«هذه هي بعض من مضامين الثورة الثقافية التي تجري الآن في إسرائيل، حرب السخافة ضد النخب الليبرالية «القديمة» وضد التراث الإنساني الغربي. ثقافة الكذب، الديماغوجيا، التحريض الفظّ ضد المعارضين، تحديد العدو من الداخل والضغط على المؤسسات الثقافية للسير على الخط بحسب ما يمليه الحكم، تنال الزخم. الانسجام مع الخط وعبادة الإجماع، الرقابة الذاتية، الجبن والانبطاح باتت موجودة، والحرب ضد السلطة القضائية في ذروتها. استخدام الأغلبية البرلمانية لتحطيم قواعد اللعب الديمقراطية الليبرالية بات نمطاً مقبولاً. ويبقى السؤال مفتوحاً: هل التتمة المعروفة من العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي تكمن لنا أيضاً، أم ستكون فيها القوة للوقوف في وجه قوى الدمار؟» ــــــــــ زئيف شترينهل، «هآرتس».

«يُعلّمنا تاريخ الشعوب، أن الفاشية لم تنتصر في أي مكانٍ بسبب جبروت الفاشيين وحده، وإنما انتصرت غير مرة، بفعل تقاعس القوى غير الفاشية وبؤس اصطفافاتها السياسية، وسوء أدائها، وتلكؤها على الحياد إلى أن التهمت النارُ أذيالها. ونحن نتوقع أن المزيد من القطاعات الشعبية في الساحة الإسرائيلية سوف تكتشف أقرب مما تتوقع هي نفسها، أن نار الفاشية إن أتيح لها أن تتمكن من الأقلية القومية العربية ومجمل الشعب الفلسطيني فإنها سوف تتجاوز أذيالها وأصابعها وتطالها هي أيضاً» ــــــــــ عصام مخول، «الاتحاد».
الفاشيّة مصطلح ننظرُ إليه كسيرورةٍ عنيفة لبناء علاقاتٍ بين المُجتمعِ والسياسة على أساس المصلحة القوميّة، في ظلّ أزمةٍ اقتصادية - اجتماعية، وتبرزُ من خلالِها الحركة الفاشيّة لتُعيد بناء إمكانيّات وطموحات المجتمع عبر علاقاتٍ جديدة من الموروث التاريخيّ المُتخيّل للقومية، أي أن تعريف الفاشيّة الكلاسيكي سواء الماركسي الاقتصادي أو الثقافي ينطلقُ من داخل القومية أو ديناميكيات المجتمعِ ذاته، لوصف العلاقات الجارية بالدولة التي تدعو (على الأقل نظريّاً) لاستعادة مجد القوميّة بعد مرورها في أزمةٍ خانقة كحلّ للأزمة البنيويّة التي تُرافق «الرأسماليّة» أو «الحداثة».
تعريف المصطلح من «خارجِ القوميّة» أي خارج الفضاء الفاشيّ، يحتاج إلى جهد بأن نرى أثر الفاشيّة على من هُم في الهامش الذين تلاحقهم الفاشيّة أو تُحمّلهم مسؤوليّة الأزمة (مثلاً اليهود في ألمانيا أو السود في الولايات المتحدة أو الإسلام في أوروبا). لذلك فتحليلنا للفاشيّة في سياقنا الفلسطيني يجب أن ينطلق من موقعنا المُهمّش وبالتالي صياغة معانٍ جديدة حول «الفاشيّة الإسرائيليّة» يعطيها أبعاداً جديدة. لذا هي ترفض مفهوم «الفاشيّة الإسرائيليّة» الذي يفترض بأن أثر العنف القادم على الفلسطيني هو ذاته أو شبيه أو له نفس المُرتكزات النظريّة كما أثرها على المُستعمِر الإسرائيلي (اليساري أو العامل وإلخ).

