مع كلّ أزمة تحصل في العالم، تتجدّد النقاشات بشأن دور اليسار وموقعه من الأحداث. في حالة أوكرانيا، وبخلاف انتفاضات سابقة لم يكن له دور يذكر، لا في الاحتجاجات ذاتها، ولا في النقاشات التي أعقبت استيلاء اليمينيين على السلطة وتدخّل روسيا في القرم، وهذا عائد في ظنّي إلى انقسامه حيال «الثورات» عموماً، وإلى اتخاذه مواقف أضحت عبئاً على الواقع ذاته الذي صدرت عنه الاحتجاجات.


ففي سوريا، وهي مدار انقساماته الفعليّة وبؤرتها، وجد نفسه «مجبراً» على الاصطفاف مع أحد الطرفين المهيمنين، ولم يعنه في حال من الأحوال كلّ الكلام على «إجرامهما المتساوي» رمزياً والمتساوق مع حالة النهب التي عمّماها على البلد، ومن هنا نفهم أزمته الأخلاقية العميقة التي انعكست بشكل أو بآخر على موقفه التحليلي من الأحداث. صار اليسار هنا مضطرّاً إلى تبرير نفسه كلّما انحاز أكثر إلى النظام أو إلى المسلّحين المسمّين «الجيش الحر» (ما زلت مصرّاً على اعتباره مجموعات مقاتلة محلية لا يجمع بينها إلا العصبية الأهلية والعداء لآل الأسد، وهو ما عجّل «بانفراطها» لاحقاً). وهذا الجهد في التبرير لاقى صدى لدى المجموعات المافياوية - داخل النظام والمعارضة - المنحازة ضدّ الفقراء، والمهتمّة بتسعير الصراع طائفياً وتحييد الجذر الطبقي الذي فيه. والحال أنّ يسارنا الهزيل قد توزّع على هذه المجموعات بالتساوي، فالجزء «الممانع» منه انضمّ عمليّاً إلى جوقة النظام الفاشي، ولم يعد يعنيه كلّ ما يفعله هذا الأخير بأحياء الفقراء وضواحيهم في حمص وحلب ودرعا وريف دمشق وإدلب ودير الزور و...إلخ. وبذلك تكون ممانعته السطحية والمنقطعة عن المجتمع قد تغلّبت على حساسيته الطبقية، وبالتالي أنهت كلّ ما يتعلق بالانحيازات الاجتماعية في خطابه، وأبقت على «يساريته» كقشرة فقط وكذريعة للمزيد من الالتحاق بالنظام باسم مقاومة التكفيريين ومموّليهم الإمبرياليين. لا يعبّر ناهض حتّر وحده عن هذا التوجّه، وإن كان الأكثر تصلّباً وتوتراً داخله، بل أيضاً «مجمل» الماركسيين والقوميين العرب الذين فضّلوا تغليب البعد الميداني على ما سواه، فأضحت الخرائط بالنسبة إليهم هي الأساس، وفي ضوئها فقط يتحدّد موقفهم من الصراع سلباً أو إيجاباً. يتراجع وزن المهمّشين والفقراء في مقاربات كهذه إلى حدود كبيرة، ولا يعود التعرّض لهم عسكرياً يمثّل شيئاً بالنسبة إلى «القوميين»، فهم ليسوا إلّا «أخطاءً جانبية» (وهذا تعريف إمبريالي بالمناسبة)، وبالمفهوم الاقتصادي يعتبرون قوّة عاطلة من العمل ومرشّحة بقوّة للخروج من السوق الجاري تلزيمه لمافيات الحرب وتجّارها. الموقف من الحرب بهذا المعنى ليس موقفاً ضدّ طرف بعينه، وهذا ما يجب أن يفهمه الجميع، وعلى رأسهم الممانعون الفعليون للهيمنة الأميركية، بل هو بالأساس انحياز إلى جانب الفقراء والمهمّشين إلى أيّ جهة انتموا، وخصوصاً إذا كانت هذه الجهة موالية. المعيار هنا لا يتغيّر كما يحدث في المواقف السياسية الانتهازية، ذلك أنّ الوقوف إلى جانب الطبقات المهمّشة هو المحدّد لكلّ «ما يحدث خارجها»، وهذا الخارج متعيّن اليوم بالحرب التي يشنّها النظام والمعارضة المسلحة عليها بالتوالي. لذلك، نقول عن اليسار الممانع إنّه متورّط، فهو لا يقف إلى جانب الفقراء كما يجدر به أن يفعل، وحين يضطرّ إلى الوقوف معهم، يفعل ذلك من باب الانحياز إلى النظام ليس إلّا. على هذا الأساس فقط يبني موقفه من المجازر التي تحدث بحقّ الموالين؛ فهو لم يستعملها إلا كدعاية ضدّ التكفيريين، وهذا جيّد من ناحية وضع الوهابية تحت الضوء وتشريح بنيتها الإجرامية، ولكنه لا يصلح أبداً لبناء خطاب متماسك حول «مظلوميّة» الجهة التي تتعرّض «للإفناء» على أيدي الوهابيين. وقس على ذلك أيضاً في ما يتعلّق بمعلولا وصدد والقصير وجرمانا وكلّ الأماكن الأخرى التي تجرّعت سموم المعارضة المسلحة. بالمناسبة، معظم الضحايا هناك كانوا من بيئات فقيرة ومتوسّطة، وهذا ما يزيد من تهافت الدعاية الممانعة، فالتركيز لديها بقي منصبّاً على انتماءات هؤلاء «الطائفية»، ولم يتطرّق قطّ إلى وضعهم الاجتماعي أو الطبقي، حتّى إنّ الإشارة إليهم «كأقليات» بقيت في إطار الكلام على «طائفيتهم»، لا على الطابع السياسي لاستهدافهم. وهو «المحدّد الرئيسي» لسلوك المعارضة تجاههم قبل دخول العامل الوهابي والتكفيري على الخطّ.
