دشَّن اغتيال الفريق قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس وصحبهما، فجر 2 كانون الثاني / يناير الحالي، مرحلة جديدة في العلاقات الأميركية ــ الإيرانية، ستترتّب عليها نتائج مؤثرة في مصائر المنطقة وتوازناتها وأدوار القوى الخارجية والداخلية الناشطة، سلباً أو إيجاباً، فيها.

طُبِعت العلاقات الأميركية ــ الإيرانية بتوتّر متواصل، بدءاً من انتصار الثورة الإسلامية في طهران عام 1979. لقب «الشيطان الأكبر» لوصف واشنطن من قِبَل ممثلي الثورة الإيرانية، عكس حدّة الصراع والتناقض بين سلطتي البلدين في مراحل متعاقبة، خصوصاً أثناء الحرب العراقية ــ الإيرانية (1980-1988). رغم ذلك، شهدت العلاقات بين البلدين فترات ليست قصيرة من التحاور والتناغم والتعاون غير المعلن غالباً. تفجيرات 11 أيلول / سبتمبر في الولايات المتحدة عام 2001، أطلقت دينامية جديدة في العلاقات بين البلدين. بلغت ذروة ذلك في التفاهمات التي أدت، بعد احتلال أفغانستان والعراق من قبل الجيش الأميركي وبعض حلفائه، إلى تقاسم النفوذ في البلدين المذكورين بين واشنطن وطهران، أي إلى ما يسميه معلقون «مساكنة» شبه رسمية بين الطرفين. صمدت هذه المساكنة طيلة حوالى ستة عشر عاماً، رغم ما شابها من تنافس وخلافات ومتغيرات، خصوصاً في العراق. الانسحاب الأميركي الرسمي من العراق، أواخر عام 2011، لم ينهِ دور واشنطن فيه. وهو دور تجدَّد، سياسياً وعسكرياً، مع تشكيل «تحالف دولي»، بقيادة واشنطن، لمواجهة نجاحات التنظيم الإرهابي «داعش» في السيطرة على مناطق واسعة من العراق وسوريا وإعلان «الدولة الإسلامية» في حزيران / يونيو 2014، بعد سقوط «الموصل» وانهيار الجيش العراقي شبه الكامل بسبب النزاعات الطائفية والإثنية، والفساد، والتدخل الخارجي...
بلغت التفاهمات الأميركية ــ الإيرانية ذروتها في توقيع وإعلان الاتفاق النووي ربيع عام 2015. غير أن الأزمة السورية (2011) استعصت على الحلول والتسويات، وتعذَّر حصول أي حد من التفاهم، بشأنها، بين الطرفين الأميركي والإيراني، على غرار ما كان حصل بشأن العراق وأفغانستان. تدخلت موسكو، بقوة، في سوريا في أيلول / سبتمبر 2015، وتمكنت من خلال التصميم السياسي والانخراط العسكري الضخم المباشر في القتال، من إضعاف الدور الأميركي ومنع هزيمة السلطة السورية لمصلحة المعارضة الداخلية وداعميها الخارجيين. انتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة، في أواخر عام 2016، دشَّن، وسط تردّد وارتباك، سياسة جديدة حيال المنطقة. راوحت هذه السياسة بين الانخراط السياسي والمشاركة العسكرية المحدودة، وسط ضغوط أو إغراءات هائلة من قِبَل تل أبيب والرياض، لدفع واشنطن نحو دور أميركي أكبر في مواجهة ازدياد وتوسّع النفوذ الإيراني ذي البعد الاستراتيجي الممتد من العراق إلى اليمن إلى فلسطين ولبنان وسوريا والخليج. بالتوازي، كانت تتنامى قدرات طهران العسكرية ويتعزّز دورها كقوة إقليمية كبرى. مثّل «الحرس الثوري»، وخصوصاً «فيلق القدس» فيه، بقيادة قاسم سليماني، القوة السياسية التعبوية التنظيمية الأكثر مبادرة وفعالية. انتقلت إدارة ترامب، إثر ذلك، إلى تشديد العقوبات على طهران لفرض تغيير في سياساتها. تزامن ذلك مع بدء التمهيد لفرض مشروع «صفقة القرن» الترامبي الصهيوني، وهو مشروع يرمي، بوقاحة مستفزة، إلى تصفية قضية الشعب الفلسطيني وحقوقه، وإلى التطبيع العربي الواسع مع إسرائيل، وإلى الهيمنة الأميركية على المنطقة على غرار ما كان يبتغيه مشروع «الشرق الأوسط الواسع»، الذي أطلقه الرئيس بوش الابن و«المحافظون الجدد»، في مطالع القرن الحالي. عموماً، وبشكل متسارع، حلّ الصراع محل ما كان قد أرسي من تفاهمات: وفي سوريا استعادت واشنطن دوراً وحضوراً مباشرين، سياسياً وعسكرياً، عبر دعم المنظمات الكردية، وإقامة قواعد وأنشطة ذات علاقة بمنع التواصل العراقي السوري، وبعرقلة الحل في سوريا، وبالاستيلاء على جزء من نفطها، وبإنعاش التنظيم الإرهابي «داعش»، وبحضور احتلالي لا أقنعة ولا شرعية له... أما في العراق، فقد باشر ترامب تعزيز الحضور العسكري الأميركي بإرسال وحدات أميركية جديدة بذريعة محاربة التنظيم الإرهابي، وبالتدخل المباشر في العملية السياسية الداخلية: بدءاً من الشارع إلى تأليف الحكومة واختيار رئيسها ووزرائها وسياساتها. وضمن جهد إسرائيلي ــ خليجي منسّق، رعت واشنطن التطبيع بين دول الخليج والعدو الصهيوني، واشترطته من أجل دعم أنظمة الخليج وحمايتها. تصاعد التوتر في العلاقات الأميركية ــ الإيرانية أيضاً، بسبب تصميم واشنطن على منع تصدير النفط الإيراني، ما أدى إلى عدد من الحوادث والتفجيرات، تمكنت عبرها طهران من كسب نقاط ثمينة على إدارة ترامب، على المستويين السياسي والعسكري.
