لا يهدأ جبران باسيل. هو في حركة دائمة، وفي الحركة لا تكمن «البركة» بالضرورة—على عكس المثل الشعبي. وهو لا يعترف بحدود في المعرفة أو في الصلاحية: يحكم في وزارة الخارجيّة كأنه وزير البلديّات وتولّى وزارة الاتصالات كوزير لعدد من الوزارات، ويحضر مجلس الوزراء كأنه هو رئيس الجمهوريّة. تعترف له أنه—خلافاً للوزراء والنوّاب الكسالى—يدرس ملفاته في بلد يترأس كتلة نيابيّة وازنة رجلٌ ورث الزعامة الإقطاعيّة من دون أن ينجح في تركيب جملة مفيدة واحدة منذ انتخابه. ويصعب على باسيل رؤية زعامته كما يراها غيره: أي إن المصاهرة أوصلته إلى السلطة، لا العكس. ومشروع باسيل لم يكن واضحاً في البداية، إذ إنه كان متستّراً بثنايا من الحسابات وبدايات تحالفات وتكيّف العائد مع ظروف لبنان. سلطة باسيل تعزّزت عبر السنوات إلى أن أصبح رئيس كتلة «التيّار» والناطق الرسمي والوحيد باسم الرئيس—بعلم الرئيس أو بدون علمه (لكن لا يمكن التشكيك في ثقة ميشال عون به).

لكن هناك جبران باسيل جديد. لقد تغيّر باسيل، أو قل إنه توضّح وتبدّى أكثر، بعد وصول ميشال عون للرئاسة. والقول إن عون وصل إلى الرئاسة بحكم تحالفه مع حزب الله هو بديهيّة سياسيّة، لكن الحسابات الطائفيّة لباسيل باتت تنفي ذلك، وتضع دعم حزب الله لترشيح عون بمرتبة دعم «المستقبل»، كأن الدعم الثاني كان ممكناً من دون الدعم الأوّل الذي جمّد الحياة السياسيّة للبلاد من أجل فرض مرشّح واحد، لا غير. وفي الإعداد لترشيح عون، كان باسيل كما باقي أقطاب «التيّار» يعبّرون عن امتنانهم للدعم القوي للحزب، أو عن دين يقابل ديْن وفاء «التيّار» للمقاومة في حرب تمّوز. لكن باسيل قرّر بعد وصول عون إلى الرئاسة أن طريقه هو إلى الرئاسة تتطلّب بناء زعامة طائفيّة، لأنه يرى أن بناء زعامة طائفيّة مسيحيّة يمكن أن يجعله «الزعيم القوي». وقع باسيل في فخّ نصبه لنفسه: إذ إن تسويق ترشيح ميشال عون للرئاسة كان بحجّة أنه الأقوى بين المسيحيّين، ما يفرض على أي مرشّح ماروني آخر للرئاسة في المستقبل أن يكون نقيض ميشال سليمان، أي أن يكون صاحب الكتلة الأكبر في مجلس النوّاب اللبناني. لكن باسيل لا يفصل بين عناصر القوّة التي يجلبها ميشال عون لـ«التيّار» وبين عناصر القوّة التي يجلبها هو. وهذه العناصر لا تعتمد فقط على الجدّ أو على الإلمام بملفّات كثيرة (وهذه مميّزات باسيل) إذ إنها تعتمد أيضاً على التاريخ والرصيد والكاريزما (وهذه عناصر يفتقر إليها باسيل). وزعامة «التيّار» في تناقص اقتراعي عند المسيحيّين، في مقارنة بين نتائج انتخابات ٢٠٠٥ والانتخابات الأخيرة، و«القوّات اللبنانيّة» هي المستفيدة من تناقص شعبيّة «التيّار»، وإن كان من المشكوك فيه أن جعجع سيرث زعامة شخص انطلق في مقارعة ميليشيا جعجع وجرائمها. يمكن لمناصري عون أن يلزموا منازلهم من دون الاقتراع لباسيل أو لجعجع في المستقبل. لكن باسيل يحاول أن يزيد من شعبيّة «التيّار» الطائفيّة عبر الاستعارة من خطاب الانعزاليّة اللبنانيّة ومفرداتها أيّام الحرب.