تحليل الفاشيّات في العالم ينطلق وفق معيار الديناميكيّات التي نتجت في ظلّ المجتمعات الغربيّة الرأسماليّة


هذا النص هو محاولة لتتبع أثر «الفاشيّة الإسرائيليّة» على الفلسطينيّ من خلال تشكّل العنف في مجالات الحياة والعيش. أن نرصد تجلّي الفاشيّة من خلال تعدديّة مجالات العنف في العمل والتعليم والسياسة وإلخ.. وهذه التعدديّة تنطلق من الفرضيّات الحداثيّة والعلمانيّة والليبراليّة، وهُنا نحاول «دي-كولونياليّة» مفهوم الفاشيّة عبر رؤيتها في مسارها مع الحداثة. وخلال ذلك تقويض المنظور «الأورومركزيّ» للفاشيّة التي تُعنى في وصف العلاقات الداخليّة للمُجتمعِ الفاشيّ الأوروبيّ وموروثها التاريخيّ، كأنها مُضادّة للحداثة والعلمانيّة وقيم التنوير كما كتب زئيف شترينهل في كتبٍ عدّة ومقالات. وما يُميّزها هو رؤية أن الفاشيّة التاريخيّة التي تطوّرت في أوروبا، هي ذاتُها التي تتجلّى في إسرائيل من مُعادة قيم التنوير وحقوقِ الإنسان والليبراليّة. هنا نرى تحليلاً يضع مركزيّة التاريخِ الأوروبيّ وقيم العلمانيّة والليبراليّة كحالةٍ معياريّة لوصف «الفاشيّة الإسرائيليّة» ولما يجري في فلسطين، من تقدّم لأحزاب اليمين الاستيطاني والحريديم والمسيانيّة التوراتيّة بشكلٍ عام. المنظور المُضاد الذي يطمحُ لتوطين مفهوم الفاشيّة، من خلال تتبّع الفاشيّة كعُنفٍ مُستمّر على الآخر، وبذلكَ نقدٌ لتحليل عصام مخول الضيّق الذي يعتمدُ البُنية الاقتصاديّة وأزمة بنيامين نتنياهو كمنطلقاتٍ تحليليّة، في مقالته الأخيرة التي يدعو فيها أيضاً إلى إنشاء جبهةٍ ضدّ «الفاشيّة الإسرائيليّة» (المهمة الملحة الآن.. جبهة مناهضة للفاشية، «الاتحاد»، 20 نيسان). الحاجة المُلحّة لجبهة مناهضة للفاشيّة تُستمّد من فهم تعدّد مجالات العُنف وأيضاً العلاقات التي يتأسّس عليها العُنف.

«دي-كولونياليّة» التحليل والمفهوم
في حوارٍ مع رامون غروسفوغل، باحثٌ في «الأورومركزية» وصاحب نظريّة «إبستيميّة في جيوسياسيّة المعرفة»، يقول إن إمكانيّة البحث الدي-كولونياليّ مُرتبط بأمرين: الأوّل البحث من خلال رصد الجسد السياسيّ أو جيوسياسيّة المعرفة، من خلال الحفر المعرفي من منطلقاتٍ جُغرافيّة، جسديّة وسياسيّة والكشف عن أثر هذه المنطلقات في عمليّة إنتاج المعرفة وخاصّة المعرفة الأوروبيّة (والأميركيّة) كونها أنتجت وتُنتج في ظلّ علاقات قوّتها العسكريّة وهيمنتها على العالم، وتدّعي الكونيّة والحياديّة.
