نظر الإعلام الغربي وبعض الساسة الغربيين إلى الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في الربيع الماضي على أنها تشديد على أن المجتمع الإسرائيلي قد أصبح أقل ديمقراطية وأكثر عنصرية وشوفينية. وقيل لنا إن هذا التحوّل قد أضعف إسرائيل كـ«دولةً يهودية وديمقراطية». وقد علّقت جريدة «نيويورك تايمز» بعد الانتخابات قائلة: «بالنسبة إلى اليسار، فقد أصبحت الديمقراطية الإسرائيلية في موقع دفاعي. أما بالنسبة إلى اليمين القومي الإثنية، الذي نجح في العام الماضي في مأسسة تعريف إسرائيل لنفسها بأنها دولة وطنية لليهود حصراً في قانون أساسي، فإن الديمقراطية الإسرائيلية قد غدت بحاجة إلى تعديل». وبالفعل، فقد صوّر البعض في الإعلام الليبرالي الغربي اعتماد قانون الدولة الوطنية الإسرائيلي في تموز/يوليو ٢٠١٨ على أنه قد أدخل البلاد في وضع جديد من العنصرية القانونية، لم تكن إسرائيل تعرفه من قبل. أما الوصف المهيمن والمحتفي بإسرائيل في داخلها وبين مناصريها الأجانب منذ إقامتها بأنها دولة استطاعت أن توازن بين مثلها ومبادئها الأساسية، التي تتمثل في صيغة «دولة يهودية وديمقراطية» (وهي صيغة أخذت شكلاً قانونياً في عام ١٩٩٤ عبر تعديل في القانون الإسرائيلي)، فقد تحوّل أخيراً عند البعض إلى رثاء لهذا التوازن المزعوم الذي فُقد نتيجة الانتقال اليميني «الأخير» في البلد.

أما الحقيقة الأساسية التي يتجاهلها هذا التصوير (ولا سيما بين الليبراليين العرب الذين يستخدمون إسرائيل مثالاً أعلى للديمقراطية، يحثون البلاد العربية على اتباعه) فهي أن تأسيس «الديمقراطية» الإسرائيلية للمستعمرين اليهود قد جرى بعد تهجير تسعين بالمئة من الفلسطينيين في عامي ١٩٤٧ و١٩٤٨، وتحويل اليهود إلى أغلبية بين عشية وضحاها في بلد جرى تطهيره عرقياً. عندها فقط، اختيرت الديمقراطية الليبرالية نظامَ حكم للأغلبية من المستوطنين والمستعمرين اليهود وإقامة نظام تمييز عنصري (أبارتهايد) للمئة وخمسة وستين ألف فلسطيني التي لم تستطع إسرائيل طردهم والذين خضعوا لحكم عسكري لغاية عام ١٩٦٦، ويخضعون منذ ذلك التاريخ (وقد تعدى عددهم مليوناً ونصف مليون نسمة اليوم) إلى خمسة وستين قانوناً إسرائيلياً عنصرياً يميز ضدهم حتى الساعة. لكن هذا الالتزام بالتطهير العرقي وبالحكم المعتمد على الفوقية العرقية اليهودية لم يكن وليد لحظة ما بعد الغزو العسكري الصهيوني لفلسطين الذي بدأ في ٣٠ تشرين الثاني/نوفمبر ١٩٤٧، اليوم التالي لاعتماد الأمم المتحدة لقرار التقسيم، بل كان الحجر الأساس الأيديولوجي للحركة الصهيونية منذ بدايتها.
فقد شرع المستوطنون اليهود الأوائل الذين انتموا إلى مجموعة «أحباء صهيون»، التي تأسست قبل الحركة الصهيونية الرسمية في أوائل الثمانينيات من القرن التاسع عشر، بطرد الفلسطينيين من أراضٍ اشتراها لهم متبرعون يهود فور استيلائهم عليها. فلم يكن هدفهم إقامة مستوطنات اشتراكية زراعية ديمقراطية تشمل الجميع من دون تمييز، بل إقامة مستوطنات يهودية حصرية.