لكن باسيل قطعَ بأنه لن يبني زعامة وطنيّة، أو أن يستفيد من التحالف الوثيق الذي عقده حسن نصر الله وميشال عون في ٢٠٠٦. والتيّار الذي وعد بعد عودة ميشال عون إلى لبنان في ٢٠٠٥ بأنه سيبنى حزباً وطنيّاً لا طائفياً تحوّل بسرعة إلى حزب طائفي مسيحي—لا يختلف عن باقي الأحزاب السياسيّة الطائفيّة من «حزب الله» إلى «أمل» إلى «القوّات» إلى «المستقبل» إلى «الكتائب» (وإن كان الحزب الأخير بات في طور الاحتضار). خطب ميشال عون في قصر بعبدا في الردّ على اتفاق الطائف في ١٩٨٩ كانت تراوح بين خطاب وطني شكليّاً إلى خطاب طائفي يتحدّث عن حقوق الموارنة وصلاحيات رئيس الجمهوريّة. أما باسيل فقد أوقف محاولة البروز بصورة وطنيّة لا طائفيّة ودخل لعبة التنافس مع أبشع نماذج الطائفيّة المسيحيّة في تاريخها، أي «القوّات» و«الكتائب». لكن إذا كان «التيّار» يريد أن يصبح «قوّاتاً» أخرى، فماذا يبقى من مبرّر لوجوده؟ الفرد الذي يتبع المشروع الطائفي العنصري لـ«القوّات»، ألا يرضيه الأصل أكثر من البديل؟
اختطَّ باسيل لنفسه مشروعاً خطيراً منذ أن وصل ميشال عون إلى الرئاسة اللبنانيّة. هو يقود «التيّار» في اتجاه انعزالي يميني رجعي مع المحافظة على تحالفه مع «حزب الله» (لكن هذا التحالف سيصطدم لا محالة في لحظة ما مع اتجاه «التيّار» الباسيلي). كانت مواقف باسيل رمزيّة وبرنامجيّة لأخذ التيّار في وجهة أخرى. لم يكن «التيّار» في جذوره تقدميّاً، لكنه كان متنوّعاً: إذ حوى في بدايات الحركة العونيّة الخارجين عن طاعة سمير جعجع (وبعضهم أتى من رحم «القوّات» أو «حرّاس الأرز» أو «الأحرار») كما حوى من ضاق ذرعاً بالمسالك والجرائم الميليشويّة. لكن باسيل طهّر «التيّار» في السنوات الأخيرة، وأخرج منه العناصر الأكثر انفتاحاً والأكثر تقدميّةً والأقلَّ طائفيّة. لم يكن خذلان شربل نحّاس عفويّاً، بل نمَّ عن حدود معركة «التيّار» ضد «المستقبل»، والقول إن صفقة سياسيّة ما تستطيع أن تدفن «الإبراء» إلى الأبد. كما أن باسيل عزّز تحالف «التيّار» مع رأس المال، وهذا يتماشى مع البرنامج الاقتصادي الأوّل لـ«التيّار»، والذي قال عنه جوزيف سماحة إنه على يمين الحريريّة.

