«أكثر من أي شيء، يخاف الغربيون عموماً، والفرنسيون خصوصاً، من الموت. لم يعد بإمكانهم تخيّل أن فكرة ما تستحق أن يُخاطر الفرد من أجلها. الـ»لا موت» هو رغبتهم الأهم. حسنا، هم يرون الملايين من الناس حول العالم ممن ليس لديهم سبب يجعلهم يخافون من الموت، يموت العديد منهم من أجل فكرة، كل يوم. بالنسبة إلى «المتحضّر» فإن ذلك مصدر رعب» ــــ آلان باديو

هناك سردية معينة أريد لها أن تنتصر تقول إن القوى القادرة على تحريك المجتمع في الشرق الأوسط هي القوى الدينية فقط. بداية بالوقوف ضد مشاريع اليسار، وتفضيل مشاريع الإسلام السياسي، كما حدث مع جمال عبد الناصر، ونهاية بالترويج للصراعات المسلحة في المنطقة على أنها يمكن أن تفهم فقط في أطر دينية أصولية: الجهاديون في سوريا، بوكو حرام في نيجيريا، جيش الرب في أوغندا، تنظيم القاعدة في أفغانستان...
نتيجة لهذه المسألة كانت «ذاتية» علمانية مريضة. الإسلاميون في السودان صعدوا على السردية القائلة إنهم هم وحدهم من بإمكانهم الإقدام على الحرب، وبذلك تحوّلوا الى المدافع الوحيد عن الوطن، عن مصالح الشمال تحديداً، ضد حرب أهلية يدعم فيها الغرب الجنوبيون. تكوّنت مجموعات مسلّحة شبه تابعة للدولة، انتظم فيها الشباب الإسلامي، وقتل منهم الكثير في الجنوب. وكانت قصص اعتمادهم العنف الطلابي لقهر المعارضين تقوم على فرضية أنهم وحدهم من بإمكانه مواجهة تبعات العنف.
لم يكن من باب الصدفة أن المعارضة السورية المسلّحة ضد الرئيس السوري بشار الأسد لم تكن في أغلبها علمانية. هنالك التحالفات الإقليمية وتوجهات الداعمين بالتأكيد. لكن هنالك أيضاً مشكلة سردية، نمط تفكير، واقتناعات. ما إن تحولت سوريا لمنطقة حرب شاملة، حتى وجدت التأسيسات الليبرالية للفرد نفسها عاجزة عن المواصلة. البشر أنفسهم، السوريون، الذين نعرف عنهم أنهم من أكثر شعوب المنطقة انفتاحاً وحداثة، تحولوا لأيديولوجيا أخرى مناسبة أكثر للحرب العبثية. فجأة أصبحت الصورة الوحيدة للمواطن السوري كما تنتشر في الفيديوات هي صورة «المجاهد». تقول الفرضية البسيطة إننا نحن العلمانيين، الذين ربما لا نعمل في أيام حياتنا من أجل الآخرة، بعضنا في شك والآخر غير عابئ بمسائل ما بعد الموت، نحن لا يمكننا أن نواجه الموت وأن من ينتظرون، بثبات التبسيط العقائدي، الذهاب إلى الجنة، هم أكثر استعداداً. لكن ما لا تفسره هذه النظرية، هو لماذا سيفضّل شخص ما المخاطرة بحياته في قوارب الموت في الطريق إلى أوروبا على المخاطرة في خوض الحرب؟
لقد جرّدت القوى القاعدية الكادحة في المنطقة الإسلامية من العقيدة الحديثة التي تجعلها مؤهلة للفعل في مجريات التاريخ. عقائد «الخلاص» المتّسمة برغبة في الحرية والتقدم العدالة والعالم المغاير، «حب الوطن» بصفته حب للمكان الذي ينتمي الواحد منا إليه وبإمكانه أن يصنع فيه شيئاً جديداً، «الحياة»، الدفاع عن الحق ورفض الظلم... كل هذه هي رغبات في صلب تكوّن الفرد الحر. وهي رغبات يضحّي المرء من أجلها، حتى وإن لم يكن لذلك مقابل. تلك الرغبة التي تؤهل الواحد منا «للتضحية الشاملة»، تضحية بالحياة حتى وإن لم تكن هنالك حياة أخرى. وبالمناسبة، من المنظور الديني ذلك فقط هو مسار الشهادة الحقة.
