مرّ أكثر من 50 يوماً على إضراب أساتذة الجامعة اللبنانية، وثمة كثير من التفاصيل والمواضيع والأرقام غير الواضحة لجزء من الرأي العام، خصوصًا أبناء الجامعة، بدءًا من الحديث عن ميزانية الجامعة، مرورًا بمطالب الأساتذة وصولًا إلى تهديد العام الجامعي وغيرها، لذا سأحاول شرح ما يمكن منها بالتفاصيل والأرقام.


أولا: عن ميزانية الجامعة وكذبة اقتطاع 40 مليار ليرة منها
إنّ انخفاض ميزانية الجامعة حوالى 40 مليار ليرة لا يعني أنّ ثمة اقتطاعاً لحق الجامعة بهذه القيمة، لأنّ حوالى 36 ملياراً من هذا الانخفاض هي مصاريف زالت ولم تعد موجودة، تنقسم بين أساتذة الجامعة الذين خرجوا إلى التقاعد، ومعاشات أساتذة الكفاءة ـــ وهم أساتذة تعليم ثانوي كانوا يخضعون للتدريب لمدة سنة تسمّى سنة الكفاءة، وهي سنة يدرسها الناجحون في وظائف التعليم الرسمي، تحت إشراف كلية التربية في الجامعة اللبنانية بعد نجاحهم في امتحانات الخدمة المدنية ـــ فبعد إنهاء هذه السنة تعود معاشاتهم إلى ملاك وزارة التربية، وتنقطع أي علاقة للجامعة اللبنانية بمستحقاتهم المالية.
يبقى حوالى 3 مليارات ليرة ونيّف، وهي تمثل 10% من مساهمة الدولة في ميزانية صندوق تعاضد أفراد الهيئة التعليمية في الجامعة اللبنانية (10% من مساهمة الدولة في الميزانية وليس من ميزانية الصندوق ككل لأنّ تمويل الصندوق لا ينحصر بمساهمة الدولة)، هذا هو الاقتطاع الوحيد من مكتسبات الأساتذة، وهو حتمًا مرفوض في أصله. على أنّ هذا الاقتطاع سينعكس على الأساتذة من خلال خفض 15% من المنح الدراسية التي ينالونها. ولمن لا يعرف ما هي المنح الدراسية، فهي البدلات المالية التي يتقاضاها كل موظفي الدولة (وجزء من موظفي القطاع الخاص يأخذون نظيراً لها من مؤسساتهم) ومن ضمنهم أساتذة الجامعة اللبنانية بدل أقساط مدرسية وجامعية يدفعونها عن أولادهم. هذا الخفض في المنح الدارسية ـــ هو مرفوض في أصله كما ذكرنا ـــ لم يلحق بأساتذة الجامعة اللبنانية وحدهم بل بكل المنح الدراسية لكل الصناديق خارج تعاونية الموظفين، من ضباط وعسكريين وقضاة وغيرهم وبالنسبة نفسها. يعني أنّه خفض شبه شامل ولا يستهدف الأساتذة وحدهم، وهنا النقطة المركزية. يطرح البعض حل هذه المشكلة عبر الاستمرار في حُسن حوكمة الصندوق، الأمر الذي أدى في السنة الماضية إلى نيل الأساتذة زيادة بنسبة 8% على المنح الدراسية.
إضافة إلى ما سبق، ثمة العديد من النقاط التي يمكن البحث فيها بخصوص المنح الدراسية، منها سقفها بالنسبة إلى من يتعلمون في الجامعات الخاصة (ما ينطبق هنا على أساتذة الجامعة اللبنانية ينطبق في كثير من الحالات على غيرهم من موظفي الدولة) لكنّ خصوصية الأساتذة المتفرغين تكمن في أنّ أبناءهم يتمتّعون بأسبقية على غيرهم من المتقدمين إلى بعض كليات الجامعة اللبنانية، وهذا حق قانوني وأخلاقي لهم ما داموا قد خدموا الجامعة (على سبيل المثال تخوّلهم علامة 12/20 في امتحان الصيدلة، والطب وطب الأسنان حق أنّ يُقبلوا، و10/20 في كلية الفنون)، فلماذا يجب دفع منح دراسية مرتفعة تصل إلى 13 مليون ليرة عن كل ولد، ما دامت هذه الاختصاصات موجودة ورائدة في الجامعة اللبنانية؟
في الخلاصة، نصرّ على أن المس بالتقديمات الاجتماعية لصندوق تعاضد الأساتذة مرفوض، لكن، ما دام هو شبه شامل لكل القطاع العام، وما دام لن يتبعه أي تخفيض في السنوات المقبلة ـــ وهو ما سنفصّله أدناه ـــ فهو لا يستدعي الإضراب المفتوح، وزد على ذلك أنّ أي استثناء لهم في هذا الصدد يعني تمييزهم عن أغلب القطاع العام في تحمّل أعباء الأزمة المالية الاجتماعية من دون أي مبرر.