انطلاق زعامة مارونيّة متعصّبة في نموذج الباسيليّة يصلح لزمن الحرب الأهلية لا لزمن السلم


باسيل يقامر بأن المزايدة في محاكاة تجارب زعامات مارونيّة انعزاليّة سابقة مثل كميل شمعون أو بيار الجميّل أو بشير الجميّل تكفي لإيصاله إلى الرئاسة عبر الإمساك بإرث ميشال عون وتوسيعه لو أمكن. لكن تصعب مقارنة تجربة باسيل بالتجارب السابقة: عقد مؤخراً حازم صاغية في «الشرق الأوسط» (الناطقة باسم محمد بن سلمان) مقارنة بين باسيل وكميل شمعون وبشير الجميّل، وخلاصة مقالته أن باسيل يمكن أن يكون مفيداً وأن تكون طائفيّته محمودة لو أنه شنَّ حملة ضدَّ سلاح مقاومة إسرائيل (أليس جميلاً الانتقال الرشيق للكتّاب الليبراليّين من صحيفة أمير سعودي إلى صحيفة أمير سعودي آخر؟). زعامة شمعون انطلقت من رحم المواجهة المسلّحة مع أعدائه من المسلمين والمسيحيّين ومع المدّ العروبي آنذاك، أما تجربة بشير الجميّل فانطلقت من حرب وحشيّة شنّها ليس فقط ضد المخيّمات الفلسطينيّة، بل ضد المسلمين كمسلمين (سنةً وشيعةً من دون تفريق يومها)، أي إن انطلاق زعامة مارونيّة متعصّبة في نموذج الباسيليّة يصلح لزمن الحرب الأهلية لا لزمن السلم. كانت زعامة بيار الجميّل قبل الحرب بعيدة عن المسار العام ويُنظر إليها من الطرف الإسلامي والمسيحي على أنها مرتبطة بظاهرة التسلّح والتطرّف. لكن الحرب تجعل من التطرّف مساراً عامّاً مقبولاً—لا بل ضروريّاً—لكلا الطرفيْن: للطرف الذي يريد ان يحافظ على الوضع القائم والطرف الذي يريد أن يقلبه رأساً على عقب. لكن باسيل يريد أن يكون زعيماً متطرّفاً وفتنويّاً في زمن السلم، وليس لديه من رصيد القتال الذي لخصمه سمير جعجع. أي إن جعجع يعوّض عن انعدام الكاريزما وسحر الشخصيّة برصيد القتال في الحرب: والمخيّلة المسيحية الطائفيّة نسجت عن تجربتها في الحرب سرديّة بطوليّة أين منها سرديّة تقدّم الجيش الأحمر نحو برلين (هي مثل سرديّة أكرم شهيّب ورجاله في موقعة ٧ أيّار في الجبل).
بدأ باسيل بالاستعانة ببشير الجميّل: هو قرّرَ ان محاكمة الشرتوني هي من ضرورات الأمن القومي، مع علمه بأن هذه محاكمة لم يخض فيها أمين الجميّل. ولم يكتفِ باسيل بالمحاكمة الصوريّة، بل هو زاد عليها، وقرّرَ حضور مهرجان تكريمي لبشير الجميّل الذي تناقضت مسيرته وارتهانه بالكامل للعدوّ الاسرائيلي مع المشروع الذي ينطلق منه حليفه الشيعي. ويعلم باسيل أن لا إجماعَ على بشير الجميّل في لبنان، بل هناك انقسام عميق: لا يرفض الجميّل المسلمون وبعض المسيحيّين أيضاً، بل إن أكثر من يرفض الجميّل هو عتاة العلمانيّين اللبنانيّين من قوميّين (عرب وسوريّين) ويساريّين، أي إن باسيل يحصر خطابه بجمهور طائفي محض لا يهتمّ بتخطّيه. لكن معضلة باسيل أن خطابه يصلح لمن يقود البلاد نحو حرب أهليّة: شمعون في ١٩٥٨ أو بيار الجميّل في أواخر الستينيّات أو بشير الجميّل في سنوات الحرب. ما هي خطة باسيل؟ هناك من يقود البلاد نحو الفتنة الأهليّة عن قصد (مثل مخطط الكتائب في الستينيّات)، وهناك مَن يمكن أن يشعل فتنة أهليّة عن عبث أو طيش أو عدم التبصّر. لا يمكن الافتراض أن باسيل يريد أن يقود البلاد نحو الحرب الأهليّة، لكن مخطط بناء زعامته ينحو بالبلاد نحو حافة الهاوية - هاوية الفتنة الأهليّة (وليس صدفة أن خطابه السياسي الأخير استفزّ الدروز والسنة والشيعة والعلمانيّين على حدّ سواء، ودفع بـ«القوّات» و«الكتائب» إلى المزايدة عليه في العنصريّة ورفع لواء «حقوق المسيحيّين»).
