استعرنا هذا العنوان ممّا يشبهه لدى المؤرخ الكبير المرحوم كمال الصليبي الذي كان استوحاه، بدوره، من إنجيل يوحنا. ووجه الشبه، وحتى التطابق، ليس فقط في الشكل بل في المضمون أساساً. فالصليبي كان قد كرّس كتابه لتبيان أسباب الانقسام بين اللبنانيين، ولمحاولة إيجاد أو اشتقاق معادلة مفتقدة لبناء «دولة موحدة ومجتمع سياسي». وهي معادلة يجب أن تمر، حسب الصليبي، بالاتفاق على «نظرة مشتركة لماضيهم».

توهم تحالف 14 آذار، وخصوصاً بعد اغتيال رئيس الحكومة الاسبق رفيق الحريري، أن اللبنانيين «قد توحّدوا»، وأن وحدتهم تتجسّد في هذا التحالف (ويذهب البعض الى أنها تتجسد، بشكل أكثر تحديداً، في «الأمانة العامة» لقوى 14 آذار). هم رأوا، ولا يزال بعضهم يرى، أنهم بذلك قد عالجوا مشكلة تاريخية مزمنة. فاتهم أن ثمن الوحدة هو إحداث تحول كبير في علاقاتهم الداخلية والخارجية. وفاتهم، قبل، أن يفكروا في مجرد إلقاء نظرة على تاريخهم كما يطالب بحق كمال الصليبي، أي لقد فاتهم، أساساً، أن ينظروا في سبب الانقسام القائم والمتجدد والمكرّس في نظام المحاصصة الطائفي _ المذهبي، وفي علاقة التبعية والارتهان القائمة مع الخارج حفاظاً على هذا النظام، عموماً، ولتكريس أو تعديل توازناته فحسب.

رغم اختلاف السياسات والعلاقات والتحالفات، ورغم تمحور هذا الاختلاف حول مسائل مهمة، لم يقدم تحالف الثامن من آذار، هو الآخر، شيئاً مختلفاً، لا في مرحلة الإدارة السورية ولا في المرحلة اللاحقة. وإذ تمر الآن الذكرى السابعة والثلاثون لاغتيال القائد الكبير كمال جنبلاط، فإنه ينبغي التذكير بأن «الحركة الوطنية اللبنانية» هي وحدها التي قدمت مشروعاً للإصلاح السياسي. وهو مشروع انتظمت تحت راية الكفاح من أجله قوى وأحزاب وشخصيات وجمعيات سياسية ومدنية وفكرية ونقابية. وهي كانت مرشحة لأن تصبح أكثرية فعلية في صفوف الشعب اللبناني، لولا اندلاع العنف وتعقُّد الوضع اللبناني والإقليمي، ولولا عدد من الأخطاء التي تراكمت تباعاً، ليسقط هذا المشروع الوطني بضربات متلاحقة كالها له أعداؤه وبعض أصدقائه وأعضائه على حدّ سواء!
لم يكن من قبيل «التبصير» (وهو رائج اليوم كأحد المؤشرات على تفاقم العجز وتراجع الوعي السياسي وتدني مستوى ممارسة السياسة والشأن العام وتقدم البيزنس) توقّع، أو حتى الجزم بأن ثمة مشكلة في كل محطة، وبعد كل محطة سياسية يمر بها لبنان: في الحكومة السابقة وفي التكليف (رغم شبه الإجماع)، وفي التأليف، ومن ثم في البيان الوزاري... إلى استحقاق الانتخابات الرئاسية، وقبل ذلك وبعده، أواخر السنة المقبلة، في استحقاق الانتخابات النيابية بعد أن مدّد المجلس النيابي لنفسه، من دون وجه حق، ومن دون سبب مشروع، ومن دون احترام الدستور...
