لم يأتِ الإعلان عن سحب كامل القوات الأميركية من سوريا (والإعلان لاحقاً عن بقاء بضع مئات منها) وجزء منها من أفغانستان من خارج سياق الاهتمام الأميركي بالاستدارة نحو شرق آسيا، بحثاً عن مصالح استراتيجية أكبر وأعمق. بدأ ذلك منذ خاضَ باراك أوباما حملته الانتخابية الأولى. حينها، كان تركيزه منصبّاً على إنهاء حروب بلاده التي طبعت الألفيّة الجديدة، من أفغانستان إلى العراق. كانت تلك الأجندة قد حطّت به في البيت الأبيض قبل عقدٍ، ليغادر منصبه بعد ثماني سنوات، مضيفاً حرباً في ليبيا وأخرى في اليمن، وتحالفاً دولياً في سوريا مهّد لاحقاً لنزول القوات الأميركية إلى الأرض. ثمّ جاء دونالد ترامب بشعار «أميركا أولاً»، مستعجلاً تنفيذ وعوده التي قطعها خلال حملته الانتخابيّة، وقرّر أنّ وقت المغادرة قد حان، وإن بـ«بطء»، على أنّ التوقيت وآلية التنفيذ يبقيان رهن نوعين من التفاهمات: داخلية، حيث باتت الحرب علنيّة بين الإدارة ووكالات الاستخبارات التي أصدرت قبل أشهر تقريرها لعام 2019، وفيه تشكيك كبير إزاء سياسة ترامب الخارجيّة، إلى جانب الضغوط التي يمارسها الكونغرس لدحض خيارات الرئيس. وخارجية، عبر التفاهمات الأميركيّة ــ التركيّة التي تنسّق لما بعد الانسحاب الأميركي المفترض من سوريا.


الحرب «المتعَبة»
في أيلول/ سبتمبر 2018، أي قبل إعلان ترامب قراره الانسحاب من سوريا، جَمَع نائب رئيس معهد «بروكنغز» ومدير برنامج السياسة الخارجية فيه، بروس جونز، 10 خبراء مختصّين في قضايا المنطقة، لمناقشة التحالفات الجيوسياسيّة الجديدة، ومستقبل السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. من أبرز هؤلاء: مارتن إنديك، السفير الأميركي الأسبق لدى إسرائيل والمبعوث الخاص لـ«عملية السلام» في المنطقة، والضابط السابق جيفري فيلتمان الذي شَغَل منصب وكيل الأمين العام للشؤون السياسية في الأمم المتحدة لستّ سنوات، ومنصب مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى بين عامَي 2009 و2012؛ وناتان ساكس، مدير مركز سياسات الشرق الأوسط في المعهد.
منذ نهاية الحرب الباردة، كانت ديناميّات القوى الإقليميّة في المنطقة مستقرّة نسبياً، وكانت هناك قوّة أمر واقع مهيمنة بالتزكية، اسمها الولايات المتحدة. الكثير تغيّر منذ ذلك الحين. مزيجٌ من «الثورات» والحروب، و«التعب الأميركي» من الحروب، كما يصفها المحاور بروس جونز، رافقتها «ثورة» الطاقة الصخرية، وعودة المنافَسة بين القوى العظمى. كلّها أدّت إلى ما يمكن اعتباره تحوّلاً جذريّاً في الجغرافيا السياسيّة للمنطقة، وتالياً تراجع النفوذ الأميركي بسبب «استراتيجية مشوّشة» سعت للدفع في اتجاه إطار إقليمي واقتصادي وعسكري «يدعم الاستقرار»، ويحدّ من تموضع إيران. لكنّ مفهوم «الانسحاب الأميركي» يبالِغ في تقدير الواقع، وإنْ بدا واضحاً أنّ واشنطن تراجعت عن إدارة الصراع في جميع أنحاء المنطقة - إلّا حين يتعلّق الأمر بإيران - وأدخلت وكلاءها في صنع القرار الإقليمي. ومع تلاقي هاتين الديناميتين، يتطوّر، وفق جونز، هيكل جيوسياسيّ جديد، مؤلّف من ستّ دول أساسيّة، هي: السعودية، وإيران، وتركيا، وإسرائيل، والولايات المتحدة وروسيا.