ثانيًا: في معاشات الأساتذة
حيث إنّه تأكد عدم المس بمعاشات القطاع العام، ومن ضمنها معاشات الأساتذة (بغض النظر عن السبب الذي منع هذا المس، هل هو الإضراب أو حسابات أخرى؟)، فإنّ السبب الوحيد الذي كان يبرر الإضراب يعتبر منتفيًا.

ثالثًا: في خصوص تهديد صندوق تعاضد الهيئة التعليمية في الجامعة اللبنانية
إنّ طرح دمج الصناديق الضامنة، ومن بينها صندوق تعاضد الجامعة اللبنانية، وفق ما عرضته خطة «مكينزي»، قد سقط بعد أن تلقّى الأساتذة مرارًا من وزير المالية التأكيد بعدم المس بهذا الصندوق وعدم دمجه، كما أنّ الوزير أكد حذف كلمة «تدريجيًا» من نص الموازنة فيما يخص تقديمات صندوق الجامعة، والتي كانت تؤشر إلى خفض تدريجي لتقديمات الصندوق في السنوات المقبلة، ما يعني انتفاء التهديد على الصندوق وتقديماته، وانحساره بالخفض على المنح الدراسية الذي تكلمنا عنه آنفًا.
واستطرادًا، فإنّ هذا الطرح ـــ دمج الصناديق ـــ ليس متعلقًا بموازنة 2019 الجاري بحثها، بل يعود إلى موازنة السنة المنصرمة، فلمَ السكوت عنه سابقًا وإعادة إثارته الآن رغم تلقّي كلّ الوعود، ورغم كل التهديد الذي يلحقه الإضراب بـ8 آلاف طالب؟

رابعًا: في الثلاث درجات
من بين مطالب الأساتذة زيادة 3 درجات على معاشاتهم، أي حوالى 600 ألف ليرة، بدل غلاء معيشة وأسوة بما تحصّل عليه القضاة، على اعتبار أنّ الفئتين لم تشملهما سلسلة الرتب والرواتب التي أُقرّت عام 2017. صحيحٌ أنّ الأساتذة والقضاة كانوا في موقع قانوني واحد وكان ينبغي على السلطة السياسية إعطاء الفئتين الزيادة أسوة بغيرهم من الموظفين في القطاع العام، لكنّ ومع عدم حصول الأساتذة قبل سنتين على هذه الزيادة، فأي تحليل عقلاني وواقعي يقبل في هذه المرحلة بالإضراب من أجل زيادة معاشات بعض الموظفين في القطاع العام في نفس الموازنة التي شهدت طرحًا حقيقيًا لخفض معاشات كل الموظفين في القطاع العام؟

يحاول بعض الأساتذة إظهار قرار العودة إلى الإضراب المفتوح انتصارًا نقابيًا على السلطة السياسية


إنّه طرح غير عقلاني وغير قابل للتحقق في الظروف الحالية، خصوصًا أنّ مداخيل الأساتذة المتفرغين في الجامعة متوسطة وما فوق، تبدأ من أربعة ملايين ليرة بحدها الأدنى، أي إنّ هذه الزيادة لن تؤثر على مستواهم الاجتماعي.

