ليست العربدة الصهيونية في أجواء عدد من دول المنطقة وآخرها لبنان، أمراً محصور الأهداف في جانب أمني أو سياسي، محدّد أو محدود، دون سواهما. بهذا المعنى ليست تلك العربدة، فقط، مغامرة عدوانية يقودها رئيس الحكومة، وفريقه السياسي والحزبي، من أجل تحسين شروط خوض الانتخابات وضمان استعادة نتنياهو للمنصب كي - باستعادته فقط - يتمكن من الإفلات من المحاسبة القضائية، وربما من مواجهة نفس مصير سلفه إيهود أولمرت، الذي بسبب فساده، يقضي فترة طويلة في السجن، مداناً وذليلاً (بالمناسبة، محاكمة المسؤولين، بمن فيهم الكبار، وإدانتهم وتنفيذ عقوبات قاسية بحقهم أحياناً، هي علامة تميُّز وقوة داخلية، وفق الكثير من المعاني، للنظام العنصري الصهيوني).

يعيش المجتمع الصهيوني مرحلة جنوح متصاعد نحو اليمين والتطرف. هذا ما تظهره النتائج باستمرار: سواءً في الانتخابات أو في استطلاعات الرأي. فهاتان تؤكدان، بمزيد من الاتساع والقوة، تنامي الاتجاهات والتعبيرات السياسية الأكثر تشدداً وعنصرية. تلك الاتجاهات والتعبيرات تمثل قوى جامحة تعادي التسويات، وترفض الاعتراف، ولو الجزئي، ببعض وجود وحقوق الشعب الفلسطيني: اللاجئ والمشرد بسبب الاغتصاب، أو المقيم والمضطهد والمقموع، بسبب الاحتلال والتضييق والحصار.
زاد ويزيد من هذا الجموح، أساساً، ما شهدته وتشهده المنطقة والعالم من تطورات ما زالت تعمل، إلى حدٍّ بعيد، لمصلحة المشروع الصهيوني وفق صيغهِ الأكثر توحشاً ودموية وإرهاباً...نذكر على سبيل المثال، منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، التراجع الدراماتيكي لقوى التحرر العربية، واحتلال العراق من قبل سلطة «المحافظين الجدد» عام 2003 ضمن استراتيجية عدوان وتوسع تحولت سياسة رسمية للإدارة الأميركية منذ إعلانها في أيلول عام 2002. وهي استراتيجية، قامت على المباهاة بالتفوق وبامتلاك «قوة غير قابلة للتحدي»... ما يملي «ضرورة» التفرد الأميركي بإدارة شؤون العالم، وخوض الحروب «الوقائية»، وتجاوز حتى تحالفات أميركا التقليدية في أوروبا والعالم، وتخطي منظمات الشرعية الدولية، التي كانت، عموماً، تعمل وفق الإملاءات الأميركية ولخدمة مصالح الهيمنة الأميركية حول العالم.
الشرق الأوسط كان هو ميدان اختبار تلك التوجهات الإمبراطورية الجديدة والفاقعة. تم تحضير المسرح تماماً لمثل هذا العرض الذي حمل عنوان «إقامة شرق أوسط جديد» يمتد من موريتانيا إلى باكستان. هذا المشروع العدواني جرى الترويج له بمزاعم نشر الديموقراطية والتخلص من أسلحة الدمار الشامل... وبوسائل الغزو والاحتلال وإطاحة كل الشرعيات الخاصة والعامة، الصغيرة أو الكبيرة، المحلية أو الدولية...
رغم فترة مراجعة وتراجع مثّلتها حقبة باراك أوباما بسبب «الإخفاقات» الأميركية في العراق، والاعتراضات الدولية على التفرد الأميركي، والمنافسة المتصاعدة من قبل دول عدة، برزت موجة جديدة من مساعي الهيمنة الأميركية بأساليب ومفردات جديدة، أكثر عنصريةً ويمينية، دون تغيير كبير في الجوهر والأهداف، مع انتخاب دونالد ترامب رئيساً مفاجئاً في «البيت الأبيض» قبل ثلاث سنوات.

