في الزمن الذي كانت فيه الولايات المتحدة الأميركيّة والرأسماليّة العالمية تحتفل بالانتصار على المعسكر السوفياتي وحلف وارسو، وتشعر بقوة لا تُضاهى، ما حمل فلاسفة السياسة أمثال فرانسيس فوكوياما، للحديث عن «نهاية التاريخ والرجل الأخير»، في منهج هيجلي، يكشف عن انتصار حاسم للنظام الرأسمالي الدولي، وهيمنته بواسطة العولمة ووحدة السوق، ونشر الحروب، وإدارة الغزو لجهات العالم من أجل نهب خيراتها، وتفتيت قواها وإخضاعها لقبول ما يُملى عليها في دفتر المصالح والقيم المتبادلة... كان أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله، يعلن من بنت جبيل أن العدو الصهيوني أوهن من بيت العنكبوت. مفاد هذا التباين بين قوة الأصل وهو أميركا والحلفاء الغربيين الرأسماليين وضعف الوكيل وهو الكيان الصهيوني، أن يهبّ الأصيل لدعم ومساعدة وإنقاذ الوكيل وهذا ما حصل. من خلال الغزو الأميركي لمنطقة الشرق العربي والإسلامي من الأطراف في أفغانستان إلى محيط القلب في العراق، إلى محاولة كسر القوة التي هزمت العدو في لبنان لتتم السيطرة على سوريا وبلاد الشام مع العراق، ويتم تطويق وحصار إيران ويكون غزوها درّة التاج، من أهداف قوات الغزو ومن أهداف العدو الصهيوني الذي بات يضع إيران، القوة الرئيسية في جدول الأعداء، ويجعل من أولى أهدافه، محاربة إيران وتشكيل جبهة تضمّ فيها بعض العرب والمسلمين من أجل هذا الهدف الثمين...

(مروان بو حيدر)

تلك كانت صورة الصراع في المنطقة في بداية الألفية الثالثة واستمرّت على حال توهجها حتى نشبت حرب تموز 2006 في لبنان. كان قد سبق عدوان 2006 محاولة إغراق لبنان ومعه سوريا في صراعات داخلية عنيفة، حاذرت المقاومة تأجيج أوارها، وقاربتها بحكمة ورويّة، وحاولت إطفاء نار فتنتها، وعملت ما بوسعها على حل المشكلات بالحوار والتفاهم الوطني، واستمرار الإعداد لمواجهة العدوان، الذي لم يستطع ابتلاع مرارة الهزيمة، وراح يعدّ العدّة للعدوان، مؤيّداً من وجود قوات حاشدة للولايات المتحدة الأميركية في المنطقة من أفغانستان إلى العراق إلى دول الخليج، إلى مياه البحر الأبيض المتوسط، بالقرب من الساحل السوري – اللبناني – الفلسطيني، المشهور بالساحل السوري في الجغرافيا القديمة.
في كتابي «الواقع السياسي اللبناني» تناولتُ في مبحث الاستراتيجية الدولية ما بعد حرب تموز عام 2006، أن الأحداث في بداية الألفية الثالثة قد تركزت في منطقتنا حول دائرتين: أفغانستان في آسيا الوسطى، والعراق في المشرق العربي، وذلك وفق أجندة خاصة بالاستراتيجيّة الأميركية في عهدي بوش الأب والابن. وكانت الإدارة الأميركية بعدها أمام خيارات عدة منها:
1) الانكفاء إلى الداخل الأميركي والانسحاب من المنطقة.
2) العودة إلى قواعد اللعبة الدولية في الحرب الباردة.
3) الاستمرار في الاندفاع العدواني العسكري على المنطقة ضمن اختلاف ترتيب الأولويات التالية: حين يحصل الانتقال من ترتيب:
1) الحرب على الإرهاب.
2) العراق.
3) فلسطين.
إلى ترتيب الأولويات التالي:
1) فلسطين.
