فتحت مأساة - جريمة إسراء غريب الجدل واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام. وهذا يفتح المجال الضروري لمناقشة مواضيع النسويّة خصوصاً أن دول الغرب (الناشطة كثيراً إعلاميّاً، من خلال صفحات مُعلنة ومستترة ومن خلال مواقع إخباريّة عربيّة متنوّعة لا يجمع بينها إلا العداء للمقاومة ونسيان فلسطين والترويج لمواضيع الجنس والإثارة) مهتمّة في فرض نسق واحد من النسويّة في بلادنا. ومن خلال مشاركة بسيطة في النقاش اكتشفتُ أن مواقع التواصل ليست المكان المناسب للدخول في الحديث عن بعض المواضيع مثل مسائل النظام البطريركي والجرائم التي تقع المرأة ضحيّتها لأنها امرأة. والذي تابع الجدال على مواقع التواصل حول موضوع الضحيّة إسراء لا بدّ أنه لاحظَ (أو لاحظت) أن هناك إجماعاً سادَ في صف نسويّات الحملة من أجل إسراء على مواقع التواصل. وقد انبرت الحملة للردّ على أي طرح نسوي مُعارض للطرح السائد من قِبل الحملة وردّته إلى الذكوريّة - لو كان القائل رجلاً - وإلى معاداة المرأة لو كانت القائلة امرأة. والجدال في مواضيع المرأة محفوف، تواصليّاً، بأساليب مناظرة متدنيّة لأن الأخذ والردّ بجملة تويتريّة يسهل تحويله إلى عكس مراده. ولهذا أردتُ خوض النقاش فيه هنا باستفاضة.

نعلم بناء على ما وردَ وما تسرّبَ أن إسراء كانت ضحيّة مرّتيْن: مرّة لتعذيب نفسيّ وجسديّ في عائلتها في حياتها ومرّة أخرى عندما قُتلت. ووُصفت الجريمة بأنها «جريمة شرف». وعندما حاولتُ أن أضع الجريمة في سياق الجرائم ضدّ المرأة على نطاق عالمي تعرضتُ لاتّهامات بالذكوريّة من قبل نسويّات، وحتى من قبل بعض الذكوريّين الذين ركبوا الموجة في حينه. وتنافسَ الجميع في إثبات النسويّة من خلال الإصرار على وحدانيّة النظرة النسويّة إلى الجريمة وأن معارضة وصفها بـ«جريمة الشرف» يقلّل من فداحة الجرم، أو أنه يخفّف من جرميّة القاتل، أو أنه يسوّغ للجريمة. هنا فُتحت الساحة للمزايدة، ودخلت على الخط كاتبة لبنانيّة أفنت سنوات العمر في خدمة إعلام النظام السعودي وإعلام عائلة الحريري كي تبرز في معارضة نهج النسويّة الراديكاليّة بمظهر النسويّة (نسويّة آل الحريري وآل سعود، على ما أظن).
والجدال في الموضوع أظهر جهلاً عميقاً في المدارس الفكريّة النسويّة وجهلاً عميقاً بشؤون الغرب. وعندما حاولتُ أن أقول إنه من الضروري محاربة الجرائم ضد المرأة من خلال فهم الظاهرة على أنها جريمة تتعرّض لها المرأة حول العالم، قوبلتُ بالإصرار على أن هذه الظاهرة، أي «جرائم الشرف»، محصورة بالعالم العربي وأن لا شبيهَ لها في دول الغرب لأن هناك «قوانين» كما قيل لي مراراً وتكراراً. وقيل لي إن القانون صارم في الغرب، خلافاً للعالم العربي فيما يكثر الحديث هنا في أميركا عن قصور القوانين في حماية المرأة من العنف ومن القتل.
