ينص الدستور اللبناني في البند (ح) من مقدمته على ما يلي: «إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية». ومن توصيات مؤتمر الطائف تشكيل «مجلس شيوخ» إضافة إلى البرلمان.

ولكن:
- الدستور اللبناني لم يوصّف هذه الثنائية التمثيلية التي هي من أهدافه وبنوده. ولا توصيات الطائف فصّلتها. أما الحكومات المتعاقبة فقد أهملت ما ورد في الدستور، كما في التوصيات، واكتفت بالمحاصصة وتقاسم مسؤوليات الحكم والسلطة كما في السابق. وأدت حصرية الاقتسام إلى فساد لم يشهد لبنان شيئاً بشراسته من قبل، ما أفضى إلى العصيان المدني الذي نشهد والذي لا يختلف عاقلان على مدى خطورته إذا ما استمر على هذا المنوال.
هناك الآن ضرورة ملحة لتوصيف ثنائية التمثيل والتأسيس لها، وفي طليعة ذلك التنسيق بين البرلمان المدني ومجلس الشيوخ و بلورة أدوار كل من المجلسين.
هذا المقترح يقدم تصوراً أولياً يحتاج تطويره إلى تشكيل هيئة تضم خبراء في الاختصاصات القانونية والسياسية والاقتصادية التنموية والادارية والتخطيط وَممثلين عن جميع الأطراف والشخصيات التي ترى نفسها معنية بالاصلاح. وقد تُسمى «هيئة لبنان الجديد».
على أن تتولى الهيئة تطوير المقترح ليكون صالحاً كقاعدة ملائمة للاصلاح، بهدف تحويله إلى مشروع للانتخابات المقبلة في العام 2022، تقيدا بما ورد في الدستور. كما تعمل الهيئة على رسم المراحل اللازمة للانتقال من نمط تمثيلي طائفي إلى النمط الثنائي المذكور.
وفي سياق تأمين مستقبل أفضل للبنان، لا بد من تشكيل «هيئة الاصلاح السياسي» - تسمية قابلة للتغيير - تُشكل من خبراء في الاختصاصات كافة، قانونية واقتصادية وتنموية وادارية وتخطيطية وغير ذلك. تتولى الهيئة تطوير هذا المقترح وإثرائه وبلورة تفاصيله وإضافة التعديلات عليه، ليكون صالحاً كقاعدة ملائمة للاصلاح السياسي الاقتصادي الاجتماعي اللازمة لخلاص لبنان. وتكون ورقة نقاش مع الأطراف السياسية والأحزاب والمؤسسات والهيئات والشخصيات كافة، وكل من يُعنى بمستقبل أفضل للوطن.
ويقوم هذا المقترح على مبدأ أساسي، هو خصوصية لبنان وضرورة قيام البرلمان المدني.
لقد ورث لبنان نظاماً طائفياً مبنياً على محاصصة طائفية. نظام أثبت فشلاً ذريعاً على مر العهود. خصوصاً أن غالبية ممثلي الطوائف في البرلمان والوزارات، استغلوا خوف طوائفهم من الطوائف الأخرى، فصادروا مواقفهم واستغلوا احتياجاتهم، وركبوا على أكتافهم، وتقاسموا لا السلطة فحسب، بل قسط كبير من موارد لبنان. وكلما اختلفوا سياسياً عطلوا البلد وزارياً وبرلمانياً ومعيشياً.
ومن البديهي أن فكرة المواطنة التي بات مطلباً حيويّاً ملحّاً أن يعاد لها الاعتبار، تقطع نهائيّاً مع الانتماء الطائفي، إذ لا يجوز حصر التمثيل السياسي بهذا الانتماء الضيق الذي يجتزئ هوية المواطن وشخصيته ويعزز مكانة ممثليه السياسيين على حسابه وحساب مصلحة الوطن. آن لنا أن نعترف للمواطن اللبناني بأدوار ومهام وصفات تتجاوز الاطار الضيّق للانتماء الضيّق، ولحكم العصبيّات.
كما آن الأوان للتفكير ببرلمان مدني يمثل المواطنين بهويتهم الكاملة لا المجتزأة طائفياً. برلمان يمثل المواطن كإنسان وكفرد منتج وصاحب عمل، أو طالب علم وعمل. مواطن له حق التمتع بالمناخ الطبيعي النظيف، والغذاء الضروري، والصحة، والعلاج، والتعليم، والعمل، وتنظيم البلاد، وتحفيز الانتاج والاستفادة من الموارد خارج الصفقات المشبوهة وغير ذلك.
