تقدم تكتل «لبنان القوي» باقتراح قانون معجّل مكرر إلى مجلس النواب، يرمي إلى إلغاء الفقرة الأخيرة من المادة 80 من قانون الموازنة العامة، التي تتعلق بحفظ حق الناجحين في مباريات مجلس الخدمة المدنية، وجاء في متن الاقتراح مجموعة من الأسباب الموجبة لإلغاء حق تعيين الناجحين، وهي، في رأينا، مغالطات تعتري الفهم القانوني للنصوص، وتتلخص هذه الأسباب على الشكل التالي:

- التأثير على المسح الوظيفي الشامل وتوزيع الفائض على الوظائف الشاغرة.
- تجاوز المهل القانونية للتعيين، لا سيما الفقرة السابعة من المادة 8 من المرسوم الاشتراعي الرقم 122 التي تشير إلى العمل بلائحة الناجحين لمدة سنتين فقط.
- التدخل في أعمال السلطة التنفيذية لجهة التعيين وإصدار المراسيم.
- ضرب التوازن الوطني ومقتضيات الوفاق الوطني التي توجب المناصفة!
بناءً على ذلك، نرى، من باب إنصاف الواقع الدستوري والسياسي وفق معادلة النصوص لا الأهواء والمصالح السياسية، أن ثمة مغالطات اعترت الأسباب الموجبة، من خلال السياق الآتي:
- لجهة التأثير على المسح الوظيفي الشامل: إذ تشير الفقرة الأولى من المادة 80 إلى تعليق التوظيف إلى حين قيام الإدارة بالمسح الشامل للوظائف والحاجات الفعلية، ثم تليها الفقرة الثانية من المادة نفسها بهدف استثناء نتائج مباريات مجلس الخدمة المدنية من قرار «التعليق»، وفي ذلك يكون المشترع قد فصل بين المسح الشامل وحفظ حق الناجحين، وهذا الفصل سيؤدي، حكماً، إلى افتراض وإدخال المباريات ونتائجها من مقتضيات المسح الشامل السابق لصدور المسح الجديد، لأن وظيفة الأخير، في نهاية المطاف، تنظيم أصول التوظيف، وهذا ما ينسجم مع فكرة «حفظ حق الناجحين في مجلس الخدمة المدنية»، ولا سيما أنه ليس بمقدور المشترع تعطيل أي عمل بذريعة القيام بإجراء مختلف تماماً، وهو لم ينجز بعد، بحيث لا يمكن حظر التعيين بذريعة التأثير على المسح الشامل، وهو، على أي حال، وسيلة لا هدف بحد ذاته.

منع المجلس النيابي من التدخل في أعمال السلطة التنفيذية، ولو لجهة تعيين الموظفين، يخالف المنطق الدستوري


- لجهة تجاوز المهلة القانونية الموجبة للتعيين عملاً بالمرسوم الاشتراعي رقم 112: عملاً بالمادة الثامنة من المرسوم الاشتراعي، السالف ذكره، يتم العمل بلائحة الناجحين لمدة سنتين فقط، وبالتالي لا يجوز إصدار قرار التعيين من الحكومة بعد مضي مهلة «السنتين»، ما لم يجز لها ذلك من قبل مجلس النواب بقانون آخر، لأن البرلمان، سنداً لمبادئ النظام البرلماني اللبناني، سيد نفسه في التشريع باعتباره السلطة التي يناط بها إقرار القوانين وفق المادة 16 من الدستور، وعلى ذلك لا يمكن منع المجلس النيابي من إقرار قانون يغاير مضمون مرسوم اشتراعي صادر من الحكومة، ولو استناداً إلى تفويض البرلمان! وخصوصاً أنّ المشترع، عندما حدد مفعول المباريات بمهلة السنتين، لم يقصد إعطاء الحكومة التبرير لتعطيل التعيين وانتظار انقضاء مهلة السنتين تحت ذرائع مختلفة، كما هي الحال في الواقع السياسي اللبناني!
- لجهة حصر التعيين بالسلطة التنفيذية وعدم التدخل في أعمالها:
إن منع المجلس النيابي من التدخل في أعمال السلطة التنفيذية، ولو لجهة تعيين الموظفين، يخالف المنطق الدستوري، إذ نصت الفقرة الثالثة من المادة 65 من الدستور على صلاحية مجلس الوزراء في «تعيين موظفي الدولة *وفق القانون*»، وبالتالي لم يجرد السلطة التشريعية من التدخل في تنظيم التعيين، ولا سيما أن الفقرة الثانية من المادة 80، المقترح إلغاؤها، تلزم الحكومة بإصدار مراسيم التعيين، لكنها لم تشر إلى إمكانية المجلس النيابي في تعيين الموظفين بدلاً من الحكومة.
- لجهة ضرورة مراعاة التوازن الطائفي في التعيين: إذا كان النظر إلى المادة 95 من الدستور على نحو يخالف معناها الحقيقي بشأن عدم العمل بالتوازن الطائفي إلاّ في وظائف الفئة الاولى، يشفع له الجهل في تفسير مقتضيات الوفاق الوطني والتزامات المرحلة الانتقالية وفق الفقرة الثانية، الا أنه لا شفاعة سياسية أو دستورية في ظل وضوح النصوص الدستورية الأخرى، لأنه لو أراد المشترع إدخال التمثيل الطائفي في كل الوظائف العامة، لما كان قد ترك المادة 7 من الدستور على ما هي عليه، والتي تشير إلى المساواة بين اللبنانيين في الحقوق والواجبات، أو المادة 12 من الدستور التي تؤكد عدم التمييز بين لبناني وآخر إلا من حيث الجدارة والاستحقاق، لا من حيث الطائفية والانتماء المذهبي!
لذلك، وإن كان مصير الاقتراح الراهن السقوط بنتيجة التصويت، بسبب عدم تأمين أصوات أغلبية الحاضرين في المجلس النيابي، إلاّ أن إدراج هذا الاقتراح على جدول أعمال الجلسة التشريعية، طبقاً للأسباب السالف ذكرها، يعيد الوطن اللبناني إلى الوراء بكل مخاوفه ومعضلاته، علاوة على تعارضه مع أحكام الدستور والقانون، فهل سيفعلها الرئيس بري بإدراج اقتراح كهذا على جدول أعمال إحدى الجلسات التشريعية؟
*باحث في القانون الدستوري