يغيب عن السجال الحالي بشأن «استيلاء الجيش على السلطة في مصر» عناصر أساسية، منها ما هو حقوقي وحديث العهد بالنسبة إلى النخبة والمجتمع، ومنها أيضاً ما هو طبقي ووثيق الصلة بفكرة تغيير بنية المجتمع. والغياب هنا يتعلّق بانحيازات الأطراف المُسهمة في النقاش، وتفضيلها لتصوّر معين عن الحكم. تصوّر لا يعود ممكناً معه الحديث عن بنية إجمالية تتضافر فيها كلّ العوامل التي تصنع التغيير، وليس بعضها فقط.


وهذا البعض تحديداً هو الذي يدفع بالنقاشات إلى وجهة اختزال الصراع، وتقزيمه إلى حدود القول بأن ليس في مصر حالياً إلّا عسكر ومدنيون! لنأخذ مثلاً الخطاب الحقوقي الجديد الذي يتعامل مع الجيش بمعزل عن السياق التاريخي الذي حكم فيه هذا الأخير، وهو سياق نقل مصر والمؤسّسة العسكرية معاً من التخديم على «طبقة الرأسماليين الكبار» في العهد الملكي إلى خدمة الطبقة الوسطى والفقراء في العهد الناصري. الإمساك بالحكم هنا بعد إسقاط الملك أحدث تغييراً طبقياً هائلاً في بنية المجتمع (وخصوصاً بعد إصدار عبد الناصر قانون الإصلاح الزراعي وتأميمه قناة السويس والملكيات الزراعية والصناعية الكبيرة... إلخ)، وفرض على مؤسّسات الدولة وظائف مختلفة عن تلك التي كانت تفعلها سابقاً، وبما أنّ الجيش مؤسّسة أيضاً، فقد تغيّرت وظيفته كذلك، وأصبحت تدخّلية أكثر لمصلحة الفقراء والطبقة الوسطى في المدن والأرياف، بعدما كانت تتدخّل في الماضي ضدّهم ولأجل نهبهم حصراً. لا يعني هذا أنّ حكم الجيش يصلح ليكون مثالاً على توزيع الثروة داخل المجتمع، لكنه مثّل وقتها ضرورة فعلية، أقلّه لإحداث القطيعة مع الرأسمالية الحاكمة المتحالفة مع الإقطاع، وبالتالي الخروج بالمجتمع المصري من المرحلة الكولونيالية المعوّقة لتقدمه وصيرورته التاريخية. يعرف الحقوقيون المصريون، ومعظمهم ينتمي إلى اليسار، كما نعرف جميعاً أنّ تطوّراً كهذا يجعل من وظيفة الجيش داخل الحكم فعلاً متغيّراً لا مكان فيه للثبات والأحكام القطعية، ووفقاً لهذا التغيّر فقط يمكن التعاطي معه وتحقيبه تاريخياً، فهو يتطوّر هنا بتطوّر الطبقات الاجتماعية التي تغطّيه وتمنحه الشرعية. لذلك، يصبح أخذه بالجملة حقوقيّاً والتغاضي عن التمايزات التي وسمت أطواره أمراً خارج السياق. سأذكّر الجميع، وعلى رأسهم الرفاق في اليسار الثوري، بأنّ الجيش مع عبد الناصر شكّل أداة للاشتراكية المحلية التي حاولت التمايز عن السوفيات بمنطق عدم الانحياز، بينما تحوّل مع السادات إلى دمية بيد الإمبرياليات الغربية والكومبرادور المحلي التابع لهم، ولهذا السبب يستغرب المرء أفعال المطابقة اليساروية بين حكمي عبد الناصر والسادات، بما تنطوي عليه من تغاضٍ عن الفروقات الاجتماعية الهائلة بينهما، وكأنّ «السلطة العسكرية» في العهدين كانت تتدخّل لمصلحة الطبقة نفسها والشرائح الاجتماعية ذاتها!