العقوبات القصوى التي راهنت عليها واشنطن لفرض تغيير في السياسات الإيرانية لم تنجح بدورها في ثني إيران عن سياساتها. في مجرى كل ذلك، أصبحت إيران، في الواقع العملي، هي «الشيطان» الإقليمي بالنسبة إلى واشنطن وحلفائها، من ضمن سياسة لإحلال الصراع مع إيران، بديلاً للصراع العربي ــ الصهيوني الأميركي.
اغتيال القائد سليماني أتى في هذا السياق، ليكرّس ويدشّن انعطافة جديدة في صراع أميركي ــ إيراني تقلّصت نقاط التقاطع فيه، بشكل شبه كامل، وزادت تناقضاته إلى درجة خطيرة. تستظل واشنطن، كما أشرنا، مشروع «صفقة القرن»، وهو مشروع وقح لتصفية قضية الشعب الفلسطيني وحقوقه ولفرض الهيمنة الأميركية ــ الصهيونية على المنطقة. واشنطن ليست قادرة على ضمان الانتصار في هذه المعركة بعد تراجع دورها الدولي لمصلحة روسيا والصين، ودورها الإقليمي لمصلحة المحور الذي تقوده إيران.
لكن أي نوع من المواجهة هو المطلوب؟
ممّا أشرنا، وسواه من الوقائع المتراكمة، فإن الصراع بين واشنطن وطهران لم يبدأ باغتيال الجنرال سليماني، والذي كان الاغتيال محطة من محطاته. بيد أنه، بعد الاغتيال، قد دخل منعطفاً كبيراً. وهو حتماً، سيشمل المنطقة على أوسع ممّا كان عليه الأمر بأضعاف. ينبغي، بدءاً، القول في هذا الصدد، إن المعركة مع السياسات الأميركية لم تبدأ بقيام الجمهورية الإسلامية في إيران. وهي، موضوعياً، لن تنتهي في ما لو قدّر للصراع بين واشنطن وطهران أن يجد له نهاية أو تسوية أو هدنة... إن الصراع بين شعوب المنطقة (وكل الشعوب) مع واشنطن، هو صراع مع القوة الأساسية للاستغلال والهيمنة والعدوان في عالمنا المعاصر. ساحة هذا الصراع الأساسية، اليوم، هي الشرق الأوسط، وضحيته الأولى هي الشعب الفلسطيني. إنه، إذن، صراع تحرري بالمعنى الشامل للكلمة: أي في شقّيه الكولونيالي (الاستعماري) والإمبريالي (وفق ما تطوّرت إليه آليات الاستغلال في المرحلة الراهنة).
في البديهيات أن الصراع التحرري يشمل طيفاً واسعاً من المتضررين: ليس على أساس طبقي فقط، ولا على أساس قومي أو عرقي أو ديني أو مذهبي... حصراً). إنه قد يكون شيئاً تشترك في تكوينه عناصرُ وقوى متعددة من دون أن يستأثر أحدها أو يطغى. الشرط الأساسي، إذن، هو أن يجمعها هدف واحد ضد العدو المشترك. أما الوسائل والعلاقات فينبغي حتماً أن تخدم ذلك بأفضل ما هو ممكن.
لا يحصل ذلك بغير مراجعة مسؤولة بعيدة عن الفئوية وسوء القصد أو التقدير!!

* كاتب وسياسي لبناني