منذ «الأنا» الديكارتيّة (أنا أفكّر إذاً أنا موجود)، التي تفصلُ العقل عن الجسد عن الطبيعة، تبرز إمكانيّة العقل (الغربيّ الأبيض) بأن يُنتج معرفةً عابرةً للزمان والمكان، والتي ما زالت تُنتج سواء في الجهات السياسيّة اليمينيّة أو اليساريّة، ودائماً كما ذكرَ غروسفوغل بأن المعرفة «تتموقع» في الجسد أو الجُغرافيا السياسية، ومحاولات الإخفاء هي في عُمق المشروعِ الإمبرياليّ والعلوم الاجتماعيّة الغربيّة التي ما زالت تُنتج عُنصريّة إبستيميّة واعتبار وتصنيف الاجتماعِ الهنديّ والإفريقيّ والعربيّ إلخ بمعياريّة ودونيّة. الأمرُ الثاني تعدّدية مجالات العُنف، وهو يُكمّل الأوّل من زاويةِ نتائج البحثِ الدي-كولونياليّة. أن نُحطّم فرضيّات المعرفة الكونيّة والحياديّة (الغربيّة)، بأنها تتعلّق بالجسدِ والجُغرافيّات وإبستيميّات تاريخيّة مُتعددة، ورصد فرضيّات الاقتصاد السياسي التي تُقصي مجالات العُنف والهيمنة المُتعددة وتحصرُها في «تراكم رأس المال»:
«الإشكالية هي أن باراديغمات الاقتصاد السياسي قد تأسست، انطلاقاً من وجهة نظر أورومركزية للعالم، حيث يتم تثمين التوسع الكولونيالي والإمبريالية العالمية خلف الأنا السياسية للمعرفة، لكن إذا قُمنا بتغيير جغرافية هذا المنطق ونظرنا للتوسع الأوروبي من موقع بنيوي لدى امرأة من السكان الأصليين في أميركا، فستكون المحصلة عبارة عن رزمة من علاقاتِ الهيمنة الموسعة والمعقدة، والتي تتضمن بطبيعة الحال تراكماً للرأسمال دون بذل جهدٍ فيه، وأعني أنه بالتزامن مع خلق تقسيم عالمي للشغل بين المراكز والأطراف، حيث يسيطر الرأسمال، ويستغل عبر عدة طرق قسرية للعمل «العبودية، السخرة، الرواتب» فقد تم داخل الأطراف خلق هرميّة على مستوى دولي لها طابع (إثني وعنصري). حيث يتم اعتبار الغربيين أرقى من غيرهم، (وجنساني) حيث الرجال يهيمنون على النساء، و(جنسوي) حيث الزواج الأحادي يهيمن على باقي الصيغ الجنسوية والتنظيمات الزوجيّة غير الغربية، (إبستيمي) حيث تهيمن المعارف الغربية على سواها داخل النظام الجامعي الدولي، (روحي) حيث المسيحيون الكاثوليك والبروتستانت يهيمنون عبر الكنيسة على الروحانيات غير المسيحية وغير الغربية، (إستيطيقي) حيث للفني والجمالي الغربي ميزة على غيره من أشكال الإبداع غير الغربي، (بيداغوجي) حيثُ تهيمن الأساليب البيداغوجية الغربية على غيرها، وأيضاً على المستوى (اللساني) اللغات الأوربية لها قيمة أكثر من غيرها»، بعد توضيحه لمجالات العنف والهيمنة المُتعددة التي تبدو منفصلة ولكنها مترابطة عضويّاً مع الكولونياليّة والإمبرياليّة، ينقد غروسفوغل «النموذجِ الماركسي» حول العلاقة بين البناء الفوقي والبناء التحتيّ، ويقول بأن الهيراركيّات والهرميّة الكولنياليّة تتأسس مع البناء التحتيّ. تقسيم العمل و«تراكم رأس المال» هو ينبني على أساسات عرقيّة بأن غير ـــــ الأوروبيين سيعملون