في يوم13يناير/ كانون الثاني 1986 اقتحم العميد مبارك سالم أحمد، قائد الحرس الرئاسي للرئيس اليمني الجنوبي علي ناصر محمد، قاعة الاجتماع المقررة لاجتماع المكتب السياسي للحزب الاشتراكي اليمني وأطلق النار من رشاشه فقتل عبد الفتاح اسماعيل الأمين العام السابق للحزب ووزير الدفاع صالح مصلح قاسم ووزير الدفاع السابق علي عنتر ووزير الداخلية السابق علي شايع هادي فيما جرح علي سالم البيض. كان مقرراً في لحظة اقتحام المكان وصول الرئيس الذي هو الأمين العام للحزب من أجل قيادة الاجتماع، ولكنه تغيّب هو وأنصاره الذين كانوا يشكلون أقلية، ثمانية من واحد وعشرين عضواً في المكتب السياسي للحزب الذي كان السلطة الحاكمة في اليمن الجنوبي. خلال أسبوعين من القتال الذي أوقع ما يقارب العشرة آلاف قتيل تمّت هزيمة أنصار علي ناصر محمد الذي لجأ مع مناصريه إلى صنعاء. في الواقع، الذي حسم الوضع هو الجيش، الذي كانت مراكز القوة فيه متمركزة في ثالوث مناطق لحج - الضالع - يافع في شمال عدن، وهو وضع كان موجوداً منذ تأسيس دولة اليمن الجنوبي واستقلالها عن بريطانيا في نوفمبر/ تشرين الثاني 1967، الذي كان بدوره انعكاساً لتركيب «الجبهة القومية للتحرير» التي قادت ثورة مسلحة ضد البريطانيين منذ يوم 14 أوكتوبر/ تشرين الأول 1963.

كان صالح مصلح قاسم وعلي عنتر وعلي شايع هادي من منطقة الضالع، فيما كان عبدالفتاح اسماعيل من اليمن الشمالي، وعلي سالم البيض من حضرموت وهو، مع حيدر أبو بكر العطاس، قد قادا الحراك المدني الحضرمي منذ عام 1965 لصالح «الجبهة القومية»، وقد أصبحا من أركان الدولة الجديدة في الإدارة، فيما لم يكن للحضارمة نفوذ يُذكر في الجيش، وكانوا أقوياء في تركيب وزارة أمن الدولة خاصة بين عامي 1986و1990. كان علي ناصر محمد منذ تولّيه الرئاسة والأمانة العامة للحزب عام 1980 قد حاول زرع أبناء منطقته، أبين، في الجيش مثل عبدربه منصور هادي الذي تولى منصب نائب رئيس الأركان، أو في وزارة الداخلية التي تولّاها محمد عبد الله البطاني، بالتعاضد مع أبناء منطقة شبوة الذين كان منهم اللواء عبد الله علي عليوة رئيس الأركان وأحمد مساعد حسين وزير أمن الدولة. لم يكن لمدينة عدن وزن مؤثر في خارطة النفوذ في اليمن الجنوبي منذ هزيمة «جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل» الناصرية التوجه والتي كانت متركزة في النقابات العمالية بمدينة عدن، في عامي 1966 و1967، أمام «الجبهة القومية» التي كانت فرعاً من «حركة القوميين العرب» ثم أصبحت ماركسية. أظهر شهر يناير/ كانون الثاني 1986 الدامي في عدن أن الذي يسيطر على الجيش هو الذي له الكلمة العليا في السلطة، وأن الأيديولوجية الماركسية، في حزب تم بناؤه منذ عام 1978 على الطراز السوفياتي لم تستطِع في بلد متخلف ومنقسم على أساس المناطقية أن تكون سداً مانعاً من أن تنعكس الوضعية الاجتماعية المنقسمة على صراعات السلطة الحاكمة ولو أخذت هذه الصراعات عناوين متعددة، كان أحدها الموقف من اليمن الشمالي. في حرب 1994 كان أنصار علي ناصر محمد مع استمرار وحدة 22 أيار/ مايو 1990 اليمنية وضد انفصال الجنوب، فيما كان البيض والعطاس الواجهتين للانفصاليين الجنوبيين ولقواتهم المسلحة التي أتت بجسمها الرئيسي من مثلث لحج - الضالع - يافع.

أظهر شهر كانون الثاني 1986 الدامي في عدن أن الذي يسيطر على الجيش هو الذي له الكلمة العليا في السلطة


هنا، عند إعلان «المجلس الانتقالي الجنوبي» في 11مايو/ أيار 2017 ظهر من تركيبته القيادية أن (13يناير/ كانون الثاني 1986) ما زال يلقي بظله على الجنوب اليمني. هذا المجلس رئيسه عيدروس الزبيدي هو من الضالع ونائبه هاني بن بريك، وهو شيخ سلفي، من حضرموت، بالإضافة إلى سليل أمراء الضالع القدماء من آل الشايف وهو المصرفي المعروف خريج الجامعة الأميركية ببيروت عبد الهادي علي الشايف، مع كبير مشايخ قبائل منطقة يافع الشيخ عبدالرب النقيب. كان من الواضح أن هؤلاء (مع ملاحظة استقالة الشيخ النقيب من منصبه في فبراير/ شباط 2019 احتجاجاً على سيطرة بن بريك على المجلس حسب بيان استقالته) بما يمثلونه من جسم اجتماعي كبير في الجنوب اليمني هم الأقوى في قيادة «الانتقالي الجنوبي» عند احتدام الصراع المسلح في شهر أغسطس/ آب 2019 بينه وبين سلطة يمنية رئيسها من أبين وكذلك وزير الداخلية أحمد الميسري ورئيس الأركان عبدالله النخعي، فيما من الواضح أن سيطرة «الانتقالي» في عدن قوية ومزعزعة في أبين وضعيفة في شبوة، حيث في المنطقتين الأخيرتين لا يملك أرضية اجتماعية قوية وهو ما يظهر عندما يهزم قوات الحكومة اليمنية العسكرية فيهما، فيما في عدن يبدو أن وضعها، كما ظهر في يوم 29 أغسطس/ آب 2019 عندما سيطر «المجلس الجنوبي الانتقالي» عليها عسكرياً، مثل الوضع الذي كان بين يومي 30 نوفمبر/ تشرين الثاني 1967 و22 مايو/ أيار 1990 عندما حكمها أبناء لحج - الضالع - يافع، وهو وضع لا يختلف عن وضع العديد من العواصم العربية (وطهران ما بعد 11 شباط/ فبراير 1979) في مرحلة ما بعد 23 يوليو/ تموز 1952 عندما سيطر الريف أو المناطق الطرفية على السلطة مع إزاحة العاصمة والمدن الكبرى منها.
* كاتب سوري