يجب وضع إطار عمل إقليمي لا يركّز بالضرورة على معاداة إيران، بل على استقرار المنطقة


وبالرغم من أنّ الولايات المتحدة تخوض حرباً متواصلة على المنطقة منذ عام 2003، إلّا أنّ هناك «تحوّلين نوعيّين» يمكن البناء عليهما، بحسب المحاور. الأوّل هو انهيار النظام الإقليمي وتفشّي العنف في المنطقة منذ أن اتّخذ «الربيع العربي منعطفاً خاطئاً»، والثاني الذي «يصعب تحديده»، هو التحوّل في إدراك دور أميركا وحضورها في المنطقة.

سياقٌ تاريخي
تحوّلت البنية الجيوسياسيّة للمنطقة بشكلٍ جذريّ منذ عام 2011. لكن إذا ما جرى تتبّع جذور التحوّل تلك، فهو بدأ قبل ذلك بوقتٍ طويل، يقول ساكس. فخلال عام 2000، مثلاً، إذا سألتَ ما الذي يجري في المنطقة، ستسأل أولاً: «ماذا تعتقد واشنطن؟» ثمّ «ماذا تعتقد العواصم العربية الرئيسيّة؟»، أي القاهرة ودمشق وبغداد. ذلك تغيّر طبعاً. ولدى محاولة فهم الواقع الإقليمي الراهن، يكون التركيز على تلك البلدان التي نجَت من اضطرابات 2011. بعضها نمَا اقتصادياً: السعودية وإيران وتركيا وإسرائيل. وهناك بالطبع لاعبان أساسيان هما الولايات المتحدة وروسيا. بالإضافة إلى هذه الدول، يعتقد بروس ريدل ـــ مدير مشروع الاستخبارات في «بروكنغز» الذي عمل مدّة 30 سنة في الـ«سي آي إيه» ـــ بأنّه يمكن إضافة «نصف دولة»، أو أبو ظبي وليس الإمارات، التي باتت «صاحبةَ نفوذٍ متضخّم في القرن الأفريقي واليمن. وهي تشبه ما كانت عليه قطر قبل عشر سنوات».
لفهم الانسحاب الأميركيّ من الشرق الأوسط، يجب وضعه في سياقه التاريخيّ، يقول مارتن إنديك. فقد بدأت الهيمنة الأميركية تتصاعد في المنطقة بعد حرب أكتوبر 1973. وبدأ قوس النفوذ الأميركي يكبر من خلال جهود الرئيس جيمي كارتر للتوسّط في معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، والتي أخرجت الأولى نهائياً من الصراع العربي ـــ الإسرائيلي. كما أدّى انهيار الاتحاد السوفياتي، وإخراج الجيش العراقي من الكويت عام 1991، إلى تعزيز مكانة أميركا في المنطقة، لتصبح القوّة المهيمنة بحلول التسعينيات. لكن مع انتهاء ولاية بيل كلينتون الثانية، بدأ هذا القوس ينحني، خصوصاً مع الفشل في تحقيق اختراق بين إسرائيل وسوريا من جهة، وبين إسرائيل والفلسطينيين، من جهة ثانية، وفق ما يرى إنديك. إضافة إلى الفشل الأخير، جاء غزو العراق ثمّ «الربيع العربي». النتيجة كانت بدء انحسار نفوذ أميركا في المنطقة، إلى درجة أنّه حين سيأتي أوباما، سيكون جزء من الرأي العام الأميركي قد «ملّ الحرب»، مع تشكّل اقتناع عميق من قبل (الرئيس الجديد) بأنّه انتُخِب لـ«إنهاء الحروب». وعليه، اكتفى أوباما بالمشاركة في فتح الصراع في ليبيا واليمن. ولكنه، وفق إنديك، «تجنّب أيّ نوع من المشاركة الجادّة في سوريا»، ما فتح الطريق أمام روسيا للعودة إلى المنطقة. عن النقطة الأخيرة، تعلّق سوزان مالوني ـــ باحثة في الاقتصاد السياسي وسياسات الطاقة في المنطقة ـــ بالقول إنّ «الفكرة القائلة بأنّنا لم نكن موجودين في سوريا، غير صحيحة. ربّما لم نحصّل ما أردنا تحصيله. لكن القول إنّنا كنّا لاعباً غائباً في تطور ذلك الصراع، هو أحد أخطر الأساطير حول نهج إدارة أوباما في الصراع السوري». أما السياق التاريخي الذي رسمه إنديك «فيمكن رؤيته من خلال تحديد أولويات الاستراتيجيّة الأميركيّة في المنطقة. لكن من نواحٍ عديدة، هذه ليست القصة الوحيدة للتدخّل الأميركي، بل إنّها بطريقة ما تتناقض معها».
الجدير بالتفكير، وفق تمارا كوفمان ويتس ـــ باحثة في «مركز سياسات الشرق الأوسط» التابع لـ«بروكنغز» ـــ أنّه حين جاءت إدارة أوباما وركّزت على «السلام»، وتحقيق الاستقرار في العراق، فإنّها كانت تعمل على النظريات القديمة حول المنطقة، معتقدةً بأنّ ذلك سيكون كافياً للحفاظ عليها، ما سيمكّنها من الاستدارة نحو آسيا. لكن الفرضيّة تلك بُنيت على افتراضات خاطئة حول جذور عدم الاستقرار في المنطقة. بدا ذلك جليّاً في 2011. فجذور عدم الاستقرار كانت تبدأ من الأسفل إلى الأعلى؛ من التحديات الديموغرافية، والحكم الفاشل، والبرامج الاقتصادية الفاشلة، وقوى العولمة التي تؤثّر في المنطقة، وبيئة المعلومات... تلك كانت مجموعة من الافتراضات التي لم تسمح أبداً بتطبيق سياسة/ رؤية أوباما المُبكّرة حول الشرق الأوسط. وهكذا، فإنّ التحدّي الذي واجهه الرئيس السابق في فترة ولايته الثانية، والذي يواجهه ترامب حالياً، وسيواجهه الرؤساء الأميركيون المقبلون، لا يمكن اختزاله في كيفية الانسحاب من الشرق الأوسط، ولكن «هل يمكننا الانسحاب؟»، و«إذا لم نتمكّن من فعل ذلك دون من زعزعة استقرار المنطقة، فما الذي نرغب في استثماره في استقرارها؟».