خامسًا: عن الضغط على الأساتذة والضغط على الجامعة
يحاول بعض الأساتذة إظهار قرار العودة إلى الإضراب المفتوح انتصارًا نقابيًا على السلطة السياسية ـــ يحتاج الحديث عن العمل النقابي في لبنان منذ ما بعد الحرب إلى مطولات ـــ والقول أيضًا بأنّ الأساتذة الذين أيّدوا فك الإضراب انصاعوا للضغط السياسي. لكنّ الحقيقة تكمن في أنّ جزءًا من الأساتذة كانوا منذ البداية ضد الإضراب حتى قبل أن تُحدد بعض المكاتب التربوية رأيها في الأزمة ـــ تأخرت بعض المكاتب التربوية للأحزاب في إعطاء مواقف حاسمة بشأن رأيها، حرصًا على بعض الأساتذة، فخسرت الطلاب ـــ فكيف نقول إنّ الضغط السياسي هو السبب في

تغيير رأيهم وهو نفسه منذ البداية؟
إنّ الإضراب الحالي المفتوح هو ضغط على الجامعة، وهو نزف للطلاب لمصلحة الجامعات الخاصة، ونزف لأدمغة الأساتذة المتعاقدين نحو جامعات السياسيين الخاصة. الإضراب المفتوح هو ما يخدم السياسيين وليس العكس.

سادسًا: حول تهديد العام الجامعي
يؤكد داعمو الإضراب حرصهم على عدم تضييع العام الدراسي بالنسبة إلى 80 ألف طالب، وأنّ الجامعة ليست في خطر. لكنّ الواقع لا يؤيد ذلك، فالإضراب قطع الفصل الدراسي في نصفه، وقبل إجراء الإمتحانات النصفية لبعض الكليات، فكيف يمكن إكمال المنهاج وإجراء الإمتحانات النهائية وإصدار النتائج قبل نهاية تموز؟ مع العلم بأنّ عطلة الموظفين السنوية هي شهر آب، ولا يمكن إجبارهم على الحضور في هذا الشهر، وخصوصًا أنّهم يداومون منذ بداية إضراب الأساتذة بشكل طبيعي، كما أنّ جزءاً كبيراً منهم قد حجز تذاكر سفره وعائلته للإجازة الصيفيّة. أما إكمال التعليم في أيلول فهو غير ممكن غالبًا، لأن الدورة الثانية في كثير من الكليات تجرى عادة في هذا الشهر، كما أنّه الموعد لإجراء جزء كبير من امتحانات الدخول إلى الكليات، والإعداد لمقابلات الدخول إلى الدراسات العليا.
متى إذًا سيتم إكمال العام الدراسي؟ وإلى متى سيبقى هؤلاء يكابرون ويدّعون إمكانية إكماله؟ أصلًا ما هي أفق الإضراب وما هي خطته؟ وهل يُفَكّ إذا رفع الحسم عن صندوق التعاضد فقط؟ فأين تكون عندها قد ذهبت الشعارات الرنّانة التي بُثّت لاستمالة بعض الطلاب المُحبّين لجامعتهم؟

سابعًا: الجامعة اللبنانية في خطر وجودي
في غضون الإضراب الحالي، انتقل حوالى 40 طالباً من أحد فروع كليات الجامعة اللبنانية دفعة واحدة، وضمن الصفقة ذاتها، إلى إحدى الجامعات الخاصة، بعد تعديل أغلب موادهم وبعد إعطائهم مِنَحاً مرتفعة! كما انخفض عدد المتقدمين إلى مباريات الدخول إلى الجامعة اللبنانية بشكل كبير، فلم يتقدم مثلاً ـــ حتى الآن ـــ إلى الكلية الزراعية إلا حوالى 70 طالباً، بينما يتراوح الرقم عادة بين 500 و 600 طالباً، أما أرقام المتقدمين إلى امتحانات الدخول فهي منخفضة بشكل ملحوظ!
في غضون الإضراب الحالي أيضًا ارتفع بشكل هائل عدد إفادات العلامات المطلوبة من الجامعة اللبنانية عن الفصل المنصرم والسنوات السابقة، بعد أن تلقّفت «دكاكين» الجامعات الخاصة الإضراب من أجل استقطاب طلاب الجامعة اللبنانية.
وعى المضربون أم لم يَعوا، فإن كل ما سبق ذكره لا يصبّ في مصلحة الجامعة ولا في مصلحة الـ80 ألف طالب ولا آلاف الأساتذة، بل في مصلحة الجامعات الخاصة ومن يملكها ـــ وأغلبهم من السياسيين ـــ كل ما سبق يعني ضرب مستوى الجامعة وشهادتها، كل ما سبق يعني تحقّق خطر وجودي على الجامعة اللبنانية!

* كاتب حقوقي