ليس هذا رداً على الصديق الدكتور كمال ديب، في شأن مقالته حول المؤرخ الدكتور كمال الصليبي («الأخبار»، 4/2/2014). أقول فقط إن مقالته متحاملة، وفيها إساءة إلى المنزلة التي للدكتور الصليبي عند الكثيرين، ومنهم أنا. والمقالة مراجعة لكتاب المؤرّخ صقر أبو فخر، الذي ربما أخطأ الدكتور الصليبي في التجاوب مع مشروعه. لم أقرأ كل نتاج الدكتور الصليبي.


أقتصر في عرضي على ما يتناول لبنان من نتاجه، مغفلاً أعماله الأخرى حول التاريخ العربي وتاريخ الأديان. ما قرأته كان كافياً ليجعل منه بالنسبة إليّ أهم كتّاب لبنان، ويجعل نتاجه المدماك الأهم في التأسيس لوطن ثابت وقوي. عرفته في المرحلة الأخيرة من حياته. أعدت قراءة كتابه «بيت بمنازل كثيرة» (الصليبي، 1990)، قبل أن أتصل به طالباً مقابلته. منعني الحياء من أن أزوره أكثر، وأجالسه وقتاً أطول. وهو ما أنا نادم عليه. كنت قد قرأت الكتاب قبل عشرين عاماً، حين صدوره. كنت أحدس قيمته التأسيسية في ما يخص لبنان. اقتضى مني عشرين عاماً إضافية لكي أتمكّن من استخدام إسهامه الفذ للمشاركة بدوري في التفكير بشأن مستقبل لبنان.
وهو الكتاب الذي يفرد فيه الكاتب لكل من عائلات لبنان أو مكوناته الطائفية وتاريخها مكاناً لائقاً على حدة، مستخدماً في ذلك معرفته الموسوعية، ومضيفاً إليها الأبحاث المعمّقة التي أجراها طلابه حول تاريخ لبنان. وهو الكتاب الذي أفنى الدكتور الصليبي عمره في جمع وقائعه التاريخية، بما يُثبت الانتماء العربي لجميع اللبنانيين، ويؤكد الهوية العربية الواحدة للبنان. هذا هو الإسهام الأهم برأيي للكتاب. وعلى هذا الإسهام يمكن البناء.
الإسهام الثاني المهم الذي قدمه الدكتور الصليبي في عروبة اللبنانيين، هو مساهمته حول أصول الطوائف العربية (الصليبي، 1988)، التي قدمها في مؤتمر جامعة «جورج تاون» الذي أشرف عليه الدكتور حليم بركات. أتاح عمله الدؤوب تكوين الوقائع التي تثبت الأصول القبلية العربية للطوائف في لبنان والعالم العربي، إسلامية ومسيحية. ليس في هذا بالطبع ما يوحي بإعطاء أسس عرقية للعروبة، التي هي أشمل وأوسع من ذلك بكثير. وافقني أنه كان من المستحسن إيراد هذه التفاصيل في الكتاب الجامع الذي صدر في السنة التالية.
والكتاب هو كتاب تاريخ الموارنة بامتياز. نُكِب الموارنة بمجموعة واسعة من المؤرخين، بدءاً من البطريرك الدويهي، حتى قيّض لهم كمال الصليبي. أحب هذه «الملّة» كما لم يحبها واحد من أهلها. قال إنها مثّلت قصة النجاح الوحيدة للمسيحية في الحوليات الإسلامية. وقال في محاضرته بعنوان «الموارنة: سيرة ذاتية»، التي نشرتها «النهار» عام 1970، وأُعيد نشرها في 2011، إن أهلها كانوا أوفياء (الصليبي، 2011). وهي صفة يصح استخدامها حجة، وللإشارة إلى قيمة عليا، وبأمل أن يتحلى بها كلّ من يراد لهم الخير. وفي مقالته حول الموارنة في الحقبة الأخيرة من العهد المملوكي، سرد تفاصيل حقبة مفصلية، كادت أن تنتهي فيها المارونية كطائفة، مرّة واحدة وإلى الأبد، على أيدي متزعّمي منطقة بشرّي آنذاك (الصليبي، 1968). يستحق جهد الدكتور الصليبي الذي أتاح تأكيد هوية المسيحيين اللبنانيين العربية، أي المتصالحة مع محيطها، كل تقدير.