2) الحرب على الإرهاب.
3) العراق.
وبعدها تصل إلى الهدف الأساسي وهو:
1) الحرب على إيران وإسقاط الثورة الإسلامية.
2) تصفية قضيّة فلسطين بشكل تام، وهو المتأوّج الراهن لهذه الحرب.
كانت حرب تموز المحاولة الأخيرة لإعادة اعتبار القوة والسيطرة للعدو الصهيوني وقواته العسكرية مستفيدة من الوجود العسكري الأميركي المباشر في منطقة الحرب، وعليه فإن هزيمة العدو في حرب تموز هي هزيمة مشتركة له ولأسياده الأميركيين الذين أداروا هذه الحرب عسكرياً وسياسياً.
كانت القيادة الأميركية الوسطى مشاركة في إدارة الحرب، وكانت كونداليزا رايس الموجّه السياسي الدبلوماسي لأهدافها، وعليه فإنّ الانتصار في حرب تموز كان انتصاراً على القوّتين الحليفتين العدو الصهيوني والولايات المتحدة الأميركية.
أنتج الواقع السياسي اللبناني بعد حرب تموز مفهوم الجيش والشعب والمقاومة وحقق التوازن الاستراتيجي الرادع مع العدو


والانتصار في حرب تموز أنقذ لبنان من الفتنة الداخليّة. إذ إن مشاركة حزب الله في الحكومة اللبنانية بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005، وما تلاها من انسحاب للقوات العربية السورية، أعادا التوازن لإنتاج قوة محليّة لبنانية قادرة على تعويض الدور السوري، وإدارة الوضع اللبناني بأدوات وطنية محلية، وتلك واحدة من أهم إنجازات مشاركة حزب الله في الحكومة إلى جانب البرلمان. الأمر الذي يمكن اعتباره مشاركة مباشرة في إدارة شؤون الدولة اللبنانية.
كانت حكومة الرئيس ميقاتي 2005، والتي كان لي شرف تمثيل حزب الله فيها، كأوّل وزير للمقاومة في الحكومة، حكومة انتقالية، أشرفت على إدارة انتخابات برلمانية ديمقراطية، أمكن فيها وصول المعارضة إلى البرلمان، وحقّق ما يسمى «تسونامي» الجنرال ميشال عون فوزاً في الانتخابات. بعدها تشكّلت حكومة فؤاد السنيورة لكنّها عادت إلى ممارسة الكيد السياسي، وأطلّت عيون الفتنة من جديد ومهّدت لحرب تموز، وما تلاها، حتى أحداث أيار 2007، ومن بعدها اتفاقية الدوحة...
أنتج الواقع السياسي اللبناني بعد حرب تموز مفهوم الجيش والشعب والمقاومة وحقق وبشكل حاسم، التوازن الاستراتيجي الرادع مع العدو، الذي لم يعد قادراً على تهديد لبنان ولا على العدوان عليه، لأن لبنان تحميه قوة مقاومته وجيشه وشعبه، صار لبنان موجوداً على كف أمان المقاومة. نقل الانتصار في حرب تموز كل عناصر القوة إلى المقاومة الفلسطينية. كانت فلسطين أول المستفيدين من هذا الانتصار. كُتبت في حرب تموز صفحات جديدة في التاريخ العربي والإسلامي، وتراجع مشروع الغزو الأميركي المباشر لهذه المنطقة من العالم. وعليه، لم يكن باستطاعة جورج بوش الرحيل قبل أن يقدّم هدية أخيرة لحلفائه الصهاينة، فعمل على حماية أمن إسرائيل في خطوتين مثيرتين:
1) إعداد وتنفيذ وتأييد الحرب العدوانية على قطاع غزة، والتي تهدف إلى إعادة الاعتبار للعدو الوكيل الإقليمي المنهار قبل رحيل القوات الأميركية من المنطقة.