بعد ذلك بعقد من الزمن، صمم مؤسس الصهيونية ثيودور هرتسل خططاً للتعامل مع شعب فلسطين الأصلي. ففي كتيبه التأسيسي «دولة اليهود» حذّر الصهاينة من التزام صيغ ديمقراطية، ونصحهم بأنْ «لا بد لأي تسلل [من قبل اليهود إلى الأراضي التي يرومون استعمارها] أن يصل إلى نهاية سيئة. فسيستمر التسلل حتى اللحظة التي لا يمكن تجنبها عندما يعي الشعب الأصلي الخطر الذي يتهدده ويطالب الحكومة [القائمة] بإيقاف هذا السيل المتدفق من اليهود. وبالتالي، ستفقد الهجرة [اليهودية] جدواها ما لم نمتلك الحق السيادي لمواصلة هذه الهجرة». أما في يومياته، فقد أفصح عن خطط أكثر تعقيداً عن كيف يمكن تجنب الديمقراطية الشاملة للجميع في دولة اليهود المستقبلية لمصلحة حكم قائم على الحصرية الدينية والعرقية. فقد كتب أنّ على المستعمرين اليهود أن «يهجّروا السكان الفقراء عبر الحدود بالسر وتحت غطاء الظلام، من خلال توفير وظائف لهم في البلاد المجاورة، بينما سنرفض منحهم أية وظائف في بلدنا... وسينضم إلينا ملاك الأراضي أيضاً. وستجري العمليتان - تجريدهم من الأراضي وتهجير الفقراء - في تكتم وحذر... فدعوا ملاك الأراضي يعتقدون أنهم يخدعوننا من خلال بيع أراضيهم لنا بأسعار أعلى مما هي عليه، ولكننا لن نبيعهم أياً منها بعد ذلك».
ومع ازدياد المستوطنات اليهودية، ازداد طرد الفلسطينيين. فقد أورد المستوطن اليهودي البولندي وخبير الزراعة حاييم كالفاريسكي في عام ١٩٢٠، عندما كان أحد مديري جمعية الاستعمار اليهودية، وهي إحدى أذرع الحركة الصهيونية، أنه نتيجة دوره بطرد الفلسطينيين من أراضيهم لمدة ٢٥ عاماً، أي منذ تسعينيات القرن التاسع عشر، «ظهرت مسألة العرب أمامي بجدية لأول مرة فور شرائي أول قطعة أرض هنا. كان عليّ طرد الفلسطينيين من أراضيهم والاستيلاء عليها كي يستوطنها أخوتي... ولم يتوقف نواح [الفلسطينيين] الذي ملأه الألم من الرنين في أذني لفترة طويلة من بعدها». عبّر كالفاريسكي عن شعوره بالذنب للمجلس الصهيوني المؤقت بأنه لم يكن أمامه إلا خيار طردهم، لأن «جمهور اليهود طالبني بذلك».

عارضت المنظمة الصهيونية العالمية، بعد الحرب العالمية الأولى، الاقتراح البريطاني بدور أميركي في فلسطين، خشية فرض الديمقراطية!