رد سياسي استراتيجي قبل أن يكون أمنياً ومحدوداً


في مرحلة بوش الابن وترامب، استشعر الصهاينة قوة غير عادية في التأثير على مركز القرار الأساسي في واشنطن عموماً وفي البيت الأبيض خصوصاً. اعتبر الصهاينة أنهم «يحكمون واشنطن التي تحكم العالم»! وهم اكتسبوا مع الرئيس الأميركي الحالي وفريقه الصهيوني، حسباً ونسباً وولاءً، قوة غير عادية، مقرونة بتحقيق مكاسب استثنائية، غذّت لديهم أكثر الطموحات والمقاربات والسياسات جموحاً وتطرفاً وعنصرية وعدوانية...حيال الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة.
تطورات الوضع في المنطقة عموماً (منذ عقدين من الزمن على الأقل)، كانت، بدورها، تغذي الاندفاعة الصهيونية وتُغريها بالكثير من الوعود! الدول العربية عانت، على أوسع نطاق، ولا تزال، من عملية تفكك وتفتت وضعف... عاشت الكثير من الصراعات والحروب الداخلية والبينية، ما أغرى ويغري الصهاينة بالتشدد والسعي لتحقيق كل أنواع المكاسب الجغرافية السياسية والاقتصادية والأمنية. الانقسامات السياسية والعصبيات الإثنية والطائفية والمذهبية، أنجبت، تحت الإشراف الأميركي والصهيوني، دويلات متشددة وتكفيرية وذات نفس إرهابي موجَّه، بأبشع الوسائل وأكثرها عنفاً ودموية وعبثية ووحشية، نحو الداخل العربي لتعطيله وتدمير مقوماته وتبديد ثرواته ومؤسساته ومجتمعاته.... مكاسب خطيرة وغير متوقعة حققها هذا الاتجاه في قلب «العالم العربي النابض» أي في العراق وسوريا، فيما مصر تواصل حيادها السلبي بعيداً عن الصراع مع العدو ومستلزماته على الصعد كافة. الثروة العربية، بأرقامها الفلكية، باتت رهينة هواجس حماية الأنظمة، وصفقات السلاح الهائلة يقتنصها «الحليف» الأميركي ليوظفها في المزيد من محاولات الهيمنة، وخدمةً للمشروع الصهيوني. أما عنوان هذه الخدمة، اليوم، فيتمثل في «صفقة القرن» لتصفية حقوق الشعب الفلسطيني ولوضع الأسس الراسخة لقيام «إسرائيل الكبرى» في السياسة والأمن والاقتصاد، ولاستعادة مشروع «الشرق الأوسط الواسع» بوسائل التفتيت والصراعات الداخلية وتضييع القضايا الجوهرية...
يراقب الصهانية هذا المشهد الملائم لهم وفق أكثر توقعاتهم وطموحاتهم تفاؤلاً، ويطلبون المزيد في فلسطين وعلى حساب كل حقوق شعبها، وفي المنطقة: بما يجعلهم أسيادها دون منازع.
رغم الصمود من قبل النظام السوري في وجه صيغة الاجتياح الجديدة، ورغم مقاومة دفاعية، سياسية وميدانية، قادتها إيران، ولعب «حزب الله» فيها دوراً مميزاً، إلا أن الموجة التدميرية كانت على وشك تحقيق ما تبقى من أهدافها في المنطقة، لولا التدخل الروسي السياسي والعسكري السريع والمصمم والفعّال الذي بدأ في أيلول عام 2015. لقد فاجأ هذا التدخل العالم برمته. وهو منذ ذلك التاريخ، ما زال يقلب التوازنات والمعادلات ويخلق حقائق جديدة على مستوى سوريا والمنطقة والعالم، ولو بشكل نسبي.
المنطق الهجومي الروسي اتّسم أيضاً بالكثير من المرونة، والسعي للتسويات، وإطلاق التطمينات والمساومات خصوصاً إزاء كل من تركيا وسلطة الكيان الصهيوني. تل أبيب التي تفاعلت مع التدخل العسكري الروسي بكثير من الحذر والقلق، حاولت مع ذلك، تحييده، في مسألتي وضع وحقوق الفلسطينيين، من جهة، ورسم خطوط حمراء حول متطلبات الأمن الإسرائيلي وشروطه في سوريا والمنطقة، من جهة ثانية. تخوض القوى السياسية في الكيان الصهيوني معاركها في الداخل والخارج، لإحداث تحولات لمصلحة ذلك الكيان موحِّدة، بالتطرف وبالغطرسة والإرهاب، أكثرية المجتمع في الكيان الصهيوني. الاعتداءات المستمرة والمعلنة في سوريا: على جيشها وحلفائها بمن فيهم الروس والإيرانيون و«حزب الله»، كانت تتواصل وكانت مصدر تفاخر صهيوني يسعى للمزيد. انتقلت، مؤخراً، الاعتداءات إلى العراق ضد «الحشد الشعبي»، ومنذ أيام، عبر مُسيّرتي الضاحية الجنوبية، إلى لبنان... ربما بهدف مباشر هو تغيير قواعد الاشتباك.
الرد واجب. لكن أي رد؟ إنه رد سياسي استراتيجي قبل أن يكون أمنياً ومحدوداً... وهو يجب أن يندرج في سياق استراتيجية شاملة للتحرر الوطني، والاستقلال السياسي، والتنمية الشاملة، والتكامل الاقتصادي، والتنسيق الأمني، واحترام حقوق الإنسان والتحرر من العصبيات التي يغذيها الأعداء بكل الأساليب والأدوات.
* كاتب وسياسي لبناني