2) توقيع اتفاقية أمنية مشتركة تجعل من الحلف الأطلسي يعمل في خدمة الكيان الصهيوني تحت شعار منع وصول السلاح إلى حركة المقاومة العربية والإسلامية، وقد تحوّل هذا الحلف إلى شرطيّ مُراقب حركة السلاح في البحر والبر والجو، مدعوماً بمساندة اقتصادية وإعلامية وأمنية واسعة النطاق.
فشلت الحرب على أبواب غزة الصامدة، وكان انتصار غزة ضدّ العدوان إثباتاً مكرراً، لقوة المقاومة ووهن قوّة العدو وأسياده. انتصار مكرر يثبّت في المنطق أصالة القوة وليس حصولها عن طريق الحظ أو الصدفة، إنها قوة حقيقية، في لبنان وغزة، أثبتت أن المقاومة قادرة على هزيمة العدو بالمعنى العسكري التام لهذه القدرة.
حصل ذلك كلّه في ظل نظام دولي تهيمن عليه الولايات المتحدة الأميركية، تواجهها قوّة إسلامية مركزها المتين الجمهورية الإسلامية في إيران. حين بسطت أميركا نفوذها على العالم، وكأن مهديها قد ظهر في صيغة أطروحة فوكوياما، أضافت نظرية سامويل هانتنغتون «صراع الحضارات»، أن الدور القادم في عملية الصراع الدولي سيكون مع العالم الإسلامي وكان على النظام الدولي الجديد أن يُخضع النظام الإقليمي الإسلامي وقوته المركزية إيران، ليتحقق له بسط قوته على العالم. ولذلك حين نهضت الشعوب العربية في وجه الأنظمة الاستبدادية وجدت من إيران تأييداً حقيقياً وصادقاً، لأن إيران كانت تراهن على نظام إسلامي قويّ ومتضامن، وعلى أن الجناح العربي في هذا النظام الإسلامي، هو الجناح القوي القادر بما يملك من مصادر للقوّة على دعم إخوانه والتحرر من واقع الأنظمة المستبدة المسيطرة عليه. لقد شرحت في كتابي «الصحوة الإسلامية والثورات العربية» طبيعة هذه الثورات وأسبابها وغاياتها، ونقاط قوتها، وضعفها، وما يمكن أن يواجهها من تحديات.
الثورات العربية وما بعدها
كانت هذه الثورات بداية حركة ما كتب لها أن تكمل فصول تحرّرها لأسباب عدة تعود إلى طبيعة قيادتها وإدارتها، وإلى ترابط الأسباب والغايات مع الوسائل ومنهج العقل السياسي الناظم للفعل السياسي. أمور عديدة لا يتّسع لها هذا المقال. وصلت الثورات العربيّة إلى ما آلت إليه، وأسلمت القيادة لإدارة حرب الإرهاب التكفيري، الذي دمّر البلاد وأزهق أرواح العباد، وحرف الدين، وأشاع القتل والخراب والفساد والإفساد وأن حرب الإرهاب ترافقت مع حرب غزو أميركي في عودة جديدة إلى المنطقة، ومع نشوء أحلاف عسكرية بقيادة السعودية شنّت الحرب على اليمن بعدما احتلت البحرين، وقدمت كلّ أسباب الدعم لما عُرف بحرب الإرهاب الكونية على سوريا، والتي انتهت إلى وضع المنطقة، بعد الدخول الروسي إلى عمليات الحرب، تحت سيف انطلاق حرب عالمية ثالثة، تندلع شرارتها من الحرب في فلسطين ومحيطها...