لكن ما هي «جرائم الشرف» وهل صحيح أنها محصورة بالعالم العربي فقط؟ الرأي الذي يسود بين النسويّات الليبراليّات المتأثّرات بالمنهج الغربي في التعاطي مع قضايا المرأة في العالم العربي يشدّد على حصريّة مشاكل المرأة العربيّة ونسبها كلّها إلى الثقافة العربيّة وإلى الدين الإسلامي. وعندما يذكّرُ أحدهم بنِسب الجرائم الفظيعة ضدّ المرأة في الغرب، يُقابل بالاعتراض لأن التذكير — عند البعض — ليس إلا تسويغاً لـ«جرائم الشرف» في العالم العربي. حتى أن البعض كرّر مقولة أن مفهوم الشرف محصور بالثقافة العربيّة وعقليّة القبيلة والعشيرة. لكن جذور «جرائم الشرف» (عند الخبراء لا عند المتطفّلين على الموضوع عبر قراءات لا تتعدّى الاطلاع على تغريدات مواقع منظمّات حقوق الإنسان الغربيّة الموغلة بالعنصريّة ضد العرب والانحياز ضد الصهيونيّة) تمتد في المكان والزمان. وقد درست الإنثربولوجيّة جرمين تيليون الظاهرة في كتابها «جمهوريّة أولاد العم: قمع النساء في المتوسّط». والظاهرة تعود إلى ما قبل الإسلام وإلى العهد الروماني، حيث أفتى السياسي ماركوس كاتو - صاحب كنية «كاتو الحكيم»: «لو عثرتَ على زوجتك في حالة زنا، تستطيع أن تقتلها محصّناً ضد العقاب. لكنها هي لا تستطيع أن تمدّ أصبعها نحوك لو زنيتَ لأن القانون يقول ذلك». ورأس العائلة (الرجل) في روما القديمة كان يملك حقَّ قتل الامرأة غير المتزوّجة إذا مارست الجنس أو المرأة المتزوّجة لو زنت. وقيم قدرة الرجل على قتل زوجته لو زنت موجودة في شريعة حامورابي، كما هي موجودة حول الجنس قبل الزواج والزنا (بالنسبة إلى المرأة حصراً) في الثقافة الأميركيّة القديمة. وقد نشبت حرب طروادة بسبب شرف «هيلينا». وفي المكسيك بين ١٥٠ قبل الميلاد و١٥٢١ بعد الميلاد كانت عقوبة الأزتك تقول بقتل «الزانية» إما خنقاً أو رجماً، وكان ذلك يؤدّي في الغالب إلى «تحطيم رأس الزانية» (راجع مقالة ماثيو غولدستين، «الجذور البيولوجيّة لجرائم الشرف وحميّة العاطفة»، «السياسة والعلوم الحياتية»، جزء ٢١، رقم ٢، أيلول ٢٠٠٢). وينسى البعض أن العهد القديم («اللاويين» و«سفر التثنية») يحرّم الجنس قبل الزواج والزنا ويقول بعقوبة القتل لهما. وهناك عقوبات مشابهة في «العهد الجديد». ويميّز «سفر التثنية» بين المرأة التي تتعرّض للاغتصاب في المدينة (وعقوبتها الإعدام لأنه كان بمستطاعها أن تصرخ) وبين المرأة التي تُغتصب في الريف حيث سماع الصراخ يصعبُ (٢٢: ٢٣-٢٤).

هذا الاعتناق للفكر الاستشراقي العنصري يؤدّي إلى ربط كل حالات الأذى للنساء بالإسلام والثقافة العربيّة


وورث عدد من البلدان دفاع «حميّة العاطفة» من بريطانيا، وهو القانون الذي يُبرّئ أو يخفّض عقوبة الرجل الذي يقتل دفاعاً عن شرفه. وفي أميركا سمح عدد من الولايات لعقود طويلة بدفاع الرجل الغائب الذي يعود ويكتشف زوجته في حالة زنا، وأنه تعذّر على الرجل «تبريد أعصابه». أما دفاع «جريمة الشرف» فهو يمنح تسويغاً كاملاً للجريمة وتبرئة للرجل المجرم من المسؤوليّة والعقوبة (ص. ٣٠ من مقالة غولدستين، المذكورة أعلاه). لكن غولدستين عندما يتناول البلدان الإسلاميّة فهو لا يحيد عن نمط التعميم الاستشراقي الجاهل، فيقول إن الإسلام يسمح بقتل الرجل لزوجته في حالة النشوز، ويعتمد في هذا الرأي على مقالة للصحافيّة الأميركيّة ليزا باير في مجلّة «تايم»، وهذه الصحافيّة لا علاقة لها بشؤون الشرق الأوسط). وحالات جرائم الشرف منتشرة حول العالم، حسب تقرير «مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان»، حيث وردت أنباء عن ارتكابها في كلّ من بنغلاديش والبرازيل والإكوادور ومصر وبريطانيا والهند وإسرائيل وإيطاليا والأردن وباكستان والمغرب والسويد وأوغندا وتركيا. وقد قُطع راس زوجة هنري الثامن الخامسة بسبب شكوك حول الزنا. وأُعدِمت ديزديمونا في تمثيليّة «عطيل» لشكسبير بسبب «الخيانة الزوجيّة». وتمثيليّة «روميو وجولييت» تتناول صراعاً قديماً حول شرف العائلة.