في العمل المهنيّ والبدائيّ، هذا ما نقصده بأن الفاشيّة مرتبطة عضويّاً بالكولونياليّة. الفاشيّة التي نضجت في العشرينيّات والثلاثينيّات هي نتيجة ديناميكيّة الكولونياليّة/ الحداثة في أوروبا ذاتِها التي تأسست في المُستعمرات ولكن هذا الطرح يحتاج إلى دراسةً لذاتهِ. الفاشيّة هي جزء عضويّ في الكولونياليّة ولذلك العمل على الفصل بينهما هو نتاج منظور «أورومركزيّ» يُقصي مجالاتٍ من العنف والهيمنة ويفصُلها عن الكولنياليّة كمرحلةٍ مُعيّنة مرّت، ويجبُ منعُ المرحلة القادمة وهي الفاشيّة، ومُحاولات إخفاء الهيراركيّات التي تتأسسُ مع الكولونياليّة، والقبول بالمُنطلقات الليبراليّة ووضعِ إمكانيّة تعايش المُستعمَر مع هذه المنظومة الليبراليّة، والنظرُ إلى الفاشيّة كونها مرحلةً مُنحرفةً عن الكولونياليّة أو الرأسماليّة والليبراليّة والحداثة، كما أن الفصل هو نتاج منظورٍ «أورومركزيّ»، والأخير هو نتاج النظر إلى الفاشيّة كديناميكيّات من الداخل الرأسماليّ تنتج أو تخلقُ وحشاً وهو الفاشيّ وفصلها عن تعدديّات العنف في الخارجِ، الأطراف.

عمليات تفكيك النضالات الفلسطينيّة بالداخل المُحتّل، من خلال الفواصل الزمنيّة التي يُنتجها التحليل «الأورومركزي» هي تقسيم أولويّات وهميّة


في فصل من كتاب «تشكّلات العلمانيّ» لطلال أسد عن الوضعِ القانوني الاجتماعي للأقليّة المسلمة في أوروبا، لفت إلى أن السرديّة العلمانيّة الليبراليّة تأسست على السرديات التاريخيّة للجمهورية والقومية. ولذا هي ليست حياديّة من المنظورِ القانوني الاجتماعي بل هي تُثبّت مُمارساتٍ وتقاليد على أنها تُعبّر عن السرديّة القوميّة للدولةِ، القبول مشروطٌ بالتخلّي عن السرديّات التاريخيّة والمُمارسات والتقاليد التي تُعبّر عن كونك أقليّة مُسلمة. من جهةٍ أخرى أوروبا لم تتمكّن من تمثيلِ المُسلمين كمُسلمين، ومن ثمّ صعود اليمين المُتطرف هو ضمن هذه السرديّات القوميّة، إذ أنها ترفض القبول بتعدديّة التمثيل، من خلالِ الشرعية القانونية والجنسيّة، يستنتجُ من هُنا بأن الأقليّة المُسلمة غير قابلة للاستيعاب، طالما لم نعد بحاجةٍ إليها في سوقِ العمل. عدم إمكانيّة القبول بهذه الأقليّات المُستعمَرة سابقاً، كجُزءِ من أوروبا كونها لا تُعبّر ولا تتماهى مع «المعايير الأوروبيّة»، التي تحملُ في ذات الرُزمة، العُنصريّة والليبراليّة وغيرها، يدفعنا إلى الاستنتاج بأن هذه العلاقات نتجت عن الكولونياليّة ومنظومتها العالميّة ويطرحُ سؤالاً يفتحُ أفقاً حول تعقيداتِ أوروبا: إذا لم يكن من المُمكن التعبير عن أوروبا بمفاهيم الفضاء والزمان المعقدين التي تسمح بازدهار الأساليب الحياتيّة المتعددة (وليسَ مُجرّد الهويّات المُتعددة) فرُبما تواجه مصير التحوّل إلى سوق مُشتركة للحضارة الإمبرياليّة، وإلى حالةٍ من القلق الدائم من المنافي «الإسلاميّة» الموجودة داخل أسوارها و«البرابرة» (المُسلمين) على تخومها؟