هناك لائحة طويلة لكتابات الدكتور الصليبي في قاعدة معلومات مكتبة الجامعة الأميركية، لكنها غير شاملة. وهي لا تتضمّن الدراسات العديدة التي نشرها في مجلات متخصّصة كـ«أرابيكا» أو «ذا مسلِم وورلد» وغيرها. يكتشف الباحث بالصدفة مقالات له، من مثل نصّه المؤسس حول الهوية اللبنانية، الذي نُشر للمرة الأولى عام 1971، ثم أُعيد نشره في 1976 و1981 (الصليبي، 1981). وهو يفنّد فيه آراء اللبنانويين من جماعة «الفينيقية»، أو جماعة «لبنان الملجأ». وهو النص الأفضل والأكثر اقتضاباً ورصانة في الحديث عن هوية اللبنانيين. وقد قال فيها آنذاك، إنها كانت لا تحتاج إلى تنظيرات المتفلسفين، وكانت تنبني بأفضل صورة في العيش معاً.
لم يكتب أحد حتى اليوم في مستوى ما كتبه الدكتور الصليبي في «بيت بمنازل كثيرة»، في نقد الحرب الأهلية ومفتعليها. أثار صدوره آنذاك زوبعة. وعقد أحد النافذين مؤتمراً صحافياً للرد عليه وترهيبه. لم أفقه، آنذاك ولا اليوم، دوافع من دبّجوا المقالات في نقد الكتاب حين صدوره. في المرّة الوحيدة التي التقيته فيها وجهاً لوجه، تحدث على مدى ثلاث ساعات. كنت أجلس قبالته مشدوهاً ومذعوراً من أن يتسبّب له ذلك بعارض صحّي. كانت لديه رغبة بإزالة أي التباس حول ما علق في ذاكرة الناس عن «نضالاته» على الأرض في الجامعة الأميركية، مطلع السبعينيات. ولقد قدّم الدكتور أسعد أبو خليل («الأخبار»، 2011) قراءة جيدة لسياق من مرحلتين في تطور تفكيره بشأن لبنان.
أقفلت عائداً عام 1987 إلى فرنسا، لأُتمّ قراءة مؤلفات الكاتب الروسي ألكسندر سولجنتسين. وهي قراءة كانت بمثابة «غسل دماغ» من تراث الماركسية. وأنا مدين لذلك الكاتب الكبير بالسلام الداخلي الذي منحني إياه. كان أحد دوافعي للاستفادة من السنة السابعة في الجامعة هذا العام، قراءة كامل نتاج الدكتور الصليبي. أرى أن هذه الطريقة هي الأفضل في التعامل مع قامة كقامة كمال الصليبي.
* أستاذ جامعي
المراجع:
Salibi Kamal٬“The Lebanese Identity”٬ in Curtis٬ Michael (ed.)٬ Religion and Politics in the Middle East. Boulder (CO)٬ Westview Press٬ 1981٬ pp. 217-225.
Salibi Kamal٬ “The Muqaddams of Bisharri: Maronites Chieftains in the northern Lebanon٬ 1382-1621”٬ in Arabica٬ 15٬ 1968٬ pp. 63-86.
Salibi Kamal٬ “Tribal Origins of the Religious Sects in the Arab East”٬ in Halim Barakat (ed.)٬ Toward a Viable Lebanon٬ Georgetown Univ.: Centre for Contemporary Arab Studies٬ 1988٬ pp. 15-26.
كمال الصليبي، الموارنة _ صورة تاريخية، دار نلسن، 2011.
كمال الصليبي، بيت بمنازل كثيرة: الكيان اللبناني بين التصور والواقع، مؤسسة نوفل، 1990.
أسعد أبو خليل، «كمال الصليبي: تأريخ لما يُسمّى لبنان»، «الأخبار»، 10/9/2011.