وعندما حاولتُ أن أشرح في السجال عن الضحيّة إسراء أن مفهوم الشرف وربطه بالمرأة ليس خاصّاً بالعرب أو الإسلام، اعترضت على كلامي مَن زعمت أن ذلك غير صحيح وأن المفهوم خاصٌّ بنا نحن العرب. وهذا ما يقول هيغل (وهو ليس عربيّاً أو مسلماً) في كتاب «فلسفة الحق» عن الشرف: «بالنسبة إلى العلاقة بين الرجل والمرأة، يجب التنويه إلى أن الفتاة تفقد شرفَها في (عمليّة) الاستسلام الجسدي، وهذا لا يسري على الرجل الذي لديه حقل آخر من العمل الأخلاقي بمعزل عن العائلة» (حاشية فقرة ١٦٤، من قسم «الحياة الأخلاقيّة» في «فلسفة الحق»).
ما حاولتُ أن أفسّرَه لفهم ظاهرة العنف ضد المرأة في بلادنا أن فهمها مستحيل من دون وضع الجرائم الفظيعة في سياق العنف ضد المرأة حول العالم. لو أننا ربطنا الظاهرة — وعن خطأ منهجي ونسوي — فقط بالثقافة العربيّة والدين الإسلامي فإننا نكون قد استسلمنا أمام الظاهرة المُشينة لأن التخلّص من الثقافة العربيّة والدين الإسلامي ليس وارداً. والربط الحصري لظاهرة «جرائم الشرف» بالثقافة والدين في العالم العربي هو أساس عند المنظمّات الغربيّة والمواقع العربيّة المموّلة من الغرب. هناك مفاهيم مشابهة عن الشرف في دول أميركا اللاتينيّة حيث يرتبط مفهوم الـ«ماتشيزمو» بناموس «الشرف». وترى شارون أراجي أن مفهوم «الشرف» و«العيب» ليس بعيداً عن جرائم العنف من قِبل الرجل ضد الزوجة أو الصديقة، مع ملاحظة تطوّر أو تغيّر ظاهر مفهوم الشرف في المجتمعات الغربيّة. تقول أراجي: إن الشرف هو «أيديولوجيّة يعتنقها الذين يسعون إلى السلطة البطريركيّة في حلبة تنافس عبر إملاء والسيطرة على سلوك المرأة» (راجع مقالة أراجي، «جرائم الشرف والعيب: العنف ضد النساء في المجتمعات الغربيّة وغير الغربيّة»، «مجلّة رِد فيذر للكريمينولوجيا ما بعد الحداثيّة»، ٢٠٠٠، عدد ٥).
وترى أراجي (وهي أستاذة علم الاجتماع في جامعة ألاسكا)، أن عامل الشرف والعيب يختلف بين المجتمعات الغربيّة وغير الغربيّة باختلاف معايير النظرة إلى سلوك المرأة وحيادها عن الخط المرسوم لسلوكها. تقول أراجي: «إن الفروقات تكمن في أنه في المجتمعات الغربيّة، الزوج أو الصديق أو الشريك الذكر هو الذي يطبّق جملةً من الأعمال العدائيّة ضد المرأة بما فيها القتل، فيما تقع مسؤوليّة أعمال العقاب في المجتمعات التقليديّة على العائلة البيولوجيّة للمرأة». وترى أن المجتمعات التقليديّة لا تمارس العقاب إذا كان عمل المرأة (المُشين بمعيار المجتمع) بقي في الحيّز الخاص ولم يخرج إلى العلن، فيما تتعرّض النساء في المجتمعات الغربيّة إلى الضرب والاعتداء بسبب تصرّفات وسلوكيّات خاصّة وغير معروفة إلّا عند الرجل الذي يقوم بتطبيق العقوبة.
