بعد تصاعد الحراك الشعبي العربي في أكثر من بلد عربي، وخصوصاً في السودان والجزائر، مؤخراً، برز دور متميّز أو متفرد بوضوح أكبر للقوات المسلحة في هذين البلدين. واستُند فيهما إلى أن الحراك الشعبي وفّر للقوات المسلّحة فرصة في المساهمة في عملية التغيير التي كانت أهم مطالب الحراك الشعبي، وفعلاً انتدب كبار الضباط أنفسهم في أخذ زمام الأمور العسكرية والأمنية وإصدار قرارات مهمة في إزاحة الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، وفي اعتقال الرئيس السوداني عمر حسن البشير.

كلا الدورين انطلقا على أساس تلبية مطالب الحراك الشعبي ومواد الدستور المعترف به والمصادق عليه شعبياً، باختلاف الظروف والدوافع بين الطرفين، الحراك والعسكر، وقد يكون دور العسكر التفافاً مسبقاً لتأطير الحراك الشعبي ومحاصرته واحتواء تبعاته. وهو ما جرى فعلياً في أكثر من بلد عربي، بعد الحراك الشعبي والبروز في المشهد السياسي كطرف محايد من جهة ومؤيد للتغيير من جهة أخرى ومتمكن من زمام الأمن والأمور العامة من جهة ثالثة، وربما غيرها وفق قدراته وارتباطاته وولائه وحتى تأثّره بالضغوط والمؤثرات الخارجية أو الإقليمية المتداخلة في ساحة الصراع، علناً أو سراً، مع كل التحفظات المعروفة في التزامات العسكر المعلنة. ثم إن من الإيجابيات التي تحسب للقوات المسلحة ما يكمن في طبيعة تركيب القوات المسلحة اجتماعياً في أغلب البلدان العربية، إذ تعبّر عن التجسيد العملي للوحدة الوطنية أو الهيكلية العامة لمكونات الشعب وألوانه وأطيافه. بحكم الخدمة الإلزامية التي تفرض الانتساب لها إجبارياً بعد عمر زمني محدد من كل المكونات والطبقات الاجتماعية، وبهذا فهي كقوات مسلحة، القوة الوحيدة رسمياً التي تملك القوة المسلحة والتنظيم التراتبي والتصنيفات التي تميز طبيعتها عن غيرها من المنظمات أو الأحزاب أو الهياكل الرئيسية في الدولة. ومن طرف آخر أو في الوقت نفسه تتعرض القوات المسلحة في هذه البلدان خصوصاً لضغوط كبيرة وتغيير ولاءاتها الاساسية، فتعقد لها الدورات الخاصة والتدريب الموجه، لا سيما لكتلة الضباط الشباب من ذوي الرتب الصغيرة والمتوسطة، وتغرى الكبيرة بالامتيازات وصفقات التسلح والعمولات المرتبة سلفاً لها. وقد دخلت القوات المسلحة في فترات معينة بتسميات مورّدي الأسلحة والتدريب عليها، من جهة، والتنافس بين النظامين الدوليين المتحكمين سابقا في العالم، من جهة اخرى، أو بلدان الاستعمار القديم، وظل كذلك حتى بعد استفراد الولايات المتحدة الأميركية في النظام العالمي. بمعنى أن القوات المسلحة في البلدان العربية لم تكن صافية في التزاماتها الوطنية ودورها الرئيس في حماية الاوطان وخدمة الشعب دائماً وارتباطاً مصيرياً.
تطورات الحراك والعلاقة مع القوات المسلحة، أو قياداتها المتنفذة تموّجا عبر فترات الصعود والهبوط وتغييراتهما، وتمكنا في الفترة الاخيرة من إبعاد القوة العسكرية عن الحسم والسيطرة على السلطة، ولكن غريزة القوة دفعت إلى الصدام الدموي، كما حصل في السودان، أو الاعتقال والحجز كما جرى في الجزائر. وظلت خيوط التواصل والتدخلات الخارجية مستمرة لصالح الحراك أو ضده، حتى الوساطة أو النصيحة، ورغم أن البلدين أفريقيان جغرافياً، الا أن قوة التدخل الأفريقي في السودان مثلاً أكبر بكثير من الجزائر، والوساطة والحوار والإجراءات أعطت أُكُلها لحد اليوم.
مع أن العسكر في السودان الذين اعتقلوا الرئيس السوداني عمر البشير وزعموا التزامهم بأهداف الحراك الشعبي ظلوا محافظين على ارتباطاتهم بجهاز الدولة العميقة للبشير، فهم واقعياً أبناء قيادته وتدربوا وتقدموا عسكرياً في ظله وظل الولاء له، وقاموا بتنفيذ خططه ومشاريعه وبرامجه السياسية والأمنية وغيرها ممّا عرفوا به تاريخياً، حتى المجازر الدموية ضد أبناء الشعب، وهذه وقائع تاريخية لا يمكن إنكارها أو التهرب منها. كما هي الحال في غير السودان، أو في الجزائر بشكل أو بآخر أو بمستوى ما من مستويات التنفيذ والادعاء بحفظ الأمن وحراسة الدولة.