نحن في السودان بدأنا المسألة مبكراً. وربما على القوى اليسارية في المنطقة أن تبعث الروح في داخلها عبر دراسة «النموذج السوداني»: بعد ثورتين فاشلتين، وصلنا لحتمية معينة، حكمت القوى الإسلامية الأصيلة بقوتها الاجتماعية والرمزية، ولفترة ثلاثين عاماً. بدأ الأمر بمشروع غير ديمقراطي ولكن طموح. حسن الترابي كان متأثراً جداً بالنموذج الإيراني. لكن، التفاصيل لم تجر في صالح الحركة الإسلامية، مع أخطاء استراتيجية، مثل اعتماد السوق الحر بصورة سافرة، إضافة إلى الحرب الأهلية، وصراعات داخلية بين المكوّن المدني والعسكري في النظام، أدت إلى إبعاد الترابي عن المشهد، ثم تحول المشروع من مشروع شمولي صاحب رؤية إلى مشروع شمولي بلا رؤية. العشرون سنة التالية كانت كارثية أكثر من العشر سنوات الأوائل، رغم أنه بمعايير القمع والعنف كانت أفضل.
ما حدث تالياً هو أن نضجاً ذاتياً بدأ يتشكل: كانت الحركات الاجتماعية اليسارية والعلمانية عموماً تناضل بشكل يومي لخلق خطاب ما. مجموعات مثل «جماعة عمل الثقافية» كانت تنظم تجمّعات لبيع الكتب بأسعار رخيصة، لتتحول بصورة تلقائية إلى تجمهرات ثقافية يتقابل فيها العلمانيون. ثم مع تكرر الاحتجاجات ضد النظام الإسلامي، بدأت عقيدة كره النظام تتكون لدى الناس، مفادها أن الحياة في ظل هذا النظام أسوأ من الموت. والكلمات المفتاحية المحرمة «العلمانية»، «حرية المرأة»، «العدالة الاجتماعية» بدأت تحطم في وعي الناس منغلق استراتيجيات الإسلاميين في خطابهم مثل كلمة «الشريعة». كل شيء كان يشير الى أن النظام يرغب في إذلال الناس، فهذه الأنظمة لا تمتلك ميزة القدرة على الوقوف في المنتصف، هي إما تذل الأمة للنهاية أو تسقط. الواقع أنه، منذ التسعينيات، مروراً بأحداث أيلول/ سبتمبر ٢٠١٣، وصولاً إلى كانون الاول /ديسمبر ٢٠١٨، كانت فترة قرع طبول حرب متواصل.
خلال أيام اعتصام السودانيين أمام القيادة العامة للجيش، وصلت مدرعات الأمن متسلحة بأسلحة حرب فعلية، وكانت وحدات من الجيش تعارض التعليمات وتقاومها. كان الناس ينبطحون على الأرض ويأملون أن لا تصيبهم رصاصة طائشة ثم يبقون على هذا الحال إلى الليلة التي تليها. أغلب هؤلاء المعتصمين كان يفكّر في أنه في حرب من أجل كرامته، وليس في حرب من أجل «الجنّة». أعداد القتلى بالمئات، خرج الشاب السوداني للتظاهر مستعداً للموت ولأصناف التعذيب الوحشية الأخرى. ثم في منتصف الانتصار فُرضت هويات أخرى، لم يعد السوداني العلماني يخجل من نفسه، إذ هو، باستعداده للموت من أجل الوطن، انتزع لنفسه الحق في الوجود الحرّ. بالتأكيد كان الشباب الإسلامي موجوداً في كل حلقات النضال، لكنهم هذه المرة لم يوجّهوا البوصلة. وربما شملهم التغيير في الخطاب أكثر من غيرهم.
لن يكون بالإمكان بناء أحزاب شيوعية أو اشتراكية تستحق قيمة اسمها من دون عقيدة تستثمر في قدرة الناس العلمانيين على مواجهة الموت. من دون ذلك ستخاض المعارك المصيرية باسم الدين وتجنّد مجتمعات بأكملها لتحارب ضد نفسها. هذا ليس تبريراً للموت. فالموت لا تبرير له، لكن البعض يفضّل الموت على حياة المهانة.
قبل إعدامه عام 1971، طلب الشهيد عبد الخالق محجوب سيجارة ثم قدّم مرافعة هادئة ضد جلّاديه. وشُنق. قبله حاول أحد قادة انقلاب هاشم العطا التصحيحي قتل الرئيس نميري عبر الانقضاض على رشاش لاح أمامه، ولكن الرشاش كان مؤمناً وتمّ قتل الضابط الشيوعي أحمد جبارة فوراً. ما يبدو أنه قد حدث في السودان هو أن فترة «الثبات الإسلامي» قد ولّت، بكل مآسيها، ونحن أمام حالة يتأهب فيها الفرد السوداني للحديث عن تحوّل، على نمط قيادتنا الشيوعية الأولى، إلى ذات مستعدة للتضحية من أجل حريتها، وبلا ضمانات.
* كاتب سوداني