وقد هالني مدى الجهل العارم الذي يسود في أوساط الشباب العربي حول قمع وقتل المرأة في الغرب، لا بل إن هناك من يعتنق فكر اليمين العنصري الغربي عبر نسب الجرائم ضد المرأة في الغرب إلى المهاجرين العرب والمسلمين (لكن معظم حالات قتل المرأة في أميركا تقع على يد الرجال البيض). لا يعلم الذين واللواتي دافعن عن الغرب بالنسبة للمرأة أن نسب العنف الأسري في أميركا تقارب النسب في دول الشرق الأوسط (وليس صحيحاً ما يرد من أن ليس هناك من إحصائيّات في دول الشرق الأوسط لأن هناك عدد من الدراسات التي أجريت في السنوات الأخيرة). ٣١٪ من النساء الأميركيّات يتعرضن للعنف الأسري (وهناك دراسات تقول إن النسب أكبر لأن معظمها غير مُسجّل في دوائر الشرطة — وجرائم العنف الأسري هي أعلى في منزل يكون فيه الرجل من أفراد الشرطة والقوّات المسلّحة). و٣٩٪ فقط من ضحايا الاغتصاب في أميركا يتقدّمن بشكوى للشرطة لعدم ثقتهم بالمسار القانوني. بين ٢٢٪ و٣٥٪ من النساء اللواتي يدخلن إلى قسم الطوارئ في أميركا يفعلن ذلك بسبب عنف من قبل الرجل في حياتهنّ. وفي بريطانيا فإن العنف الأسري هو السبب الأوّل للحالات المرضيّة عند النساء بين سن ١٩ و٤٤. وفي بولندا (بعد «تحريرها» من الشيوعيّة) لم يُدن في قضايا عنف أسري إلّا ٨٩٣٨ حالة من بين ٢٠٨٠٩ حالات في عام ٢٠٠٦. (الأرقام مستقاة من «أطلس بنغوين عن النساء في العالم»، لجون سيغر).
وفي أميركا، فإن معدّل قتل النساء (من قِبل زوج أو صديق) هو ٢٣ امرأة في الأسبوع (وهذا المعدّل لم يتغيّر على مدى أكثر من عقد). ومن بين كل النساء اللواتي قتلنَ بين ١٩٧٦ و٢٠٠٥، فإن ٤٢٪ منهن قُتلنَ من قِبل زوج أو صديق أو فرد في العائلة. و٧٤٪ من حالات قتل المرأة من قبل زوج أو صديق تقع بعد أن تكون المرأة قد تركت الرجل. وبين ٤٠٪ و٧٠٪ من كل حالات قتل النساء في كندا فإن القاتل هو الزوج أو الصديق. وفي سويسرا فإن ٢٠ إلى ٢٨ امرأة يتعرّضن للقتل بسبب العنف الأسري سنويّاً، وفي بريطانيا فإن النسبة هي ضحيّتان في الأسبوع علي يد «شريك» حالي أو سابق. أما نسبة قتل النساء في فرنسا في حالات عنف أسري فهي ضحيّة كل ثلاثة أيّام. و١٨٪ من الجرائم في قبرص هي حالات عنف أسري (وطبعاً معظمها ضد النساء). ولو أجرينا مقارنة عالميّة حول نسب قتل النساء في العالم لاحتلّت السلفادور وروسيا وغواتيمالا وجامايكا وجنوب أفريقيا المرتبة الأولى.