وقد كان خوف الصهاينة من الديمقراطية والتزامهم التطهير العرقي شديداً، لدرجة أنهم رفضوا رفضاً قاطعاً الاقتراح البريطاني بعد الحرب العالمية الأولى، الذي طرح نتيجة قلق بريطانيا من أن تؤدي المناطق الشاسعة التي كانت تسيطر عليها إلى إجهادها، بالطلب من الولايات المتحدة تحمّل جزء من مسؤولية فلسطين. عارضت المنظمة الصهيونية العالمية، التي كانت مضطلعة بمسؤولية إقامة دولة يهودية في فلسطين وتتخذ من لندن في تلك الفترة مقرّاً لمكاتبها، الاقتراح بدور أميركي على الفور وبشدة، خشية من أن تفرض الديمقراطية على فلسطين. وأصدرت المنظمة، رداً على الاقتراح المشؤوم، الوثيقة الآتية:
«تعني الديمقراطية في أميركا في أغلب الأحيان حكم الأغلبية من دون التفات إلى تنوع الأنماط أو المراحل الحضارية أوالاختلافات النوعية في الجودة. فقد جرت تسمية الديمقراطية بهذا المعنى بـ«وعاء انصهار»، حيث صُهِر من هم أقل عدداً في من هم أكثر عدداً. وهذا وضع طبيعي، بلا شك، في أميركا، وهو يعمل جيداً إجمالاً. ولكن إن طُبِّقت هذه الفكرة الأميركية في فلسطين، وهو ما يمكن أن تقوم به إدارة أميركية، فماذا سيحصل؟ الأغلبية العددية في فلسطين اليوم عربية وليست يهودية. من ناحية الجودة النوعية، من أبسط الحقائق القول إن اليهود الآن هم الغالبون في فلسطين. وفي ظل ظروف مواتية سيصبحون أيضاً الغالبين عددياً بعد جيل أو جيلين. ولكن إن طُبِّق المفهوم الحسابي الجلف للديمقراطية الآن أو في فترة مبكرة في المستقبل القريب على الوضع الفلسطيني، فالأغلبية التي ستحكم ستكون الأغلبية العربية، حينها ستكون مهمة إقامة فلسطين وتنميتها [كدولة] يهودية عظيمة أصعب بكثير مما هي عليه الآن».
تجدر الملاحظة هنا بأن الوثيقة تجاهلت حقيقة أن الأميركيين الأفارقة والهنود الحمر وغيرهم لم يكونوا جزءاً من هذه «الديمقراطية» الأميركية.
وقد عارض يهود أميركيون بارزون مناوئون للصهيونية هذا الخوف الصهيوني من الديمقراطية الممأسس على العرقية والشوفينية الدينية. ففي ذات السنة التي أصدرت فيها منظمة الصهيونية العالمية وثيقتها، قام جوليوس كاهْن، وهو عضو كونغرس يهودي من سان فرانسيسكو، بتسليم بيان للرئيس الأميركي وودرو ويلسون، الذي كانت حكومته تدعم الصهاينة، يحمل توقيع ٢٩٩ شخصية يهودية أميركية، ضمت حاخامات وشخصيات عامة، يندد بالصهاينة لمحاولتهم عزل اليهود وإيقاف المسيرة التاريخية لتحرير اليهود من الانعزال، ويعارض إقامة دولة يهودية حصرية لليهود في فلسطين، لكونها تناقض «مبادئ الديمقراطية».
وقد تبنى أتباع هرتسل الصهاينة، اليمينيون واليساريون، خوف هرتسل من الديمقراطية وشوفينيته. من اليمين، تقدم فلاديمير جابوتنسكي، مؤسس الحركة الصهيونية التصحيحية، في عام ١٩٢٣ بحجج تدحض حجج «اليسار» العمالي الصهيوني التي كانت خططه لطرد الفلسطينيين تقوم على الخداع والغش، موضحاً أنْ ليس ثمة سبيل لتلافي الصيغة العنفية المتمثلة بكون عملية الاستيطان اليهودي وتهجير الفلسطينيين هما ذات العملية:
«لن يسمح... أي شعب أصلي بإرادته بدخول سيد جديد عليه، ولا حتى بشريك. وهذا هو وضع العرب أيضاً. يروم المساومون في صفوفنا إقناعنا بأن العرب بلهاء يمكننا خداعهم... وأنهم سيتخلون عن حقهم في فلسطين، بلدهم الأم، مقابل مكاسب ثقافية واقتصادية. أنا أرفض هذا التقييم للعرب الفلسطينيين طراً».