مفهوم «الفاشيّة الإسرائيليّة»
قُبيلَ الانتخابات الأخيرة في إسرائيل، في حارات القدسِ القديمة، سارَ عضو الكنيست السابق عن حزب الليكود أورن حازان حاملاً العلم الإسرائيليّ ومُسدّساً، وهو فخورٌ على حدّ قوله، وخلال مساره جرى حادث ومحادثة، يفيدان في نقاش «الفاشيّة الإسرائيليّة». الحادثُ الأوّل: عند سيْره، نظرَ إليه بعض الشباب الفلسطينيّ وأبدوا رفضهم للفكرة بأن لهُ الحقّ في السيرِ حاملاً العلم الإسرائيليّ والمُسدّس، كون هذه الإشارات والرموز تُهدد وجودهم وأمانهم وحياتهم في القدس، وانتفض عليه بعضُ المقدسيين وهجم عليه أحدهم. المُحادثةِ الثانية، توجّهت إليهِ سيّدة إسرائيليّة وهي تُعبّر عن غضبها من طريقة استعراضه من منظور تهديد أرباحِها التجاريّة في سوقِ القُدس، وكان ردّه بأنه هو من يجلب لها هذه الأرباح «من خلال السيادة الإسرائيليّة». تجربة حازان في حارات القدس القديمة التي يقطنها الفلسطينيون هي كسرٌ لميزان قوّة مُعيّن في القدس وتسعير للوضع وهي خطوة فاشيّة، ولكن الفرق في الأثر. السؤال الذي يطرح هنا، ما هي العلاقات التي يتأسس عليها مفهوم «الفاشيّة الإسرائيليّة»؟ ورصدُ هذهِ العلاقات هو بالضرورةِ نزعٌ للكولونياليّة، كونها تُعبّر عن علاقات القوّة التي نراها ونشعرُ بها بوجودنا الفلسطينيّ.
تأسست مفاهيم العرق والعُنصريّة بالتوازي مع تقسيم العمل في إسرائيل، وهي ضمن القيم «الليبراليّة» في الوثيقة الاستعماريّة للدولة («وثيقة الاستقلال» 1948). منذُ تأسيس الدولة الاستعماريّة وكلّ ما تُمارسه من عنفٍ وهيمنةٍ في مجالاتٍ مُتعددة تجاه الفلسطينيين، تتشكّل «الفاشيّة الإسرائيليّة» ضمنَ العلاقة مع القيم التي تُبثّ في الخطابات السياسيّة «الليبراليّة» أو «العُماليّة الصهيونيّة» إلخ، كونها ليست في تضادّ بل تكامل، لأن هذه القيم تأتي ضمن سرديّات معياريّة وتصنيفاتٍ عرقيّة (هل الأسود ومن هو «غير أوروبيّ» إنسان؟) كما كان يسألُ اللاهوت المسيحي الأوروبي المُستعمر في القرون الاستعماريّة أو أسئلةٍ مُشابهة (هل الإسلام (المُسلمون) قادرٌ على أن يكون ديمقراطيّاً؟) أو سؤال كليّات ومدارس العلوم الاجتماعيّة الإسرائيليّة (هل المُجتمعِ العربيّ في «إسرائيل» بإمكانهِ المرور بعمليّة «التحديث»؟) تعود هذه الأسئلة دائماً لمرجعيات أوروبيّة ليبراليّة وحداثيّة تتأسس على التقسيمات العرقيّة والعُنصريّة إلخ. وفي عملٍ بحثيّ وضّح مارسيليو سفيرسكي (ما بعد إسرائيل-نحو تحوّل ثقافي) الهيراركيّات وتعدديّة العنف والهيمنة في حيّز المجتمعِ والثقافة الصهيونيّة، ويرى أن المنطلقات الفاشيّة التي يتحدّث عنها عصام مخول، ليست انحرافاً أو «ثورة ثقافيّة» كما يُسميها شترينهل، بل هي عمودٌ ثقافيّ اجتماعيّ اقتصاديّ من المشروعِ الكولونياليّ له، مُرتبط بالعنف والاستيطان الصهيونيّ منذُ نهايات القرن التاسع عشر.
