إن مقاربة التغيير في الواقع العربي من خلال ما سمي «الربيع العربي» تعتمد على منطق مشبوه ومضلل مبني على فكرة خاطئة بالمطلق. فهو حين يطلب تغيير الواقع من رأس هرمه فهو ينطلق من فرضية أنّ جموع الناس المطالبة بالتغيير «القاعدة الاجتماعية» متوحدة وواعية وقادرة وصالحة شرعياً وثورياً لتحقيق هدف واحد بوسيلة صالحة، وهو ما يناقضه الواقع ومنطق التغيير وشرعه.


فما إن يسقط النظام بينهم، الذي كان يوفّر لهم قوانين ناظمة لحياتهم مقبولة بحدها الأدنى، حتى تنفرط هذه الحياة الاجتماعية إلى مكوناتها الأولية وقوانين بدائية تشابه حياة القبائل والمجموعات البشرية الصغيرة، وليتفاجأ جميع من طالبوا بالتغيير من الأعلى إلى الأسفل بأن الاختلاف الشديد في القواعد والبيئة الاجتماعية الفاسدة يصعب عليها الاتحاد على أي هدف غير إسقاط النظام.
التغيير – يا سادة – يجب أن يبدأ من القواعد ومن البيئات الاجتماعية. وهي قاعدة منطقية شرعية دعوية معروفة قديماً، وثبّتها الواقع حديثاً.
أفضل التغيير هو ذلك الذي مهّدت له حركة دعوية واعية عملت على قراءة الواقع واكتشفت هناته ومشاكله قبل أن تصوغ له مستقبله عبر برامج واضحة الرؤى والملامح، واعتمدت على الفرد لتغييرها من الأسفل للأعلى فتصبح البيئة كلها جاهزة للتغيير، وبالتالي لا يستطيع النظام أن يعاند التغيير الحاصل سلفاً أو أن لا يكون معبّراً حقيقياً عنه.
أما الاعتماد على التغيير القسري، فهو – إن حدث – مكلف جداً وبمسار طويل غير مضمون النتائج. ويخلق بيئات اجتماعية مقهورة مكبوتة منافقة جاهزة في أي وقت قادم لرمي قشرة التغيير تلك والعودة إلى ما يمثل قناعاتها التاريخية والوجدانية والدينية.
لذا ذهبت تعابير من مثل «الثورة تأكل أبناءها» و«الثورة يفكر بها الحالمون ويقوم بها المجانين ويقطفها الانتهازيون» لتكشف لنا طرق التغيير القسري ونتائجه، فأنى للعقلاء العيش بين الأصناف السابقة والظروف التي يفرضها أسلوبهم في التغيير؟
بينما اختصر التعبير الشرعي «كما تكونون يولى عليكم» كل أساليب التغيير ونماذجه. فمن الملاحظ من هذا القول الجامع أن التغيير يبدأ في القاعدة أولاً ليصبح واجباً في قمته أو نظام ولايته، فيكون في معادلة التغيير تلك شرط البدء من القاعدة شرطاً لازماً وكافياً لصحة نتيجة المعادلة رياضياً ومنطقياً.
وإن الاعتماد على إسقاط القمم وانتظار النتائج المبهرة لا يعدو إلا أسلوباً خاطئاً مضللاً وحجراً ثقيلاً ترمي به الجموع الغاضبة لتكتشف أنه قبل أن يُسقط النظامَ قد سقط على رؤوسها فأصابها بالدوران والغيبوبة، فأحالها إلى فئات شتى بمشاريع شتى متناقضة، من أقصى اليمين لأقصى اليسار وما بينها وتفرز الحرية المشتاهة طيفاً واسعاً مختلفاً ومتناقضاً بين جميع مكوناته ويحتاج إلى ابتداع عقد اجتماعي جديد للملمة ما بقي من شتات مجتمعي ممزق.
