقية الحديثة، منذ تأسيسها من قبل الإنكليز عام 1921.
كان منظر التحالف الأميركي ــ الإيراني في العراق غريباً، ويتعاكس مع مسارٍ من المجابهة بين طهران وواشنطن بدأ في يوم 4 تشرين الثاني / نوفمبر 1979، مع السيطرة على السفارة الأميركية في إيران واحتجاز رهائن فيها. كذلك، يتناقض مع دعم واشنطن للعراق في الحرب مع إيران في الثمانينيات، ولا يتوافق مع اتجاه جورج بوش الأب، عام 1991، إلى ترك صدام حسين يسحق انتفاضة الجنوب العراقي، التي بدأت بعد أيام قليلة من استسلام الجيش العراقي أمام الأميركيين في حرب الكويت، خوفاً من أن تستلم السلطة العراقية قوى موالية لطهران. ما زالت الدوافع الأميركية للتحالف مع طهران في غزو واحتلال العراق غير واضحة حتى الآن، بخلاف الدوافع الإيرانية التي رأت عبر حسابات براغماتية أن السياسات تُقاس بالنتائج، وليس بأي شيء آخر. فقد حسبت طهران جيداً بأنّ فراغ سلطة صدام حسين، لن يستطيع أحد ملْأَه سوى حلفائها من القوى الإسلامية الشيعية العراقية، الذين انضم إليهم «حزب الدعوة»، وبأنّ القوى الموالية لواشنطن ستكون أضعف في المشهد السياسي العراقي الجديد، فيما سيتصدّره حلفاء طهران. وعملياً، منذ انتخابات عام 2005، بان هذا المشهد من خلال تولّي أحد قادة «حزب الدعوة» رئاسة الوزراء، وهو إبراهيم الجعفري، بدلاً من حليف واشنطن القديم إياد علاوي، ثم تعزّز ذلك مع تولّي نوري المالكي المنصب، عام 2006.
لا يمكن تفسير اتّجاه طهران لفكّ تحالفها مع واشنطن، مع استئناف برنامجها لتخصيب اليورانيوم، في آب / أغسطس 2005، إلا من خلال وضعيتها المتفوّقة عراقياً، في وقت كانت فيه واشنطن ترتبك وتتعثّر أمام المقاومة العراقية المسلّحة، التي ظلّت حتى عام2007 تستند إلى قاعدة اجتماعية عند السنّة العرب. في عام2007، استلمت المنظّمات الشيعية المسلّحة الحليفة لطهران، عملية المقاومة العراقية ضد الأميركي، فيما اتّجه الوسط السنّي إلى الانخراط في العملية السياسية، وتعاون مع الأميركي عبر تنظيمات «الصحوات»، لمحاولة تصفية تنظيم «القاعدة». نجح شيعة العراق فيما فشل السنّة في إجبار الأميركي على الانسحاب العسكري من العراق، والتوقيع على الاتفاقية الناظمة لذلك في 17تشرين الثاني / نوفمبر 2008. في فترة نوري المالكي الثانية، منذ تشرين الثاني / نوفمبر 2010، وعند فَشَل الأميركيين في تنصيب إياد علاوي رئيساً للوزراء، كانت واضحة غلبة طهران على واشنطن في النفوذ في بغداد، بينما كان هناك توازن قلق بينهما في السلطة العراقية، في السنوات الأربع الأولى للمالكي في منصبه منذ أيار / مايو 2006. لم يهتزّ مركز طهران في بغداد، إلا مع سقوط الموصل في 10حزيران / يونيو 2014 بيد «داعش»، التي أتت من رحم تنظيم «القاعدة»، وهذا ــ مع العقوبات الأميركية الاقتصادية على إيران ــ ما أقنع إيران بالتوقيع على الاتفاق النووي مع واشنطن، المسمّى شكلاً «اتفاق الخمسة زائد واحد»، عام2015.
لذا، إذا عدنا للمّ عناصر المشهد، فإنّ إقليم الشرق الأوسط قد أعيد تشكيله بدءاً من سقوط بغداد، في 9 نيسان / أبريل 2003، كما تمّ تشكيل المشهد الإقليمي مع سقوط الدولة العثمانية، عام1918، ومع قيام إسرائيل عام1948، ومع هزيمة حزيران / يونيو 1967: أتى «القطب الواحد للعالم» إلى قلب المنطقة بجيوشه، وأصبح قوة إقليمية. أصبحت إيران عبر المنصّة العراقية، القوة الإقليمية العُظمى، ولولا مكاسبها في بغداد، ما كانت قد حصّلت وضعية حلفائها المتفوّقة، في غزةفي 14 حزيران / يونيو 2007، وفي بيروت في 7 أيار / مايو 2008، وفي صنعاء في 20 أيلول / سبتمبر 2014.