النسوية الاستعمارية
وهذا الاعتناق للفكر الاستشراقي العنصري (الذي يتزيّن بزيّ نسويّة مزيّفة كما في حالات الكاتبة اليمينيّة أيان هرسي علي) يؤدّي إلى ربط كل حالات الأذى للنساء بالإسلام والثقافة العربيّة، حتى ما يُسمّى بختان الإناث. الإحصاءات تشير إلى أن هذه العادة لا تنحصر بالمسلمين فقط بل تنتشر بين نساء اليهود والمسيحيّين والمسلمين والمولودات للديانات الوثنيّة في أفريقيا. ونسبة الختان عند نساء تانزانيا هي ١٤٪ عن المسلمات و١٩ ٪ عند المسيحيّات و٢٢٪ عند نساء الديانات المحليّة الأخرى. وختان النساء أعلى عند المسيحيّات منه عند المسلمات في كينيا. كل هذه الحقائق مجهولة عند مروّجي حصريّة قمع المرأة عند العرب بين النسويّات المتأثّرات بالنسويّة الاستشراقيّة الغربيّة العنصريّة. كما أن دول الغرب تصدّر لنا أمراضاً قاتلة للنساء، مثل الهوس بنحافة الفتيات والنساء واستسهال عمليّات التجميل واستخدام مواد التجميل الضارّة بصحّة المرأة: ٤٢٪ من بنات المدارس الابتدائيّة في أميركا يردن أن يكنّ أنحف، و٨١٪ من البنات في سن العاشرة يخفن من السمنة، و٨٠٪ من البنات في سن الثالثة عشرة حاولن تخفيف أوزانهنّ.

إسراء غريب كانت ضحيّة قيم المجتمع الذكوري وقمع سلطة أوسلو وسلطة الاحتلال الإسرائيلي


هناك مدارس نسويّة مختلفة حول العالم لكن ما يتبلور منها في العالم العربي —خصوصاً في الثقافة السائدة التي تحظى بدعم وسائل الإعلام المملوكة من المال الخليجي والأوروبي — هي النسويّة الاستعماريّة ذات الملامح الليبراليّة. والنسويّة الاستعماريّة التي كتبت عنها ليلى أحمد في كتاب «النساء والجندرة في الإسلام» تشير إلى نمط من الخطاب والعمل الاستعماري الغربي الذي كان يستغلّ وضع المرأة في الدول المُستعمَرة من أجل توطيد سيطرته على تلك البلدان. والمُستعمِر الغربي كان يعادي إعطاء حقوق المرأة في بلاده فيما كان يهتف من أجل حريّة المرأة في البلدان المُستعمَرة. وخير دليل على ذلك هو نموذج اللورد كرومر الذي حكم مصر بين ١٨٨٣ و١٩٠٧. استعمل كرومر، تماماً مثل نماذج النسويّة الاستعماريّة الغربيّة — القديمة والحديثة، موضوع قمع المرأة من أجل ذمّ الإسلام والثقافة العربيّة. وقد لامَ كرومر «العقل الشرقي» في تعامله مع المرأة، وأعلن أن إذلال الإسلام للمرأة والإصرار على الحجاب والفصل الجندري هو الذي يعيق ارتقاء الفكر والشخصيّة المصريّة إلى درجة تسمح بوفادة «الحضارة الغربيّة». لكن هذا النسوي المنفصم كان معادياً لحقوق المرأة في بلاده وقد أسّس بعد عودته إلى بلاده «رابطة الرجال لمعارضة حق المرأة في الاقتراع». والحرب الأميركيّة على أفغانستان جرت بشعارات الاستعمار النسوي، إذ أن بوش — المعروف بمعاداته لكل حقوق وقضايا المرأة في أميركا — انبرى للدفاع عن حقوق المرأة الأفغانيّة التي وعد بتحريرها بقنابله وصواريخه. ولم يكن مفاجئاً أن تناصر بوش بعض المنظمّات النسويّة الليبراليّة الأميركيّة، مثل منظمّة «الأكثريّة النسويّة».
النسويّة الليبراليّة (خلافاً لليبراليّة الراديكاليّة على أنواعها) لا تسعى إلى إسقاط النظام البطريركي برمّته بل هي نسويّة إصلاحيّة تسعى إلى المساواة في ظلّ عالم غير متساو، أنشأه الرجل لصالحه. النسويّة الراديكاليّة تسعى إلى إنشاء نظام اجتماعي - اقتصادي - سياسي جديد وإن اختلفت الرؤى بين المدارس النسويّة حول طبيعة النظام المنشود. في بلادنا، أثّرت كتابات نوال السعداوي وهشام شرابي (خصوصاً في كتابه الذي يفتقر إلى الحد الأدنى من معايير علم الاجتماع الحديث، «النيو بطريركيّة»، والذي يحتوى على تعميمات استشراقيّة فظيعة) وتقارير الأمم المتحدة ومنظمّات الـ«إن.جي.أو» ذات النفوذ الواسع في لغة ومصطلحات حركات التغيير البورجوازيّة الحديثة. وبناء على رؤية الليبراليّة النسويّة فإن خصوصيّة العالم العربي مسؤولة بالدرجة الأولى عن قمع المرأة وموضعها غير المتساوي. والنسويّة الماركسيّة تلوم النظام الرأسمالي في قمع المرأة (وإن كانت النظم الاشتراكيّة لم تحقّق الوضع المثالي للمرأة، لكن وضع المرأة ساءَ في بولندة مثلاً - وفي غيرها - بعد «تحريرها») فيما تلوم النسويّة الراديكالية النظام البطريركي بأشكاله المختلفة. النسويّة الاشتراكيّة تحاول التوفيق بين النسويّة الراديكاليّة والنسويّة الماركسيّة عبر التركيز على خطر الرأسمالية والبطريكريّة على حدّ سواء.