سلاح النفط الأميركي
على طول الطريق، تغيّر الاهتمام الاستراتيجي للولايات المتحدة في المنطقة بشكلٍ كبير. جاءت ثورة الغاز الطبيعي في أميركا، وقلّ الاعتماد على نفط الشرق الأوسط. هذا يعني أنّ أحد أهمّ المصالح الاستراتيجيّة لواشنطن في المنطقة، والتي تتمثّل في ضمان التدفّق الحرّ للنفط من منطقة الخليج بأسعارٍ معقولة، لا يزال يمثّل مصلحةً، لكنّه لم يعد مصلحة استراتيجية حيويّة للولايات المتحدة. ومع فشل جهود واشنطن في العراق، وعلى نطاق أوسع في أفغانستان، أدّى ذلك إلى انتفاء إرادة البقاء في ظلّ الاستدارة نحو آسيا، حيث المصالح الاستراتيجيّة أكبر.
هل من الصواب القول إنَّ واشنطن لم تعد تعتمد على استقرار تدفّق النفط من المنطقة؟ الإجابة هي لا، بحسب سامانثا غروس، الباحثة في مبادرة «كروس ـــ بروكنغز» حول الطاقة والمناخ. تُعتبر أميركا، راهناً، مُصدّراً صافياً للغاز الطبيعي، لكنّها لا تزال مستورداً كبيراً للنفط الخام. كما أنّها لا تزال مكشوفةً أمام أسعار النفط العالميّة. وترى الباحثة أنّ أحد التحديات الكبرى يتمثّل في واقع أنّ المنطقة لا تزال مهمّة ليس فقط بالنسبة إلى الاستقرار الاقتصادي الأميركي، ولكن بالنسبة إلى الاستقرار الاقتصادي العالمي.
مع ذلك، بات لدى واشنطن «قدرة أكبر على تحمّل الركود»، تقول غروس. ذلك يعود إلى نوع إنتاج النفط في الولايات المتحدة. فالنفط الصخري يستجيب للأسعار بسرعة كبيرة. وهناك إنتاج جديد كل ستة إلى تسعة أشهر. هذا لن يفوق الإنتاج السعودي، حيث غالباً ما تكون لدى الرياض طاقة إنتاجيّة فائضة لتشغيلها على الفور. لكنّها تعمل على تقليل فترة صدمات الأسعار وانخفاضها.

