في حضرة الكبار ترتبك كيف تبدأ وإلى أين تصل؟ تجربة غنية وسيرة تزخر بالإسهامات العديدة صنعت حركة مبدعة، إنها الذكرى الحادية والأربعين لتغييب الإمام السيد موسى الصدر الذي كان بحجم أمة في طموحاته، حيث لم يكن عالماً عادياً بقدر ما أهدى للعلم ثوب خير العمل، ومنح الجميل إلى مجتمع تجتمع فيه كل التناقضات الطائفية والولائية لدول وزعامات وجهات. فلم ترهبه هذه التناقضات، بل جعلت منه نعمة أرادها مصدراً للتنوّع البنّاء والمنفتح على حدود التعارف والتعاون على البر. لم يكن السيد موسى الصدر حوزوياً تقليدياً، بل جمع بين عمق الدراسة الحوزوية وعصرية العلوم وما طرأ عليها، وتميز بشخصية لبقة ودبلوماسية تنفس الدين في فضائها وتحرك الفكر عبر لغتها المباشرة والبسيطة التي تحاكي الهموم والتطلعات.

تحولت لغة الدين كما السياسة في قاموسه إلى لغة مقروءة ومفهومة لدى الجميع، باحثاً فيها عن كل معنى جميل، ومُخرجاً المعارف من حيّز الرتابة إلى الهواء الطلق، بحيث يتفاعل معها المرء بجدية على مستوى الفكر والشعور، ويهتز لها طرباً. فالدين عنده انعكاس حيّ على صفحات الحياة اليومية، التزاماً وموقفاً ومسؤولية يتّسم بالجدة والأصالة ويدفع نحو الخلق والتغيير الناعم والهادئ بلا تعكير للأجواء. إن الإيمان لديه فعل منتج يقدم أجوبة على كل الإشكالات وليس سلبيا يمنع من طرح الأسئلة ويتحول إلى طاقة مدمرة للمجتمع عبر تبعية عمياء لمقولات جاهزة وجامدة لا تتحرك. فهم الماضي بكل تعقيداته كما الحاضر في تناقضاته، فانطلق بكل همّة عالية وسط ألغام المذهبية والعصبيات، ولم يأبه لكل ما عصف ويعصف بالساحة هنا وهناك، آمن بالحوار والتسامح والتواصل، وحارب السطحية وتهميش الذات والعقل والانشداد إلى الأنانيات القاتلة، وعمل بكد وإخلاص كي يعيد الروح الإيمانية بكل طاقاتها الإيجابية المنتجة إلى مسارها الطبيعي في تحفيز الواقع نحو التنوير والتثقف والتحلي بروح المواجهة. لقد استنطق الدين والسياسة بشكل مبدع وخلاّق في تصوراته لكثير من القضايا المحلية والدولية، مشكّلاً بذلك مدرسة ومعلماً بارزاً لحركةٍ رساليةٍ تتخطّى إنسان المذهب والطائفة لتصنع إنسان العالم والأمة المتحضّرة من خلال توحيد الطاقات والجهود والعمل على ضمان مصلحة الجماعة، بعيداً عن سطوة المصالحٍ الفرديةِ والجهوية.
عندما تستمع إليه تشدك خطاباته رغماً عنك، معيداً إلى النص حياته وحيويته، مالئاً الفراغات والثغرات، متحدياً الخطابات الفارغة والمستهلكة، عاملاً على التحرر من قيود الجهل والتخلف والانعزال، ومؤمناً بتنمية حاكمية الإنسان على الوجود، بحيث تتصدى للفراغ والتردد والتشتت والضياع .
لقد كان العمل الإسلامي والإنساني مع السيد موسى الصدر له طعم خاص ومذاق فريد لما اتّصف به من قدرة على استشراف الأحداث بعبقرية رجل السياسة وعالم الدين، وكان مع السيد محمد باقر الصدر والسيد محمد حسين فضل الله والسيد الخميني وشريعتي وبهشتي من أبرز رجالات الحركة الإسلامية في القرن العشرين، والتي تركت الأثر الكبير إلى اليوم.
لا يمكننا أن نلم بأبعاد هذه الشخصية المتنوعة الحضور والعطاءات، خدمة للناس وحفظاً للتوازن الاجتماعي وصوناً لروح الجماعة في تطلعاتها نحو بناء ذات جماعية معتدلة، في كل لحظاتها وأوضاعها بكل مصداقية .