ولم يكتفِ باسيل باستجلاب نموذج بشير الجميّل (الذي انتهى بخسارة المسيحيّين لمعظم امتيازاتهم السياسيّة) بل زاد على ذلك في زيادة حدة خطابه الطائفي ومحاولة إعادة نقاش الطائف عن جديد—من قبله هو فقط. يحق لباسيل الاعتراض على جنبلاط والحريري الأب لأنهما انتزعا عنوةً تمثيل المسيحيّين في زمن سيطرة النظام السوري في مجلس النوّاب ومجلس الوزراء (وبمباركة من النظام السوري) لأن ممثليهم كانوا أكثر مطواعية للنظام السوري من الذين يختارهم المسيحيّون آنذاك بملء إرادتهم. لكن باسيل يتعامل مع حقه في التعيين والتمثيل، وفي احتكار التعيين دون غيره من الممثّلين المسيحيّين في النظام، على أنه ضروري للرفع من شأن زعامته الطائفيّة. هو يفتح ملف الطائف الذي لم تكن الحركة العونيّة في زمانها موافقة عليه. لكن «الطائف» لم يكن وليد ساعته أو أنه نتاج لمفاوضات غير ماهرة من قبل ممثّلين مسيحيّين. هو أتى نتيجة اختلال كبير في ميزان القوى (الديموغرافي والسياسي والعسكري بين أطراف الحرب الأهليّة، وفي صالح المسلمين والمعادين للمشروع الانعزالي). ونبش الطائف سيؤدّي في لحظة توافق سنّي—شيعي إلى إنقاص الحصّة المسيحيّة، خصوصاً أن المناصفة هرطقة غير ديموقراطيّة ولا تتوافق مع «التمييز الإيجابي» في عدد من الدول. التمييز الإيجابي هو عندما تقوم الدولة بدفع موقع فئة عرقيّة أو إثنيّة أو جندريّة معيّنة لتعويضها عن إجحاف وظلم تاريخيّين. التمييز الإيجابي (أو كوتا الـ٥٠٪ للمسيحيّين في دولة تنفر من كوتا نسائيّة) في لبنان جاء لصالح فئة طائفيّة تمتّعت بامتيازات سياسيّة، وهذه سابقة يجب إبطالها. هذا التمييز الإيجابي هو سمة من سمات نظام الـ«أبرثايد» الاسرائيلي، ويترافق مع إيمان عند معتنقيه بتفوّق نوعيّة فريق مقابل دونيّة كميّة فريق آخر (زلّ لسان عدد من فرقاء ١٤ آذار بعد اغتيال الحريري في النطق بهذا الخطاب، على طريقة صهاينة فلسطين). وباسيل ينسى أن استثارة عصبيّة واحدة تثير عصبيّات طائفيّة تستطيع لو توافقت أن تعيد صيغة الطائف بصورة أكثر انحيازاً لطرفهما، وهذا سيكون ضد مصلحة ما يُسمّى «حقوق المسيحيّين».

خطاب الهوية
لم يكتفِ باسيل بالحديث عن الحصص المسيحيّة، لكنه استحدث خطاباً جديداً عن هويّة لبنان. المشرقيّة التي تأتي على لسانه غير موجودة في التوافق الوطني في الطائف، وهي قد تحتاج إلى جولة جديدة من الحرب الأهليّة، كما أن الحرب الأهليّة الأخيرة قضت، وإلى الأبد، على التشكيك في عروبة لبنان والترويج لهوية فينيقيّة أو طحينيّة. والطائف حسم الجدال حول الهويّة، فهل ان باسيل يحاول إعادة النظر في بنود الطائف جميعها؟ وعلى أي أساس؟ هل ان موازين القوى الطائفيّة تغيّرت عمّا كانت عليه في عام ١٩٨٩؟ وحماسة باسيل لاقتراع المغتربين (هل يظن باسيل أنه اجترح مصطلحاً جديداً في العلوم السياسيّة عندما استبدل صفة المغتربين بـ«المنتشرين»؟ ماذا يعني بالمنتشرين؟ أن بلادهم الأصليّة نشرتهم، كما ننشر الغسيل، في مهمّة سياسيّة للترويج للسياحة «الدينيّة» التي يهتم بها كثيراً؟) ويروّج باسيل لرقم خرافي عن ١٤ مليون منتشر لبناني حول العالم، فيما أتت نتائج الانتخابات النيابيّة مخيّبة بأي مقياس، مع أنه وضع صندوق اقتراع في غوادولوب. والانتخابات الاغترابيّة كانت طائفيّة الهدف والنتيجة، لأن نسب الاقتراع عند الشيعة في أميركا مثلاً كانت ضئيلة جداً، لأنه لم تتوافر لهم فرص التعبئة والتنظيم والحديث، لأن القانون الأميركي (كما قانون بعض الدول) يصنّف حزب الله—أكبر حزب لبناني على الإطلاق—تنظيماًَ إرهابياً). لم يكترث باسيل لهذا الشرط غير الديموقراطي الذي خيضت على أساسه الانتخابات، وأنفقت ضرائب الشعب عليها، لأنه ظنّ أنه يقدّم تعديلاً ديموغرافيّاً طائفيّاً لجمهوره، أي إن مشروع باسيل الطائفي متعدّد الأبعاد والعناصر.