منذ آب/ أغسطس 2005، يتمّ رسم لوحة إقليم الشرق الأوسط على وقع الصدام بين واشنطن وطهران. حرب تموز / يوليو 2006، شنّها الإسرائيلي على وقع هذا الصدام، وفي خريف 2006، تحدثت كوندوليزا رايس عن أن الصراع في المنطقة هو صراع بين معسكرين: التشدّد والاعتدال. كان التعويم الأميركي لرجب طيب أردوغان في تركيا، بين عامي 2007 و2013، من أجل إيجاد موازٍ إقليمي لطهران، يوالي واشنطن. كذلك، فإنّ اتجاه الأميركيين للتحالف مع «جماعة الإخوان المسلمين»، في عامي 2011 و2012، هو في إطار إنشاء فالق سنّي ــ شيعي، يشاغل طهران. عندما وافقت طهران على «اتفاق خمسة زائد واحد»، أراد باراك أوباما طيّ صفحة المجابهة مع طهران، بينما ترك لها مكاسبها الإقليمية ما دامت قد وافقت على إيقاف برنامجها لتخصيب اليورانيوم. ويبدو هنا، أن اتّجاهه نحو التركيز على الشرق الأقصى، لا ينفصل عن اتّجاهه نحو استرضاء إيران، التي يمكن أن تشكّل، مع أفغانستان، سدّاً أمام التمدّد الصيني نحو الغرب الآسيوي. ترافق اتجاه أوباما هذا، مع توتّر العلاقة الأميركية ــ التركية، ومع تخلّي واشنطن عن تحالفها مع الأصولية الإسلامية الإخوانية.
في هذا الصدد، كان تخلّي دونالد ترامب عن «اتفاق خمسة زائد واحد»، في 8 أيار / مايو 2018، عودة إلى منطق الصدام مع طهران، وإلى تحويل الإقليم إلى ساحةٍ لهذا الصدام: يستخدم ترامب هنا «الجنرال الأميركي»، الذي اسمه الدولار لفرض عقوبات اقتصادية على إيران هي الأقسى مقارنة بتلك التي فرضها أوباما، وذلك بهدف الوصول إلى اتفاق نووي جديد مع طهران يكون مُرفقاً باتفاق أميركي ــ إيراني حول الوضعية الإقليمية لطهران في عموم الشرق الأوسط. في الصيف الماضي، وُضعت قراءات عن أنّ الرد الأميركي على ضرب الناقلات النفطية في مضيق هرمز وخليج عُمان، وعدم الرد على إسقاطٍ إيراني للطائرة المسيّرة الأميركية ذات التقنية العالية، وعلى ضرب منشآت شركة «آرامكو» النفطية السعودية، هو تعبير عن نوع من الضعف الأميركي. وعلى ما يبدو، فإن ترامب قد قرأ حادثة التعرّض للسفارة الأميركية في بغداد، على أنّها تكرارٌ من حلفاء طهران في بغداد لحادثة السفارة الأميركية عام 1979، التي قادت إلى عدم التجديد الانتخابي للرئيس الأميركي جيمي كارتر. وعلى الأرجح، فإنّ اغتيال اللواء قاسم سليماني، محاولةٌ لإرسال رسالة أميركية مفادها أنّ واشنطن ليست ضعيفة، وأنّ ترامب ليس كارتر. اللافت للنظر أن تكون بغداد، التي كانت ساحة التلاقي الأميركي ــ الإيراني عام2003، هي ساحة هذه الضربة الأميركية الكبيرة التي تلقّتها طهران عام 2020.
كمكثّف: شهدت المنطقة حالات صدام مباشرة بين القوة الدولية العظمى، وبين قوة إقليمية صاعدة (بريطانية ومحمد علي باشا عام 1840)، وصدام بالوكالة عن القوة الدولية العظمى ضد قوة إقليمية صاعدة (إسرائيل وكالةً عن واشنطن، في حرب 1967 ضد عبدالناصر)، وصدام بين القطب الواحد للعالم، وبين قوة إقليمية تتجاوز الخطوط الحمر، كما جرى من العراق عبر غزو الكويت في 2 آب / أغسطس 1990. إيران هي الحالة الرابعة، حيث تتصادم القوة الإقليمية العظمى مع القطب الواحد للعالم، منذ آب / أغسطس 2005. كان اتفاق 14تموز / يوليو 2015 حول البرنامج النووي الإيراني، مثالاً على أنّ الحالة الإيرانية ليست مثل الحالات الثلاث السابقة، عندما تغلّب «الدولي» على «الإقليمي». فهل ستكون مجابهة ما بعد 8 أيار / مايو 2018 الأميركية ــ الإيرانية، والتي من ميادينها العراق ولبنان وسوريا، في اتجاه تعادلي، كما كان اتفاق 2015 الأميركي ــ الإيراني؟ أم أنّ مجابهة واشنطن ترامب وطهران خامنئي، ستكون غير تعادلية؟

* كاتب سوري