ورغم كلّ ما سبق، لا تعتبر الممانعة اليسارية نفسها معنيّة بتوضيح موقفها؛ فهي تتصرّف على أساس أنّها تحارب الطائفية السياسية في طبعتها الوهابية، وبالتالي تقف إلى جانب من تعتقد أنّه يمثّل «العلمانية» و«التقدّم» اليوم. تعتبر مثلاً عبر ممثّلها الشرعي والوحيد في الأردن أنّ «التقدم» مرتبط عضوياً «بإنجازات» الجيش السوري، وهي بكلّ تأكيد لا تقلّ وحشية عما يفعله المسلّحون بالموالين، لا بل يتأكّد مع الوقت أنّ دكّ منازل الفقراء في المدن والأرياف هو سبيل السلطة الوحيد لتمويل خزينتها التي باتت مرتبطة أكثر من أيّ وقت مضى بفعل الحرب. طبعاً لم يعد مجدياً أن تتوجّه إلى هؤلاء بالنصيحة، أو أن تحاول التخفيف من غلوائهم؛ فبمجرّد أن يرتبط اليسار بالسلطة تصبح علاقته مع الواقع واهية، ويفقد تلقائياً صلته بالحقائق الملموسة. وهو وإن كان مصيباً في توصيفه لانتصارات السلطة العسكرية، إلا أنّه يغدو عبئاً على التفكير النقدي الذي يحاول تشريح هذه «الانتصارات» وأخذ مسافة منها. قبل سنة ونصف سنة تقريباً، كتبت في هذه الصفحة مقالاً يتعرّض بالذمّ لهذا النّسق من اليسار، ويفكّك ممانعته الصورية. لكن إلى جانب هذا التعرّض، تطرّقت أيضاً إلى اليسار الآخر الممتلئ بذاته والمعتقد بأنّ كل ما هو خارجه عميل للسلطة و«النظام الأسدي» (بالمناسبة، هذا التوصيف كان سيكون ممتازاً لو لم يجر نحته من على منابر آل سعود، فبمجرّد خروجه من هناك يصبح ذمّاً لكلّ من استعمله). هؤلاء أيضاً لم يعودوا على صلة بالواقع هنا، وفقدوا معظم الرصيد الذي أمكن تحصيله في حقبة الاحتجاجات السلمية، وإذا كانوا يعوّلون على نقدهم للنظام وإيران وحزب الله، على اعتبار أنّ التدخل الإيراني الإجرامي أصبح أوضح من ذي قبل، فما عليهم إلا الإنصات جيّداً إلى حركة الواقع. هذا الأخير بات يتحرّك بسرعة مذهلة، إلى درجة غدونا فيها عاجزين عن اللحاق به، وكلّما تحوّل أكثر ازدادت قدرته على الفرز، وبالتالي تحجيم الأطراف التي تتصدّى لتحليله، وخصوصاً المحسوبة منها على اليسار. صحيح أنّ تدخّل حزب الله إلى جانب النظام قد أسبغ شرعية إضافية على سردية اليسار الموهوم (يجب عدم التوقّف لحظة عن انتقاد حزب الله داخل سوريا)، إلا أنّ التحوّل الأهمّ برأيي، الذي كان يجدر بهؤلاء التقاطه جيّداً هو قابلية المعارضة المسلّحة للتحوّل إلى سلطة، وبالتالي وراثة النظام حرفيّاً في الأماكن التي أزيلت عنها سلطته. وللتذكير فقط، فقد حدث ذلك قبل ظهور التنظيمات الوهابية المسلّحة بسنة على الأقلّ، الأمر الذي يضع تعليق اليسار ذاك جرائم المعارضة على مشجب ما يسمّى «داعش» موضع الشكّ. قدّرت وقتها مع أوّل ظهور مسلّح للمعارضة أنّها ستفقد «شعبيتها» خارج بيئاتها المباشرة سريعاً، فهي لم تكتف في أماكن كثيرة بإخراج النظام وتفكيك سلطته الأمنية فحسب (يا ليتها فعلت، أقلّه كي تخرسنا جميعاً)، بل بدأت أيضاً تواجه المجتمع وتطالب أجزاءه غير الموالية لها بالامتثال لسلطتها.