لكن الثورة الكبرى في الفكر النسوي الغربي، بالنسبة لنا، أتت على يد النسويّة الما بعد حداثويّة لأنها رفضت فرض نسويّة نساء البيض الميسورين في الغرب معاييرهنّ على نساء كرة الأرض. النسويّة الما بعد حداثويّة ترى أن النساء في كل مكان يحدّدن طبيعة نضالهنّ وأولوياتهنّ من دون أن تعترف بمعايير عالميّة دوغمائيّة محدّدة للأخذ بها — بالقوّة — من كل نساء العالم. وكان يمكن الإضافة على توليفة النسويّة الاشتراكيّة بالأخذ في عين الاعتبار الاحتلال الأجنبي. لا يكفي القول في الدول الخاضعة للاحتلال الخارجي إن عدوّ المرأة يكمن في الرأسماليّة والبطريركيّة من دون اعتبار عداء الاحتلال الأجنبي للمرأة. إن الاحتلال الأميركي في أفغانستان قتل من نساء تلك البلاد أكثر مما قتل الطالبان قبل الغزوة الأميركيّة. وهل الذين يقصفون ويقتلون الرجال والنساء في أفغانستان أو في العراق يحقّ لهم الوعظ في شؤون المرأة في البلديْن؟
يسري هذا على وضع المرأة الفلسطينيّة: صحيح أن المرأة تعاني من مشاكل لها علاقة بالمجتمع الذكوري، لكن لا يمكن النضال ضد البطريركيّة الفلسطينيّة من دون موازاة ذلك بالنضال ضد الاحتلال الإسرائيلي. إسراء غريب كانت ضحيّة قيم المجتمع الذكوري وقمع سلطة أوسلو وسلطة الاحتلال الإسرائيلي (والسلطتان متحالفتان مع النظام البطريركي). والاحتلال الأجنبي يتساهل مع قاتلي المرأة الفلسطينيّة كما أن إعلام العدوّ وإعلام الغرب يركّز على حالات تتعرّض فيها المرأة أو الرجل الفلسطيني إلى قتل على يد فلسطيني آخر، لأن ذلك يبرّئ الاحتلال (وإن كان الاحتلال مسؤولاً بحكم هيمنته على كل مجالات الحياة الفلسطينيّة). إن العمل لوقف الجرائم ضد المرأة، مهما كانت مسمّيات الجريمة، هو ضرورة إنسانيّة ووطنيّة وقوميّة ونسويّة. يجب أن يصبح موضوع تعنيف وقتل النساء في أولويّات العمل الوطني وعدم تأجيله بحجج وذرائع متنوّعة يستفيد منها الرجل. لكن فهم الموضوع لا يعني التخفيف من فظاعته. وكما قالت المنظمة النسويّة الفلسطينيّة في موقع «بيبي فست» في تنويهها في بيان احتجاجها على جريمة إسراء غريب: «جرائم الشرف ليست مسلمة وليست عربيّة. هذه ظاهرة عالميّة تحدث في جميع أنحاء العالم تقريباً، من الولايات المتحدة إلى أوروبا. الرئيس الأميركي متهم بالاغتصاب. جرائم الشرف كانت قانونيّة في إيطاليا حتى السبعينيّات وما زالت تحدث حتى اليوم. لا تستخدم هذه الرواية لتعزيز القوالب النمطيّة الخطيرة للثقافة العربيّة والإسلام. الأبويّة موجودة في كل مكان».

* كاتب عربي (حسابه على «تويتر» [email protected])