ليس هذا فحسب ما يشكو منه الخطاب الحقوقي المصري المشوّش طبقياً، والمنحاز إلى تصوّر ذهني عن السلطة يتميّز بانقطاعه عن الواقع الاجتماعي وعدم أخذ تطوّراته بالحسبان، إذ ثمّة ما هو أفدح بالنسبة إلى تصوّراته عن ثنائية مدني ــ عسكري؛ ففضلاً عن الفصل بين العسكريتاريا وتشكّلها الطبقي والاجتماعي في السياق المصري، هنالك الإجحاف المطلق بحقّ الضحايا المنتمين إلى الجيش بآلية التجنيد الإجباري. يبدو أنّ الرفاق بحاجة إلى من يذكّرهم مرّة أخرى بفكرة التمييز التي لا يقوم خطاب حقوقي من دونها. أصلاً، لا يصحّ من غيرها أن يكون هنالك مسألة حقوقية، فكيف إذا كان نقيضها هو المدخل المطروح اليوم للتعاطي مع ضحايا العنف «من غير المدنيين»! وهنا يجب تسجيل ملاحظة أساسية قبل الاشتباك مع الفهم الذي يطرحه الحقوقيون للمسألة: ضحايا الجيش من المجنّدين، مثلهم مثل ضحايا الإخوان والمجموعات الثورية، ينتمون إلى طبقات اجتماعية جرى سحقها والتضحية بها من جانب نفس السلطة تقريباً، وبآليّات القمع والتجريف ذاتها، وهو ما يضعهم جميعاً في خانة واحدة. من المفروض، والحال كذلك، ألّا يكون هنالك تمييز بينهم على أيّ مستوى، وهذا ما لا يحدث مع الأسف، نظراً إلى الثنائية المكرّسة حقوقياً (عسكريون ــ مدنيون) والمعمول بها على نطاق واسع بين الثوريين، وأكرّر مجدداً أنها «ثنائية ملفّقة» ولا تساعد على فهم الواقع كما يحدث فعلاً، أي بوصفه تأكيداً لأولويّة التطوّر الاجتماعي وما يلحقها من فرز طبقي واقتصادي. بهذا المعنى تصبح الثنائية أعلاه خارج التاريخ، لا خارج الواقع فحسب، ولا يعود الفرز على أساسها مجدياً بالمرّة. وبالإضافة إلى عطالتها التاريخية، ثمّة عطالة أخلاقية لا يؤتى على ذكرها إطلاقاً، لأنّها تضع الحقوقيين على مقربة من بطش الدولة وأجهزتها، إن لم يكن بالفعل فعلى الأقلّ بالصمت والتواطؤ النظري. لنلاحظ في هذا السياق أنّ المجنّدين الذين يتجاهل الخطاب الحقوقي موتهم وإفناءهم على مدار الساعة مدنيّون بالأساس وليسوا متطوّعين كما هي الحال مع ضباط الشرطة والجيش الذين يتمتّعون بمزايا وامتيازات عديدة. وهذا يعني أنّ إلحاقهم بالمؤسّسة العسكرية قد حصل بموجب «قوة إكراهية» لا يلحظها الخطاب الحقوقي حين يتحدّث عنهم. وهذه القوّة كانت موجودة أيّام عبد الناصر (وكذا أيام أحمد عرابي ومحمد علي)، تماماً كما وجدت في سوريا والعراق وسواها من الدول المستقلة حديثاً عن الاستعمار. الكلّ وقتها استخدم التجنيد الإجباري وأقنع المجتمع بالدور الذي يؤديه الجيش في هذا السياق، فعبره حصراً كانت تحصل عملية الدمج الاجتماعي، وتتبلور تدريجاً هويّة الدولة في مرحلة صعودها القومي، وهو ما جعل من أصوات الاعتراض على سلطته وتحكّمه بمؤسّسات الدولة ضعيفة و«معزولة». طبعاً، العملية تعطّلت لاحقاً وأخذت منحى مغايراً تماماً مع صعود طبقات اجتماعية جديدة ووصولها إلى السلطة بغرض إحداث تعديل جذري في عملية توزيع الثروة داخل المجتمع (من الفقراء إلى الأغنياء). لم يعد الإكراه هنا (أي في حقبة السادات ومبارك) مساعداً على الدمج الاجتماعي وبلورة هويّة قومية للدولة، بل أصبح معوّقاً لهما بفعل تهميش الطبقات الشعبية التي ترفد الجيش وباقي مؤسّسات الدولة بالأفراد والطاقات. وبدلاً من أن يكون الدمج هو الأساس في حالة الجيش، أصبح العكس هو الصحيح، وتسيّدت السخرة المشهد، بوصفها نتاجاً لحقبة التفكّك الاجتماعي واستغلال الأفراد، سواء كان داخل مؤسّسات الدولة أو خارجها، في عملية مراكمة الربح والحدّ من دور الدولة التدخّلي لمصلحة الفقراء والمهمّشين. لا تكمن أهمية هذا السرد في البعد التاريخي فحسب، بل أيضاً في البعد الاجتماعي الذي