إن قراءة متأنية في ما حققته «الثورات العربية» بكل تلويناتها المختلفة ونتائجها المنظورة المتدرجة وطيفها المفرز في نماذجها المتنوعة من تونس إلى سوريا مروراً بمصر وليبيا واليمن، وما تحقق من فوضى عارمة، تثبت الرؤية السابقة الشرح وتؤكد صحة منطقها وفلسفتها وواقعيتها وصوابيتها.
فهناك بلدان سرعان ما لفظت حكامها بالتهديد السلمي بالفوضى، وهناك من تخلصت منه بالعنف «الثوري» المتوحش، وهناك من تخلصت منهم ببزات تفاوضية إقليمية داخلية وهناك مناطق لا يزال الاستعصاء فيها يهدد كل المجتمع المكون بنسف كل العوامل المشتركة لشركاء وطن الأمس.
كل هذه التنويعات في النواتج القريبة للثورات العربية لا تجعل «المجتمع المدني الموحد بقواسم جامعة متوافق عليها «نتيجة سهلة المنال وقريبة ومؤكدة التحقق كما هي عميلة التدمير الذاتي التي تجري على قدم وساق في مجتمعاتنا، إن كانت للبنى التحتية للوطن أو لتمزيق الشعب إلى انقسامات أفقية أو شاقولية تبعاً للطوائف والأديان والأعراق والقبائل والانتماءات الأخرى أو عندما يقتصر التدمير الذاتي بنسف القوانين الاجتماعية الناظمة وترك المجتمعات رهينة مخاض فوضى عامة تكرس الحرية الشخصية ومتطلباتها المتزايدة والمتناقضة كأهم هدف لها بحيث يصبح تحقيقها في مجتمع مضطرب ضرباً من المستحيل.
إن تعبير «الشعب يريد إسقاط النظام» متناقض بحيث لا تستقيم كلماته على سطر واحد.
فمن يستطيع أن يدعي - مهما كبر تمثيله - أنه يمثل الشعب بكل تنويعاته واختلافاته ومطالبه المتناقضة في أحيان كثيرة؟ بينما يتركهم إسقاط النظام إلى فوضى عارمة تطيح كل قوانين الاستقرار الاجتماعي وتهدد بانقسامات وتشظٍّ مجتمعي رهيب، وخاصة في بلدان مبنية على هذا التنوع.
أفرزت بعض «البلدان المتجانسة» في أماكن «الثورات» بعد تحقق سقوط أنظمة الحكم انقسامات غير مسبوقة، إن على أساس الدين أو على طريقة تطبيقه أو على أسس أخرى أقل أهمية، وهي ما زالت تهدد «البلدان المتنوعة» بحدوث زلازل وتسوناميات مجتمعية إذا نجحت في تحقيق مأربها.
ومما يثير السخرية، ذلك القول الذي يردد ببغائياً أنّ الثورة الفرنسية والإنكليزية قبلها قد أخذت قرابة القرن لتحقق مآربها وإنجازاتها، وكأنه المطلوب حالياً إدخال أجيال متعددة من المنطقة في دهليز التاريخ واللعب بمصائرها وتسليفها عقوداً من التخبط والفوضى، التي قد لا توفر الدماء والأعراض والأرزاق في شكل يناقض رسالة الإنسان ذاته.
لعل الطريقة الأمثل للتغيير هي الهجوم المجتمعي - بعد تنويره بالوعي والثقافة والعلم - على الآفات الفاسدة في النظم العربية مثل الاستبداد والديكتاتورية والتسلط الأمني والظلم الاجتماعي والتبعية والفقر وتفكيكها وضرب أسباب وجودها، والقناعة بأن الحكم الناظمة للدول ما هي إلا صورة منعكسة من أخلاق المجتمع وهيئته.
وخلال ذلك يجب المحافظة على الثوابت والمشتركات وتعزيزها بدل نسفها والتخلص منها والبحث الواهي عن بديل متخيل قد لا يأتي في زمن الشعارات الشخصية الذاتية.
* كاتب سوري