عندما ثار اللاجئون الفلسطينيّون ضد ظلم الدولة في السبعينيّات اهتزّ النظام السياسي برمّته


لم يكتفِ باسيل بذلك، بل هو يبتدع اليوم حملة عنصريّة بغيضة ضد اللاجئين السوريّين. وروّاد الانعزاليّة الذين سبقوا باسيل خاضوا حملات مشابهة ضد اللاجئين الفلسطينيّين من قبل، لكنهم كانوا أكثر صراحة: إذ هم (زعماء الموارنة الذين تعاقبوا على حكم لبنان) عندما أمسكوا بكل مقدّرات الدولة، منحوا أوتوماتيكيّاً اللاجئين الفلسطيينيّن المسيحيّين الجنسيّة اللبنانيّة وحرموا الباقين أدنى الحقوق، بما فيها حق العمل في بلد ولدت فيه أجيال من أولادهم وأحفادهم. ولا يتورّع باسيل في تحذيره المستمرّ من خطر الوجود السوري عن التذكير بالوجود الفلسطيني، لكن من دون تحميل المسؤولية للطرف المسؤول عن وجوده، أي العدوّ الاسرائيلي ورعاته في الغرب. وهو مثل الخطاب الانعزالي في حقبة الحرب الأهليّة (درسته مارلين نصر في كتاب «الغرباء في خطاب لبنانيّين عن الحرب الأهليّة») يرى الخطر في الوجود من دون أن يشرح لماذا هذا الوجود بحدّ ذاته يمثّل هذا الخطر على لبنان، ولماذا هو وحده—أي جبران باسيل—يتبيّن هذا الخطر ولا يراه سواه، ولا حتى انعزاليّو الأمس؟ كاتب رجعي في موقع سياسي عربي (ذي تمويل أوروبي) تحدّث عن باسيل ونسب جذور عنصريّته إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي. لكن متى شنَّ الحزب السوري القومي الاجتماعي حرباً طائفيّة أو إثنيّة أو حملات تطهير عرقي في تاريخه؟ الكاتب اليميني أراد أن يحيّد الأصول الحقيقيّة لخطاب باسيل، وهم فرقاء الانعزال اللبناني الذين طبّقوا على الأرض عقيدتهم العنصريّة الطائفيّة عبر حملات إبادة وتطهير عرقي للمسلمين والفلسطينيّين والأكراد من «مناطقهم»—أي المناطق التي يمنع فيها التيّار الوطني الحر وغيره من جماعات اليمين الطائفي المسيحي في بيروت الشرقية وكسروان بيعَ أراض للمسلمين. لكن العقيدة الانعزاليّة هذه أدت في تطبيقاتها إلى تهجير المسيحيّين من الجبل، وإلى تحميل البلاد أكواماً من الأحقاد والضغائن التي زادت من تصميم أعداء الانعزاليّين على كسر شوكتهم. وإذا كان باسيل قد استعدى جماعات في الطوائف السنيّة والشيعيّة والدرزيّة، فعلى أي طريق سيقود نفسه نحو الرئاسة، أم انه يظنّ أنها ستنتقل إليه بسلاسة الانتقال في حكم السلالات الخليجية (وبعض الانتقال فيها غير سلس أبداً)؟
وضع باسيل بصفاقة على صفحته على فايسبوك شريط فيديو لأنصاره وهم يهتفون محتجّين أمام مطعم صغير يوظّف عمّالاً سوريّين. هذه حملة تبدأ بخطاب وتنتهي بقتل وجرح. وهذه الحملة اشتعلت عند انطلاق ثورة «بوش» اللبنانيّة في ٢٠٠٥ وأدّت إلى قتل وجرح واختفاء مئات من السوريّين (ليس هناك من إحصاء بعددهم إلى اليوم). وهذه الحملة ستخرج عن سيطرة باسيل، وقد تؤدّي إلى منازعات مسلّحة. فليتعلّم باسيل: لقد فرضت دولة فؤاد شهاب البوليسيّة حكماً جائراً ووحشيّاً على مخيّمات اللاجئين الفلسطينيّين في لبنان. وحملات منع التجوال التي تُفرض على مخيّمات النازحين السوريّين فرضت في الماضي على الفلسطينيّين. فماذا حدث في ما بعد؟ حمل الفلسطينيّون السلاح وثاروا على قامعيهم الذين ضربوا الرجال من دون سبب وتحرّشوا بالنساء في منازلهنّ. واللاجئون السوريّون في لبنان ورقة أميركيّة لا تتخلّى عنها بسهولة. وجبران باسيل (وزير الخارجيّة الذي يُفترض أن يقرأ في شؤون السياسة الخارجيّة أكثر من اهتمامه بسدود ومزارات في مناطق ذات صفة طائفيّة واحدة) أخطأ عندما زعم في لبنان أن موقف بومبيو من اللاجئين السوريّين تغيّر. لا، لم يتغيّر الموقف الأميركي من اللاجئين السوريّين. الموقف هو هو. أميركا ستمنع عودتهم إلى سوريا حتى إشعار آخر، وعليه أن يدرك ذلك. وحقهم في الحياة الكريمة، خصوصاً أن لبنان يجمع قروشاً على "ظهرهم" وهو يستفيد ماليّاً منهم أكثر ممّا يخسر بسببهم، يجب أن يكون محفوظاً، لكن خطاب باسيل لا عقلانيّة فيه. بات باسيل يتحدّث عنهم كما يتحدّث عتاة اليمين الغربي العنصري عن المهاجرين. باسيل استشهد قبل أيّام بجدار ترامب كمثال في التعامل مع المهاجرين. بقي أن يستشهد باسيل بجدار الفصل العنصري في فلسطين المحتلّة.
تمادى باسيل كثيراً في تطرّفه (وتطرّفه ليس شطحات أو نزوات، بل سياسات مُقرّرة ومدروسة، ما يزيد من خطرها) وهو خرق ثوابت في قوله إنه لا يكنّ أيديولوجيّة عداء ضد العدوّ لإسرائيلي (على ماذا اتفق مع حزب الله على المقاومة إذا؟). وهو استضاف أخيرا قطباً من أقطاب اللوبي الاسرائيلي في واشنطن، النائب إليوت إنغل، وذكّر بتحالف السنوات الخوالي. حاول باسيل استغباءنا عندما ردّ على النقد ضدّه بالقول إنه صحيح «أنه مؤيّد لإسرائيل». لا، الكل في الكونغرس مؤيّد لإسرائيل، لكن إنغل هذا قطب من أقطاب اللوبي، وهو أيّدَ وناصرَ وسوّغَ كل قصف إسرائيلي للبنان وسوريا وفلسطين على مرّ العقود. باسيل جالَ بهذا الرجل كأم العروس واحتفى به احتفاء الأبطال. وباسيل لا يرتدع بسهولة ولا يعتذر ولا يُقرّ بخطأ. باسيل يشحن الأجواء بين الطوائف والأحزاب، وهو يستفزّ يوميّاً اللاجئين السوريّين. وعندما ثار اللاجئون الفلسطينيّون ضد ظلم الدولة في السبعينيّات، اهتزّ النظام السياسي برمّته، واهتزّت منطقة الشرق الأوسط. إن عدد النازحين أكثر من ضعف عدد اللاجئين السوريّين، ولو ثاروا فستصيب لبنان هزّة أرضيّة. وهم باقون لأن أميركا تريدهم في لبنان، ولن يقنعها بغير ذلك خطب لباسيل أو تحويره تصريحاً لبومبيو.
إذا كانت المشاجرات على مواقع التواصل هي مؤشّر، فإن العلاقة بين جمهور «التيّار» وجمهور «الحزب» ليست على ما يرام. قد يحتاج صديق باسيل في تحالف «مار مخايل» إلى أن يصارحه بخطورة مواقفه. هل يرتدع باسيل؟
* كاتب عربي (حسابه على «تويتر» [email protected])