رغم أنه في كل يومٍ تتكشف فضيحةٌ، بل فضائحُ، جديدة، فإن المخفي لا يزال أعظم بما لا يُقاس. مزاريب الهدر في كل مكان. حشو الإدارة بجيوش من الأزلام والأنصار ممن لا يفعلون شيئاً سوى قبض «مستحقاتهم» آخر كل شهر. بعض الرواتب والعلاوات خيالية في المؤسسات والمصالح المستقلة. تعويضات بعشرات ومئات الملايين لموظفين في الإدارات والوزارات ممن يعدون بالآلاف، لقاء جهد يُفترض أن يكون في صلب وظيفتهم أساساً. أما ما يستدعي بعض الساعات الإضافية فيمكن احتسابه وتعويضه عبر مكافأة مستحقة فعلاً. تعويضات السفر مدهشة، فإذا أضيفت إليها تكاليف السفر نفسه بالنسبة إلى كبار المسؤولين، تصبح نفقات ملَكية بكل معنى الكلمة (آخر إحدى الرحلات الرسمية صرف لها من احتياطي الموازنة، في 29 آذار الماضي، 750 مليون ليرة لبنانية). يضاف إلى ذلك عشرات أبواب النهب شبه المباشر في مصادرة أو تضييع حقوق الدولة، مقابل رشى في المرافئ والمرافق العامة، ما يضيِّع على الخزينة مئات ملايين الدولارات سنوياً. ويتمتع عدد كبير من كبار الموظفين، في المصالح المستقلة خصوصاً، بامتيازات حقيقية في رواتبهم أو تعدد تعويضاتهم العادية أو التقاعدية. هذا غيض من فيض بعض ما كشفته الأرقام أثناء إعداد الموازنة وخلال الإعداد لبحثها وأثناء عملية البحث. ويزيد من فظاعة هذا المشهد وسورياليته أن التعويضات والمكافآت لا تعطى على أساس الكفاءة والإنتاجية، بل هي تُعمَّم على الجميع لأسباب التوازن الطائفي ومقتضيات المحاصصة وصرف النفوذ. ما معنى أن يتقاضى موظف عمل لمدة خمس سنوات تعويضاً بعد انتهاء ولايته يعادل حوالى مليون وستماية ألف دولار، بعد أن يكون أيضاً قد حصل على راتب يفوق أكثر بمرة ونصف راتب رئيس الجمهورية ولمدة 16 شهراً في السنة، وكذلك بعد أن يكون قد حصل على قروض بتسهيلات تفوق التعويض المذكور بأكثر من مرتين أحياناً لشراء أكثر من منزل: على عدد فصول السنة ربما؟!!

وحيث إن ما جرى ويجري تناوله إنما هو رواتب وتعويضات في القطاع العام بهدف تحميل نتائج الأزمة للفئات الفقيرة والمتوسطة (الذي كانت أكثرية العاملين فيها حتى إقرار «السلسلة»، وبعضها، حتى بعدها، محرومة من الكثير من حقوقها)، فإن فتح الملفات لم يقترب، بشكل فعلي إلى الآن، من مجالات النهب التي تشمل الإقطاعيات والصفقات والتلزيمات والعمولات المخيفة، من نوع مافيات المحروقات والتجهيزات والدواء واستئجار البواخر... وهي لم تشمل كذلك، وبشكل مسؤول وحريص، موضوع الدين، وخدمة الدين التي تقترب، سريعاً، من امتصاص نصف واردات الدولة بعد أن تجاوزت الـ40% في المرحلة الحالية. ويتصل بذلك «الهندسات المالية» التي وزعت المليارات «من قبل من لا يملك لمصلحة من لا يستحق». كل ذلك في عزّ مراحل الأزمة وبما يخدم كبار الدائنين في المصارف خصوصاً ممن راكموا ثروات خيالية من دون أي ضريبة أو تكليف يتناسبان، ولو بنسبة ضئيلة، مع حجم الأرباح الطائلة التي يكدسونها ويضاعفونها: سنة بعد سنة، بل يوماً بعد يوم!