ليس فقط أن اللجنة الوزارية قد تأخرت في الاتفاق على بيان وزاري، وهو ما يرمز عادة الى توافر الحد الأدنى من التفاهمات، ولو الشكلية، بين أطراف الوزارة الجديدة، بل إنّ الوزراء تعجلوا، وخصوصاً وزراء 14 آذار، في إدارة وزاراتهم، بطريقة فردية وفئوية. كلّ يغنّي على ليلاه! هذا من دون أن تتمكن الحكومة الجديدة مجتمعة من إقرار بيانها الوزاري بعد، ومن دون أن يتضح حتى ما إذا كانت ستستمر أو ستسقط بحكم العجز عن الاتفاق على بعض الكلمات التي لن تجد طريقها إلى التطبيق.
ثم إن اقتراب معركة الرئاسة قد أطاح أيضاً بعض المواقف «الوسطية»، إن لم يكن معظمها! آخر الضحايا «وسطية» الرئيس ميشال سليمان الذي أصبح طرفاً في الصراع، بعد أن حاول طيلة ولايته المشارفة على الانتهاء أن يؤسّس مدرسة قائمة بذاتها في التزام خط الوسط. كذلك فقد غادر الحكم وسطيّ موهوب (!) هو الرئيس نجيب ميقاتي. وكان رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط قد اختار وسطية «إيجابية» تقوم على محاولة تقريب المواقف، والاعتراض على الحاد منها، وخصوصاً ذلك الذي من شأنه أن يدفع بالبلاد الى مزيد من التدهور وصولاً الى الاقتتال الشامل. يجب ألا نهمل مشروعاً وسطياً جديداً يبرز هذه الايام. إنه مشروع زعيم «التيار الوطني الحر» العماد ميشال عون. لكنه مشروع مؤقت ومرتبط بسعي عون الى تحسين فرص نجاحه في الوصول الى قصر بعبدا. ودون ذلك تنازلات وعقبات لن تكون بسيطة ولا قليلة بالتأكيد. الانقسام مستمر، وهو يزداد يوماً بعد يوم، فيما يستمر غياب أي خطة أو جهد لاحتوائه أو لاجتثاثه من أساسه. ولا تفعل الأزمة السورية، خصوصاً، سوى مفاقمته كمّاً ونوعاً، نتيجة تداخل الوضعين السوري واللبناني، ونتيجة فشل محاولات تسوية هذه الأزمة في المدى القريب. الى ذلك، ثمة قوى إقليمية ودولية تستخدم الانقسام، وخصوصاً المذهبي والطائفي منه، أداة لخلق وقائع جيوسياسية جديدة في المنطقة.
لبنان حلقة ضعيفة وهشّة. ومهما جاءتنا «التطمينات الدولية» من مؤتمر باريس الأخير أو من سواه، فإن المشاكل السياسية والامنية والاجتماعية تزداد باطّراد، وهي مرشحة للتصاعد حتى أواخر هذا العام (مشكلة اللاجئين السوريين والفلسطينيين، مثلاً، إلى حوالى مليونين) بما لا يتحمله الوضع اللبناني المشرذم والمنقسم على الاطلاق.
في مجرى كل ذلك تضيع إنجازات أو تكاد. إن مسألة مقدسة كمسألة المقاومة ضد العدو الصهيوني المتربص أصبحت هي الأخرى مادة انقسام علني قد يغري العدو، على الأرجح، بتجديد استهدافه للمقاومة وللبنان. إنجازات النصر والتحرير وقيم الانفتاح والديموقراطية، تضيع وسط ركام الابتذال والتطرف والتكفير والمصالح الفئوية والارتهانات الخارجية.
لبنان «الرسالة» و«العيش المشترك» و«الصيغة الفريدة» لم يعد موجوداً إلا في التمنيات والقصائد والاوهام.
لا بد من عمل إنقاذي. لا بد من صحوة وطنية. لا بد من مبادرة تضع حداً لهذا التفريط والفئوية المتماديين.
لبنان يستطيع أن يكون مختبراً للتغلب على التشرذم الذي يتهدد كيانه وكل الكيانات العربية، كما كان رائداً في المقاومة والتحرير والانتصار والانفتاح والتعلق بالحرية.
* كاتب وسياسي لبناني