كلّ ذلك كان يحدث داخل الواقع وعلى مرأى ومسمع الرفاق في اليسار الامتثالي، ومع ذلك فضّل هؤلاء السكوت والتعامل مع التحوّلات التي اعتادوا التعامل معها، فهي ليست مكلفة بالنسبة إليهم، وبالتالي تجاهلها أفضل من التطرّق إليها والإشارة بالاسم إلى ممارسات قد تكلّفهم غالياً، وتضعهم خارج جنّة الثورة العظيمة. من هذه الممارسات، كما سبق وذكرت، وسأبقى أكرّر، التعرّض المستمرّ للموالين والمتردّدين الفقراء بالخطف والقتل والنّهب، وترك الأغنياء منهم بمجرّد تلويحهم بالفدية. ثمّة تطوّرات كثيرة أتت بها الحرب بعد ذلك، لكنها لم تترك الأثر ذاته على الفقراء الذين فوجئوا «بالثورة» وبممارساتها. فحين تعرّضت «البيئة نفسها» - الموالية وليس الفقيرة - للخطف والنّهب لاحقاً على أيدي مافيات النظام، لم تشعر بالغدر كما يفترض بها أن تفعل، والسبب في ذلك أنّ النهب هنا كان «ذا ملامح طبقية» فعلاً. مافيات النظام المتكوّنة بمعظمها من فقراء أتخمت بما نهبته هناك من أموال الأغنياء والميسورين، وهذه ديناميّة جديدة بعض الشيء ومنفصلة عن آليّة التوزيع التي تقوم بها الحرب، وتفرض بموجبها على فقراء المعارضة النزوح من بيئاتهم باتجاه البيئات الموالية التي توجد فيها أسواق لتصريف المنتجات وتدوير الأموال. باختصار، النظام الفاشي راعى بيئته قليلاً ولم ينهب إلّا من أغنيائها، وفضّل أن يستمرّ بتهجير فقراء المعارضة وحدهم، وهذا ما هون عليه القتال الميداني على اعتبار أنّ قاعدة ميليشياته الرديفة أصبحت كلّها من الفقراء الذين أفقدهم التضخّم وارتفاع الأسعار «مدّخراتهم» القليلة. ولذلك بالتحديد يقاتل هؤلاء بضراوة الآن، ليس دفعاً للفاقة و«العوز» فحسب، بل للانتقام كذلك ممّن أفسدته آلية توزيع الأموال داخل «الثورة» وجعلت منه وهو الفقير المعدم عدوّاً وخصماً لنظيره في الفقر والحرمان. تجاهل اليسار المحسوب على «الثورة» لهذه الحساسيّة بالذات أضعف من موقفه الطبقي تجاه السلطة، ووضعه في مواجهة حقيقية مع فقراء الموالاة؛ فهو بهذه الوضعية لم يعد قادراً على «استعمال يساريته» واتهام السلطة وحدها بأنّها أداة بيد الأغنياء وأصحاب الرساميل. الأرجح كذلك أنّه عبر تخلّيه عن دوره الطبيعي إلى جانب الفقراء، كلّ الفقراء، ترك المجال لآخرين كي يؤدّوا الدور الذي يفترض به نصيراً «للثورة» ومنظّراً لها أن يقوم به. كلّ الرفاق داخل اليسار المحسوب على «الثورة» فعلوا ذلك ولا أستثني منهم أحداً: سلامة كيلة، ياسين الحاج صالح... إلخ. بهذا المعنى لا يحقّ لهم أن ينتقدوا ناهض حتّر؛ فهم مثله، يصطفّون حيث يسهل الاصطفاف، وحيث يتعذّر التمييز بين اليسار وعكسه. ماذا أقول أكثر من ذلك: «تبّاً» ليسار كهذا وليساريين كهؤلاء، وبالفعل هذه المرّة... لا عزاء للفقراء، كلّ الفقراء.
* كاتب سوري