وبعد الاحتجاجات واعتقال الرئيس في السودان، لم تخرج المجموعة العسكرية من رهاناتها التي مكّنتها عسكرياً وسياسياً، وزادت من تمسّكها بسيف السلطة والالتفاف على أهداف الحراك الشعبي، بل وقدمت نموذجاً عملياً في تنفيذ مجزرة المتظاهرين المدنيين السلميين، وكشفت وثائق مصورة بثتها وكالات وفضائيات إخبارية عالمية أن مذبحة المتظاهرين السلميين في السودان، الشهر الماضي، كانت بأمر من الحكام العسكريين في البلاد، وأن المسؤول الأول عن المذبحة هو الجنرال حميدتي، قائد ما يعرف باسم «قوات الدعم السريع»، وهي في الأساس ميليشيا مكوّنة من «جنجويد». وأوضحت روث ماكليان، مراسلة صحيفة «الغارديان» البريطانية في غرب أفريقيا، أن البرنامج الوثائقي لقناة «بي بي سي» قام بتحليل أكثر من 300 فيديو سجلها المتظاهرون على هواتفهم المحمولة يوم فضّ الاعتصام، وتضمنت شهادات من جنود أقرّوا بأنهم شاركوا في فضّ الاعتصام أمام مقر الجيش في العاصمة الخرطوم. وأعطت الصور الموثّقة شهادة لا يمكن إنكارها لوحشية عسكر البشير ومجرمي حروبه الأهلية والمجازر التي سجلت في صفحات حكمه، والتي دفعت الحراك الشعبي الى التحدي والمواجهة وإعلان الغضب الشعبي وضرورة التغيير ومحاكمة المجرمين. وعلى هذا الأساس رفض الحزب الشيوعي السوداني مشاركة أعضاء المجلس العسكري في الحكم، وحمّلهم مسؤولية ما تمّ من مجازر وجرائم ضد الإنسانية، كما جرى في فضّ الاعتصام أمام مقر قيادة الجيش في الخرطوم يوم 3 حزيران/ يونيو الماضي. (والحزب الشيوعي هو أكبر أحزاب تحالف «الإجماع الوطني» المنضوي تحت قوى «إعلان الحرية والتغيير»). وقد وافقت القوى مؤخراً على الوساطة الأفريقية والإثيوبية، وصرّح مصدر مطّلع في قوى إعلان الحرية والتغيير السودانية بأن «اللجنة السامية لصياغة الاتفاق مع المجلس العسكري سلمتنا نسخة من الاتفاق لمراجعتها قبل المصادقة عليها». وأعلن الوسيط الأفريقي محمد الحسن ولد لبات اتفاق المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير «اتفاقاً كاملاً على الإعلان السياسي المحدّد لهيئات المرحلة الانتقالية كافة». وأوضح لبات أن «الطرفين اجتمعا في دورة ثالثة من المفاوضات، في جوّ أخويّ وبنّاء ومسؤول». وأعلن المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير، في 5 يوليو/ تموز، التوصّل إلى اتفاق لتقاسم السلطة خلال فترة انتقالية تقود إلى انتخابات. وما زالت الحوارات متواصلة.
أما في الجزائر، فما زالت الأحوال مستمرة، بين تظاهرات شعبية احتجاجية وخطابات قائد أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح، وما زالت الشعارات والأهداف المطلبية قائمة. تلخص المطالب برحيل رموز نظام بوتفليقة، وأخرى تصرّ على ضرورة إعطاء الكلمة للشعب وفق المادتين السابعة والثامنة من الدستور، وهناك من رفع وردّد شعار «دولة مدنية وليس عسكرية»، الذي كان قائد أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح هاجمه بشدة في خطابه الأخير. ومن بين كلماته يجري تشديد الإجراءات الأمنية ومحاصرة التظاهرات الشعبية المتوسعة أسبوعياً. الا أن ثمّة ما يفيد بتناغم بين القوات المسلحة وحراك الشارع واجتماعات قوى المعارضة التي تختلف عمّا في الخرطوم من تجمع منتظم وقوى فاعلة منوّعة معبّرة عن الشارع وحراكه.
تختلف الصور والوقائع حالياً، لكن القوات المسلحة لم تختلف كثيراً عن طبيعتها العسكرية وممارساتها المعلومة في فرض «انقلابها» العسكري كحل للأزمات والتطورات. وتظل العلاقات بين الطرفين متشابكة وتتطلب الانتباه والوعي بالأهداف والمطالب الشعبية المرجوة والمنتظرة، وإيقاف أفكار «الانقلاب العسكري» وحكم العسكر، الذي لن يكون البديل الوطني الديمقراطي للمجتمع والحكم المدني وتعزيز ثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان وحكم القانون والمواطنة والعدالة الاجتماعية.
* كاتب عراقي