«القول إننا كنّا لاعباً غائباً في تطور الصراع السوري، هو أحد أخطر الأساطير حول نهج إدارة أوباما في ذلك الصراع»


بالعودة إلى الحساسيّة السياسيّة لأسعار النفط، تسأل مالوني كيف يمكن التوفيق بين إجبار إيران على الخروج من السوق النفطية مع الحفاظ على أسعار النفط المحلية منخفضة؟ صحيح أن السعودية تمتلك طاقة احتياطيّة، لكنّها لا تستطيع بالضرورة توزيعها بسرعة في السوق. فهناك «تناقض متأصّل في الرغبة في الحصول على أسعار نفط منخفضة للغاية لأغراضٍ سياسية محليّة، والرغبة في استخدام النفط أو تصديره كرافعة للضغط على البلدان المناوئة لواشنطن. لا يمكنك تحقيق كِلا الأمرين في الوقت ذاته». في هذا السياق، يشير ريدل إلى أنّ أيّ دولة لم تقم، منذ 1979، بوقف ضخّ النفط في السوق، باستثناء الولايات المتحدة، من خلال العقوبات ضدّ العراق وليبيا وإيران. «المنطقة لا تشكّل تهديداً للسوق... في ربع القرن الماضي، تبيّن أنّ الولايات المتحدة هي مصدر التهديد الحقيقي للسوق». وهي، وفق مالوني، التي استخدمت النفط كسلاح. يعلّق إنديك في هذا الإطار، قائلاً: «إذا نظرت إلى تخطيط وزارة الدفاع الأميركية، فإنها لم تعد تحدّد حماية النفط في الخليج الفارسي كمصلحة استراتيجية قابلة للحياة من قبل الولايات المتحدة. إنّ التعليمات الخاصة بنقل القوات العسكرية من الشرق الأوسط إلى آسيا، هي نتيجة عمليّة لهذا التحوّل».

توصيات:
- ريدل: مساعدة السعوديين على الخروج من المستنقع الذي خلقوه في اليمن ربما تكون أهمّ شيء يمكننا القيام به على المدى القريب للمساعدة في استقرار المملكة، وتحقيق الاستقرار في شبه الجزيرة العربية. وهذا أمرٌ ممكن. إذا اتصلنا بالسعوديين الليلة، وقلنا لهم: «أوقفوا إطلاق النار غداً في الساعة 6:00، أو أن شحنات الأسلحة ستتوقّف اعتباراً من الساعة 6:01»، سيقولون: «نعم، حسناً فهمنا». لن يكون أمامهم أي خيار.
- إنديك: هناك مصلحة مشتركة أساسية تتمثّل في مناهضة إيران، لكنّ إيجاد تعبير وظيفي لذلك أمرٌ في غاية التعقيد. والسبب هو الجهود الفاشلة لميثاق بغداد في الخمسينيات. فأيّ نوعٍ من تحالف استراتيجي رسمي شبيه بـ«الناتو»، لم ولن يكون ممكناً في المنطقة، لأنّ الاختلافات بين الدول أكبر بكثير من القواسم المشتركة. راهناً، تختلف دول مجلس التعاون الخليجي في ما بينها، فكيف يمكنها أن تنضمّ معاً في حلف ضدّ إيران؟ كان ذلك ممكناً قبل حصار قطر، لكنّه لن ينجح بعد الآن. ثم هناك مصر. والأخيرة لا تريد الانضمام إلى تحالف مناهض لإيران. أمّا الأردن فسيصبح مكشوفاً جداً في حال قرّر الانضمام إلى هذا الحلف. لذا، فإنّ فكرة مجلس التعاون الخليجي زائداً اثنين، لا تنفع. بدلاً من ذلك، يجب وضع إطار عمل إقليمي لا يركّز بالضرورة على معاداة إيران، بل على الاستقرار؛ ويبدأ بمحاولة بناء أعمدة قوية تعمل لمصلحة الاستقرار في المنطقة.