وهذا البرلمان المدني يبادر، حسب الدستور، إلى وضع التشريعات والقوانين اللازمة لإلغاء الطائفية السياسية وتحقيق الإصلاحات اللازمة لنهضة لبنان.
هناك فرق بين تعدد الطوائف وبين الطائفية. الطوائف في لبنان هي من مكوّنات الوطن وثرائه الديني والثقافي وغير ذلك. فالطوائف المختلفة، عبر تاريخ لبنان، تقوم بأدوار جليلة حيث أرست مؤسسات موازية لمؤسسات الدولة. مؤسسات تعليم واستشفاء وتثقيف وتنمية خرّجت مئات الآلاف من المتعلمين والمتخصصين. وفي مؤسساتها يعمل آلاف المواطنين وتعتاش من عملهم آلاف الأسر. إذاً من الطبيعي أن تستمر الطوائف في أدوارها الإبجابية في التنمية، على أن يتم التنسيق بين البرلمان المدني ومجلس الشيوخ على أسس قويمة متينة تحفظ حق الأطراف ومصلحة المواطنين والوطن خارج الطائفية السياسية.
البرلمان المدني يُنتخب من اللبنانيين:
- يمثل المواطنين بصفتهم المدنية لا الطائفية على سبيل المثال.
- نحن من الجنسين، ربات بيوت، عمال وعاملات حرفيون أو سائقون باحثون عن عمل يحق لنا أن يمثلنا في البرلمان أحد منا أيا كانت طائفته.
- أنا مدرس/مدرسة/أستاذ جامعي/أستاذة/محامي/محامية طبيب/طبيبة مهندس/مهندسة كتاب فنانون الخ... يحق لنا أن يمثلنا في البرلمان المدني زملاء لنا بغض النظر عن الطائفة التي ينتمون إليها.
- نحن أصحاب مؤسسات ريعية مالية مصارف صناعيون زراعيون تجار مؤسسات نشر أصحاب مؤسسات تربوية أو غير ذلك... يحق لنا أن يمثلنا في البرلمان المدني زملاء لنا بغض النظر عن الطائفة التي ينتمون إليها.
- نحن جمعيات أهلية وحقوقية وخيرية وتنموية وطوعية وبحثية يحق لنا أن نتمثل في البرلمان المدني بصفتنا هذه.
- البرلمان المدني مسؤول عن كل ما يتعلق بحياة المواطن واحتياجاته التي لا صلة لها بطائفته على سبيل المثال لا الحصر: التنمية، الانتاج والاقتصاد، المال والمصارف، القضاء، الصحة، التعليم، الكهرباء، الماء، التنظيم المدني والعمراني، تنظيم الضرائب، الإعلام، المواصلات والاتصالات، وغير ذلك...
- يشكِّل البرلمان المدني الوزارات المعنية حسب الكفاءات ومصلحة الوطن لتكون المرجعية القويمة لا المحاصصات الطائفية.
كما أن خصوصية لبنان، تأخذنا إلى ضرورة تأسيس مجلس الشيوخ. ومجلس شيوخ يُنتخب من المواطنين.
- يتألف من ممثلين عن الطوائف ومؤسساتهم الدينية وغير الدينية وأوقافهم وأنشطتهم التي من شأنها الحفاظ على المقدسات وتعزيز التنمية والانتاج ومحاربة الطائفية وتعزيز التعاون بين سائر الطوائف والسعي إلى تحقيق الاندماج الاجتماعي الذي يليق بلبنان القرن الحادي والعشرين.
- بالتنسيق مع البرلمان المدني يكون مجلس الشيوخ مسؤولا بصورة أساسية عن القضايا العليا والمصيرية أهمها على سبيل المثال: سيادة لبنان والدفاع عن أرضه وحدوده وموارده ورسم السياسات العليا المتعلقة بـالمصالح الكبرى السياسية والاتفاقيات الدولية والتمثيل الديبلوماسي لدى الدول وتطوير المؤسسات العسكرية وسن التشريعات والقوانين المتعلقة بهذه القضايا و غير ذلك.
- تولي وزارات الخارجية والداخلية والدفاع أو غير ذلك.
* روائية وخبيرة برامج التنمية المجتمعية، وباحثة في مناهج التعليم وعلم الاجتماع