وقد قام الصهاينة في العشرينيات والثلاثينيات من القرن المنصرم بنقاش تفصيلي لتطهير فلسطين عرقياً من الفلسطينيين (وهو ما سمّوه عملية «النقل» أو «ترانسفر»)، وقد كان استنتاجهم محتوماً. ففي حزيران/يونيو ١٩٣٨، أعلن دافيد بن غوريون، قائد المستعمرين الاستيطانيين، في توافق مع ما طرحه جابوتنسكي مسبقاً، ما يـأتي: «أنا أدعم الطرد القسري، ولا أرى فيه أيَّ شيء منافٍ للأخلاق». وقد أتى إعلانه هذا في أعقاب اعتماد الوكالة اليهودية (وهي المخولة رسمياً بعملية استعمار فلسطين) سياسة الطرد القسري للفلسطينيين التي أسست أول «لجنة لطرد السكان» في تشرين الثاني/نوفمبر ١٩٣٧. وقد أُنشئت لجنة ثانية لطرد الفلسطينيين في عام ١٩٤١، ولجنة ثالثة قي أيار/مايو ١٩٤٨ أثناء الغزو الصهيوني لفلسطين.
وقد كان رئيس منظمة الصهيونية العالمية حاييم فايتسمان، يخطط في ١٩٤١ لطرد مليون فلسطيني إلى العراق والاستعاضة عنهم بخمسة ملايين يهودي بولندي ويهود أوروبيين آخرين. وقد أعلمَ السفير السوفياتي في لندن إيفان مايسكي (وهو يهودي سوفياتي) بخططه، على أمل أن يحصل على دعم سوفياتي لمشروعه. لكن عندما استغرب مايسكي فكرة مشروع كهذا، ردّ عليه فايتسمان بحجج عنصرية لا تختلف كثيراً عن الحجج التي كان يستخدمها الفاشيون في تلك الفترة تجاه يهود أوروبا أنفسهم، فقال له: «إن كسل وبدائية [الفلسطينيين] تحوّل حديقة مزدهرة إلى صحراء. أعطني الأرض التي يسكن عليها مليون عربي، وسأستطيع بسهولة أن أجعلها وطناً لخمسة أضعاف هذا العدد من اليهود».
لقد كانت الصيغة المسماة «دولة يهودية وديمقراطية»، التي يعتمدها مناصرو إسرائيل ويحتفون بها (بمن فيهم ليبراليون عرب كثر) والتي يشعر بعضهم بقلق إزاء تعرضها للخطر اليوم، قائمة دائماً على أساس حسابي للفوقية اليهودية والتطهير العرقي، بطريقة لا تختلف كثيراً عن الديمقراطيات الليبرالية التي تعتمد التفوق العرقي الأبيض والتي أُقيمَت في أعقاب عمليات التطهير العرقي في كل من الولايات المتحدة وكندا وأوستراليا ونيوزيلندة، وهي أبرز مستعمرات بريطانيا الاستيطانية. لكن بينما استطاعت المستعمرات الاستيطانية الأخرى بعد قرون من التطهير العرقي إرساء فوقية عرقية وعددية ديموغرافية للعرق الأبيض (وإن كانت السياسات المعادية للمهاجرين غير البيض المعتمدة اليوم في الولايات المتحدة والمذابح التي ترتكب ضدهم تشير إلى هشاشة هذا التوازن الديموغرافي)، فإن سكان إسرائيل من اليهود المستعمرين عادوا ليكونوا أقلية ديموغرافية تواجه أغلبية من الشعب الفلسطيني الأصلي الذي لا يكلّ عن مقاومة التطهير العرقي الصهيوني والحكم العرقي الفوقي اليهودي الذي ما انفك مناصرو إسرائيل وأعداء الشعب الفلسطيني يحتفون به ويطلقون عليه تسمية «دولة يهودية وديمقراطية».

* أستاذ السياسة وتاريخ الفكر العربي الحديث في جامعة كولومبيا في نيويورك،
صدر له حديثاً كتاب «الإسلام في الليبرالية» عن جداول للنشر، بيروت (٢٠١٨)
وكتاب «آثار استعمارية: تشكّل الهوية الوطنية في الأردن» عن دار مدارات، القاهرة (٢٠١٩).