لم تصل، ولن تصل وفق المسار والتوازنات الحاليين، أبحاث مجلس الوزراء وبعده مجلس النواب، إلى هذا النوع من الهدر والنهب. الميل «الطبيعي» هو لتحميل الفئات الشعبية الفقيرة والمتوسطة ثمن الأزمة ومنع أو تأجيل الانهيار. «الحلول» المتداولة هي من هذا النوع ما دام "حاميها هو حراميها". الدليل أيضاً، استمرار العمل وفق نفس النهج القديم، أي المضيّ في المحاصصة والصفقات والإنفاق نفسه. والتعويل كذلك على نفس التوجهات السابقة، أي بمزيد من الدين والقروض بذريعة الحفاظ على الاستقرار النقدي وتفادي الإفلاس وحفظ التوازنات و"الحقوق". منظومة المحاصصة التي تعمَّقت ومعها تعمَّق الهدر والنهب والفساد، ماضية الآن بخطى واسعة نحو فرض إيقاعها وتعميمه على كل ميادين وحقول النشاط السياسي والمالي والاقتصادي والإداري: خلافاً للدستور والقوانين وبالتعارض مع المصلحة الوطنية التي تُملي التحول نحو نظام مواطنة متساوية وإرساء ركائز اقتصاد منتج... ذلك أن الأسباب الحقيقية للأزمة إنما تكمن في الطابع الطائفي التحاصصي للنظام السياسي، وفي النموذج الريعي التبعي للاقتصاد، وفي العلاقات الزبائنية المفروضة على المواطن مقرونة بتغذية العصبيات وذهنية الولاء، وفي الفساد المستشري في كل المستويات...
يُضاف إلى ذلك أن تطورات الوضع في المنطقة، وخصوصاً ضراوة النهج الأميركي في دعم المشروع الصهيوني الأصلي، تغري البعض في بناء رهانات جديدة اعتقاداً منه بحتمية انبثاق توازنات جديدة ستترك آثارها الكبيرة، وفق هؤلاء، على كامل المنطقة وعلى لبنان من ضمن هذا السياق. استغلال فرصة محتملة من هذا النوع، يراود أذهان ويُلهب مخيلات البعض، خصوصاً إذا كان يتحرك خارج الحسابات الوطنية والقومية، وحتى المنطقية.
انكشفت مخاطر منظومة النهب والفساد والهدر كما لم يحصل سابقاً. هي مرشحة لمزيد من التفاقم لأسباب داخلية وخارجية أيضاً. السلطة تصبح أضعف لجهة قدرتها على امتصاص الأزمة والتحكم في ردود الأفعال من قبل المتضررين. المشكلة الآن ذات شقين: المخاطر التي تتهدد البلاد من الناحية الاقتصادية وانعكاس تبعاتها على المديين القريب والبعيد في نطاق أزمة أكبر تهدد المنطقة عموماً. كل ذلك وسط عجز أطراف منظومة المحاصصة، بسبب النهج والتبعية والفئوية، عن اتخاذ الإجراءات الضرورية للسيطرة على تلك الأزمة. والشق الثاني يتمثل في عدم تبلور بديل يوظِّف النقمة العامة على الارتكابات ويضعها في خدمة تبلور بديل سليم للنموذج والممارسات اللذين قادا إلى الكوارث الكبيرة الراهنة والمتوقعة.
هذا الشق هو ما يجب أن يكون مادة حوار في مؤتمر وطني واسع تتداعى إليه قوى سياسية ونقابية واجتماعية وشبابية، حزبية ومستقلة، وذلك من أجل بلورة خيار سياسي واقتصادي بديل، من شأنه أن يشكل دليل عمل لأوسع المتضررين ويوظف احتجاجاتهم وطاقاتهم في نشاط شعبي كبير، سيؤدي، في حال إطلاقه، إلى تغيير التوازنات الحالية التي لن ينجم عنها إلا المزيد من الأزمات والخسائر والخراب!

* كاتب وسياسي لبناني