طرحُ «الفاشيّة الإسرائيليّة» وخطرها لا ينحصر في ظلّ فترةٍ هنا أو أزمةٍ هناك، فهي هنا منذ قرون، تقسيم العمل والأجور على أساس العرق، العنصريّة المؤسساتيّة، سلب الأراضي، العنف المُمنهج تجاه شعبٍ كامل من الفلّاح والطالب والعامل إلى الأسير والمُقاوم. ما نجده في كتابات عصام مخول أو المؤرخ والأكاديمي شترينهل، منظورٌ «أورومركزيّ»، وأجدُها كذلك في مرحلة أولى، النموذج المعياريّ الغربيّ؛ الفاشيّة التي نتجت عن المجتمعاتِ الغربيّة تحملُ ديناميكيّات ومضامين كونيّة، ولذا تحليل الفاشيّات في العالم ينطلق وفق معيار هذهِ الديناميكيّات التي نتجت في ظلّ المجتمعات الغربيّة الرأسماليّة. وفي مرحلةٍ ثانية هي التماثل مع المنطلقات الفكريّة الأوربيّة في فهم الفاشيّة بأنها تُعبّر عن تضادّ وانحرافٍ لقيمِ التنوير والليبراليّة والحداثة.
«لذلك فإن كل المحاولات للتقليل من أهمية التحذير من الخطر الفاشي المحدق في ظل نتائج الانتخابات مؤخراً، بادعاء أن «البديل ليس بأفضل من نتنياهو»، وبأن «كلّهم صهاينة»، وأن «دولة الكيان اقتلعت شعبنا» وأن «أيديهم ملطخة بدماء شعبنا».. يشي بفهم ضحل لطبيعة الفاشية وظروف سيطرتها، لأنه فهم لا يستوعب العلاقة بين الفاشية وأزمة النظام الخانقة. إن خطر الفاشية مرتبط بأزمة نتنياهو الخانقة وليس بأخلاقه ومواقفه الفاشية فقط. ومن هنا خطر عودته إلى الحكم»، أضعُ هذا الاقتباس لعصام مخول من مقاله في «الاتحاد»، فقط لتوضيحِ المنظور «الأورومركزيّ» الذي نراه وفق مرحلتين، الأولى في وصفه «طبيعة الفاشيّة» يفترض بأن الفاشيّة لها طبيعةٌ وهي أوروبيّة، والمرحلة الثانية بأن الفاشيّة تُعبّر عن انحرافٍ خطير عن الديمقراطية الوهمية والنظام الإسرائيليّ على حدّ قوله. الافتراض بأن الفاشيّة لها طبيعةٌ أوروبيّة كما نتجت عن المجتمعات في بدايات القرنِ العشرين، يقودنا بالضرورة لتقليد التفسيرات «الأورومركزية» بأن الفاشيّة هي انحرافٌ خطير ولها طابع دمويّ عن الديمقراطيات الوهميّة أو الأنظمة الجمهوريّة (في أوروبا، بداياتِ القرن العشرين).
إن عمليّات تفكيك النضالات الفلسطينيّة بالداخل المُحتّل 1948، من خلال الفواصل الزمنيّة التي يُنتجها التحليل «الأورومركزي» هي تقسيم أولويّات وهميّة تقول إن هذه الفترة الفاشيّة لها نضال خاصّ، وتلك الفترة الحرجة لها نضالٌ من نوعٍ آخر، وقانونُ القوميّة نضاله يكون من خلال الكنيست وإلخ...، تقسيمات النضال تلك تعتمدُ بمعظمِها على تحليلاتٍ ونظراتٍ «أورومركزية» تُهمل أموراً أساسيّة، وتحجّم من أمور وهميّة.
* كاتب فلسطيني