شكل علامة فارقة في دنيا الفقه والفكر، وكان قائداً شجاعاً ومميزاً بالحكمة، يتقن كيف يبدأ وإلى أين ينتهي؟ كدأبنا مع كل الكبار، ننسى بسرعة فائقة ما تركه هؤلاء القادة من تجارب غنية أرادوها أن تكون رمزاً ودافعاً لنا كي نبتعد عن الاصطفافات وعن الغوغائية، وأن نضبط مواقفنا وحركتنا وتوجهاتنا وفق معايير الحق والعدل، لا أن نكون شهود زور ومجرد بالونات منتفخة تحمل شعارات كبيرة وعقولها فارغة كالهمج الرعاع.
الإمام السيد موسى الصدر اختارته الظروف أن يكون مثقفاً وحركياً منفتحاً في أجواء حوزوية تقليدية جامدة، فكان مثال الدبلوماسي والمحاور والمبدع في أسلوبه ومضامينه ومقارباته، وكان مثال العالم العامل الذي نزل إلى أرض الواقع خبيراً بزواياه وتفاصيله وعقده، فأتقن حلحلة العقد في زمن أتقن فيه ساسته ورجالاته فن فبركة العقد .طموحاته واسعة أكبر من عقله، تغلي على قلق معرفي حوله إلى طاقة لا حدّ لها على التأليف بين متناقضات الدين والسياسة في أشد مراحل تاريخ لبنان شدة وصعوبة ومفصلية، فاقتحم عالم لبنان الصغير بمساحته الكبير بإشكالاته محاوراً اليمين واليسار، آخذا بالإسلام وحركيته إلى دنيا الانفتاح على لغة العصر السمحاء التي تجمع ولا تفرق وتوحد ولا تشتت، فكان ولا يزال بحق إماماً للوطن والأمة والإنسانية مهما طال التغييب.
آمن الإمام الصدر بمقولة «الطوائف نعمة والطائفية نقمة»، محذراً من تكريس الطائفية في جسم الوطن، لأنها أخطر من الاستعمار والاحتلال. كذلك صدح بالحق مواجهاً الفساد، ومعتبراً إياه المرض الذي يفتك بالمجتمع. فماذا لو جاء اليوم الإمام الصدر ووجد الفساد، ماذا كان سيقول؟ وماذا سيقول عن حرمان لا يزال طاغيا ينهش بأظافره الفقراء والمستضعفين من كل الطوائف. ألم يقل السيد الصدر :«إن تجار السياسة هم الذين يغذون الطائفية للمحافظة على وجودهم، بحجة المحافظة على الدين».
يقول الشاعر محمد الماغوط: «الطائفية لعبة الأذكياء للسيطرة على الأغبياء»، فمتى ينتبه الجميع من هذه اللعبة وما تنتجه، ويكونون أذكياء في رفضها والتمرد عليها. للأسف، فقد تغذت عليها عروقهم منذ الصغر، ونبت لحمهم على العصبية، فإذا لم نغيّر ما بأنفسنا فلن يأتي التغيير من الخارج أبداً. الإمام الصدر أراد للذين ينتمون إلى مدرسته أن يكونوا قبل غيرهم أوّل المدافعين عن حقوق الناس والمحرومين، وأول الذائدين عن كرامة الشعب والجماهير بلا استثناء. فإذا كنا لا كما أراد، فنحن من المتخاذلين المشاركين في تغييب نهجه. لم تكن غايته السلطة، بل كانت وسيلة لرفع الحرمان عن المستضعفين وتأمين حقوقهم، بعيدا ًعن كل الانتماءات المذهبية والطائفية.
أمام ما نشهد اليوم، لو جاءنا السيد الصدر اليوم لكرّر مقولته «أنتم أيها السياسيون آفة لبنان وبلاؤه وانحرافه ومرضه... إنكم الأزمة ارحلوا عن لبنان». لأنهم يديرون مسرحية هزلية لاستمرار التقاسم الطائفي في بلدٍ أُريد له أن يبقى في حالة سريرية، لا حياة ولا موت. سياسيون يؤكدون مقولة قلوبهم مع الوطن والتعايش أما سيوفهم فعليه. لقد تآمر المتآمرون على تغييب نهج السيد موسى الصدر بتغييب شخصه ومحاصرة فكره وحركته، لأنهم يخافون هذا النهج أن يعرِّيهم ويهدَّ عروشهم ويزلزل مواقعهم، ولكن مع ذلك بقي حياً في الروح والفكر والحركة عند المخلصين والشرفاء.
لقد تضرر كثيرون من نهجه ومن صوته ومواقفه ومواعظه، واجتمعوا على تغييبه، لأنهم لا يريدون كباراً في الأمة ولا يريدون عمالقة، بل يريدون أشباه رجال وطلاب دنيا، خدمة لزعاماتهم، ولم يكترثوا لما يتركه تغييب الكبار من أثر فادح على الجماعة التي تبحث عن رمز وقدوة في تاريخ نضالاتها .

أكاديمي وحوزوي