تتحدّد في ضوئه علاقات القوّة والضعف بين المجنّدين ورؤسائهم. حتى الآن تؤخذ هذه العلاقات حقوقياً بالمجمل، ولا يراعى فيها الانتماء الأساسي للمجنّدين، إن من ناحية مدنيته أو لجهة انحيازه إلى الطبقات المهمّشة الجاري سحقها من جانب جميع القوى، وعلى رأسها الجيش الذي يسخّر أبناءها، ولا يعمل بالضرورة على دمجهم اجتماعياً كما تقول الدعاية الرسمية منذ أيام السادات. وبناءً عليه، يصبح التمييز الواقع على المجنّدين مضاعفاً؛ فهو لا يأتي من الدولة وجيشها ومؤسّساتها فحسب، بل أيضاً من المؤسّسات الحقوقية التي تدّعي مخاصمة السلطة، في حين أنّها تنحاز عملياً لاكراهاتها عبر تكريسها «مع الدولة» لمنطق أبلسة الآخرين وحرمانهم تمايزاتهم (بمعنى الانحياز وليس الانتماء الأوّلي) الاجتماعية والطبقية. فكما تسحق الدولة قاعدة الإخوان المفقرة، ولا تميّز في جرائمها تجاههم بين قيادات مجرمة ونهّابة وقواعد منهوبة ومغلوبة على أمرها، كذلك يفعل الحقوقيون على المقلب الآخر مع مجنّدي الجيش، فيلحقونهم تعسّفياً بقياداتهم ويمنعون على أيّ كان التشكيك في الخطاب الذي يتحدّث عنهم بوصفهم عسكراً فحسب. وأحياناً تتذرّع السلطة بهذا الخطاب لتبرير انتهاكاتها وجرائمها، فتقول إنّها ليست وحدها من يؤبلس المصريين أو شرائح معيّنة منهم. وحين تسأل عن المقصود بكلامها تشير إلى الحقوقيين الذين يتعاملون مع الانتماء الطبقي للمجنّدين بنفس منطقها تقريباً في التعامل مع الإخوان.
في النهاية، ما تفعله الدولة تجاه قواعد الإخوان، وما يكرّره خصومها الحقوقيّون بحماقة قلّ نظيرها (حتى لا نقول أكثر من ذلك) تجاه مجنّدي الجيش ينتمي إلى الدائرة نفسها التي تتعامل مع المؤسّسة العسكرية بمعزل عن كونها أداة بيد الطبقة التي تحكم وتحدّد البرنامج الاجتماعي والاقتصادي للدولة. فالجيش في الحكم هو سلطة، ولذلك يطلق على وجوده هناك اسم «حكم العسكر»، لكنه ليس حكماً مجرّداً ومنقطعاً عن الواقع الاجتماعي المتغيّر، ومن هنا أجد أن إطلاق تسمية «حكم العسكر» على مجمل التجربة التي بدأت مع عبد الناصر واستمرّت بأشكال مغايرة مع السادات ومبارك هو سلوك طفولي ينمّ عن جهل بآليّة الحكم التي تخضع في النهاية للصراع الدائر بين طبقات المجتمع. في عهد عبد الناصر هزمت طبقة الإقطاع والمترسملين الكبار وحكمت المجتمع الطبقة الوسطى الريفية والمدينية المنحازة إلى المهمّشين والفقراء، وانتقلت معها وظيفة «الجيش الحاكم» من ضفّة إلى أخرى. أمّا في عهد السادات، فقد حصل العكس، وبالتالي أزيحت الطبقة الوسطى من المشهد لتحكم مصر بأكملها من جانب طبقة «الواحد في المئة». طبقة ألقت بعشرات الألوف من الفقراء والمهمّشين خارج سوق العمل، وانتزعت منهم مكتسباتهم التي أمكن تحصيلها فقط عندما وصلوا إلى الحكم على حساب الأغنياء. للتذكير فقط، إن «الأداة السياسية» التي نزعت من الفقراء أيّام السادات هي ذاتها التي استخدمها عبد الناصر للوصول إلى السلطة والبدء بعملية توزيع الثروة كما يجب، أي من الأغنياء إلى الفقراء. هذه الأداة (أقصد الجيش طبعاً) لا ينظر إليها اليوم من غير الزاوية الحقوقية، وتلك مشكلة يتعيّن على الثوريين حلّها لأنها لا تساعد كثيراً على فهم طبيعة العلاقة بين السلطة والطبقة، وهي بكلّ المقاييس المحدّد الرئيسي لتطوّر المجتمعات وصيرورتها سياسياً. بهذا المعنى تصبح جدلية السلطة والطبقة هي الأساس، وفي ضوئها فقط يمكن فهم كلّ ما يطرأ على المجتمع من تغيّرات بما في ذلك قابليّته لحكم العسكر في عهوده المختلفة. ومن دون هذه الآلية سيبقى فهمنا للعسكر ولسلطة الجيش عموماً محدوداً، ومقتصراً على استخدامه كطوطم وكذريعة ثورية في آن واحد.
* كاتب سوري