تضافرت في العقد الثاني من هذا القرن مجموعة من الحروب هدفها تدمير قوّة النظام الإسلامي الإقليمية لإقصائه، وشاركت فيها أنظمة استبدادية مرتبطة بالولايات المتحدة الأميركية تمثلت هذه الحروب في ما يلي:
1) حرب الإرهاب التكفيري التي شملت كل المنطقة وتمركزت في كل من سوريا والعراق وجزء من ليبيا، وطالت أضرارها لبنان وفلسطين والأردن وتونس وغيرها، كانت هذه الحرب بأداة من صناعة السلفية الوهابية والجهاد الأفغاني وبعض بقايا نظام صدّام حسين، وما أرسله الإرهاب الدولي إلى بلادنا من مصادر القوة المالية، البشرية والإعلامية واللوجستية، وكلها بإدارة أجهزة المخابرات الأميركية وأنصارها. كما قامت دول عربية في مقدمتها السعودية وقطر والإمارات العربية بدعم هذه الحركات الإرهابية بما تحتاج له من كل أشكال الدعم، وتعاونت في ذلك مع العدو الصهيوني في غرف عمليات مشتركة.
2) الحرب السعودية والأميركية وحلفاؤهما على اليمن، وهي حرب عدوانية قلّ نظيرها، قاوم فيها اليمنيّون، بقوة وتضحيات وشجاعة قلّ نظيرها أيضاً، حرب بين الحق والباطل وبين الحضارة والبداوة، بين الجوار والتحاب والعدوان والإرهاب.
3) التهديد الدائم بالحرب والحشد لها من قِبل العدو الصهيوني، والولايات المتحدة الأميركية والدول العربية التابعة لها، ضد إيران والمقاومة الإسلامية في لبنان، وفلسطين إضافة إلى سوريا والعراق واليمن السعيد.
4) الحرب الاقتصادية والإعلامية والنفسية والحرب الناعمة، وحرب المعلوماتية والاستخبارية، والحرب الدبلوماسية، كل هذه الحروب تتأوّج في منطقتنا في هذه المرحلة وقد بلغت قمة هذا التأوّج في ما يلي:
• الحرب على إيران وقوامها العقوبات الأميركية وحشد القوات في محاولة حصار إيران وتطويقها.
• الحرب على فلسطين وعنوانها تهويد القدس، و«صفقة القرن». في مواجهة هذه الحرب توجد مقاومة شديدة القوى عازمة على المواجهة والانتصار.
ويشير ميزان القوى إلى رجحان كفّة انتصار محور المقاومة وذلك من خلال تراكم نتاج كلّ من حرب الغزو، والعدوان والإرهاب، حيث استطاعت إيران أن تنتصر في الحرب المفروضة عليها، وانتصرت المقاومة الإسلامية في حرب تحرير الجنوب والبقاع الغربي وانتصرت في حرب تموز؛ وكذلك انتصرت المقاومة في حروب غزة المتتالية، وحقق محور المقاومة انتصارات في الحرب على الإرهاب في سوريا وكذلك في العراق وفي لبنان، ويحقق الشعب اليمني انتصاره العسكري والسياسي والمعنوي والأخلاقي على العدوان السعودي وحلفائه، وعادت روسيا، من بوابة المنطقة إلى المشاركة في إدارة العالم، واشتدّت قوى معسكر الدول المستقلة، وتعاظمت قوة الصين والنمور الآسيوية، وتجنح أوروبا إلى الإفلات من القبضة الأميركية... أما أميركا فتشهد نتائج جنون العظمة في قيادات متهورة، طماعة جشعة، غريبة الأطوار مثل قيادة الرئيس دونالد ترامب. كل هذه التراكمات تشير إلى رجحان كفة ميزان القوى لصالح إيران ومحور المقاومة. وعليه، إذا حصلت الحرب وهو أمر ليس سهلاً، فمن المرجح أن تكون لصالح محور المقاومة الذي تقوده إيران، وإذا لم تحصل الحرب فإن الانتصار يكون متحققاً بالقدرة على منع نشوبها.
إنه الانتصار في الحالين، في غمار الحرب، وفي قدرة الردع على منع نشوب الحرب. وفي كليهما يبقى أبناء البلاد الأصليون ويرحل الغرباء المحتلون. ومن يعش يرَ....
* كاتب ووزير سابق