الحضور الأولي لليهود في مجتمعات عربية متعددة الديانات

قبل ظهور الدعوة إلى الإسلام كانت شعوب المشرق والجزيرة العربية قد شهدت ظهور ديانات سامية توحيدية متعددة برزت بينها بدايةً الديانة اليهودية في مناطق كنعانية من فلسطين، متعاصرة في ظل حضارات سومرية وبابلية وكنعانية. وتمثلت هذه الديانات بما تُسمى الكنيسة المشرقية (الكلدانية – الأشورية والسريانية). وقد تمكن الكهنوت اليهودي من فرض هيمنة معتقده بأن الله قد حصر وحيه بديانته في ما سُمّي العهد الأول، أي التوراة الذي عُدّ الكتاب الأول للساميين.
وفي موازاة الديانات التوحيدية، كانت قد شاعت في العصر الجاهلي لمجتمعات شبه الجزيرة العربية قبل ظهور الدعوة المحمدية، ميتولوجيا تتعدد في ظلها المعتقدات المتجسدة بأوثان أو بأصنام تتفرع عن بعضها مع تفرعات القبائل. وهي مجسدات تتعبدها القبائل لتعزيز خصائص قدراتها وتتشارك تنصيبها أحياناً مع قبائل أخرى عربية أو غير عربية تتجاور معها وتتاجر. وجاءت في طليعة هذه الأوثان اللات والعزة ومُناة وهُبل... إلخ. ولم تتوقف ضرورة التفرُّع الديني داخل كل من مجتمعات أديان التوحيد وخاتمها الإسلام، لكون التفرع من ضرورات شرعنة تفرع السلطة داخل المجتمع ومن «ضرورة الاجتماع لازدحام الأغراض» كما قال عبد الرحمن بن خلدون(1).
لقد أثار ظهور الإسلام تنازعاً حاداً مع عبدة الآلهة كما مع العشائر اليهودية التي رأت في ديانة التوحيد التي يُبشر بها النبي محمد تحدّياً لما سبق لديانتها أن دعت إليه. وهذا ما اقتضى نزول آية في سورة «الكافرون» تقول لمن يرفضون التحول إلى الإسلام «لكم دينكم ولي دين»(2). وقد عُدّ ذلك رداً على اشتداد النزاع مع هذه العشائر اليهودية المهيمنة، بالرغم من محاولات تقرب النبي منها في مواسم الحج إلى مكة، ومن اعتماده لقبلتها في القدس ولطقس صيامها مراهناً على معتقدها التوحيدي وعلى تحولها إلى التوحيد الذي أتى به. غير أن هذه العشائر ظلّت تُصرّ على تكذيب أي دعوة تتجاوز توحيدها في كتبها وانتسابها إلى النبي إبراهيم الخليل. وزاد في غلواء تديُّنها توسع تحالفاتها مع قُرَشيّي مكة المعارضين لدعوة محمد وفي تفوقها في أسواق يثرب المدينة حيث تشتهر عشيرة القينقاع بصناعة السلاح والصياغة. ولم ينفع التشارك في مبدأ التوحيد عند هذه العشائر التي رفضت الدخول في الإسلام والتخلي عن عراقة عهدها القديم وعن سعة انتشار تشريعات ديانتها، فزادت في استعداء النبي ورسالته. وهذا ما دفعه إلى أن يقترح عليها صياغة «وثيقة توجّه بها إلى العشائر اليهودية معترفاً بالمساواة في الحقوق لعشر من الجماعات اليهودية»(3). وقد سمح لها بالاحتفاظ بعقيدتها وتجارتها. ولكن بعد إعراض اليهود عن الالتحاق بديانة محمد التوحيدية، ولا سيما بعد معركة بدر وانتصاره على حلفائها من قُرَشيّي مكة، تزايد تحريض قادة يهود عشيرة بني النضير القوية لحلفائهم بني قريش، مُبدين تعاطفهم معهم ضده. بعد كل هذه المواقف السلبية، تأكد النبي من ضرورة ما سمّاه نصري الصايغ «تعريب» الإسلام والتحول عن قبلة المسجد الأقصى في فلسطين إلى قبلة الكعبة في الحجاز ، وعبّر عن يأسه من قبولهم رسالته إلى حدّ اتخاذه القرار بضرورة مواجهتهم لإخراجهم من المدينة عاصمة إسلامه الحنيف، ولا سيما بعد استسلام يهود بني النضير ومن بعدهم بنو قريظة بعد ما أوقعه بهم من «إعدامات وسبي نساء وبيع أطفال»(4)، بعد أن كانوا قد ذهبوا بعيداً في التحالف مع قريش وفي استقطاب القبائل العربية، التي لم تكن قد أعلنت إسلامها بعد، ضده بالرشوة.
كان اليهود في المدينة من اليُسر في زراعتهم وتجارتهم وحرفهم، ومن الثقافة بفضل تعليمهم الديني وتعرفهم للقراءة والكتابة(5)، ما يجعل الجدل عبثاً مع قادة عشائرهم الذين أصروا على مواجهتهم للنبي محمد، وإن كانوا قد توافقوا معه على مواجهة الشرك، إلّا أنهم لم يعترفوا بنبوته في الوقت الذي واصلوا فيه تحالفهم مع الوثنيين.
إن مراتب التثقف الديني في طلائع عشائر اليهود، مكّنت تُجارها على امتداد قرون انقضت على نزول الدعوة إلى الإسلام، من التوسع باتجاه أسواق المدن الآمنة للقبائل والإمارات. وهي أسواق تربط بين مناطق الحجاز وبلاد الشام والعراق عبر البحرين، ومنها إلى اليمن والهند والصين أيضاً خلال القرنين التاسع والعاشر، ومكّنت كبار تجارها من توفير ما تتطلبه هذه الأسواق في مجالات الصياغة والسلاح، خاصة في الوقت الذي اهتم فيه متوسطو تجارها وحرفيوها بتلبية ما تحتاجه أريافها من حرف وموارد من أسواق بعيدة. وواصلت عوامّها الأقل تعلماً وتأهلاً للتجارة والحرف البقاء في قراها منغلقة على شريعتها ومتكيفة مع ثقافة العيش المتأصلة في اللغة والمفاهيم والعادات والقيم وتبادل الأمان في محيطها القبلي – المتأسلم وغالباً ما لا تميل إلى الهجرة عنه. وهكذا يكون يهود الجزيرة العربية قد عاشوا نوعين متوازيين من الاندماج:
* اندماج النخب الذي تنسجه يومياً علاقات السوق، وغالباً ما لا يُعيقه فعلياً اختلاف ديانات الفاعليات المقررة لأوالياته وتُصبح دياناتها متكيفة مع ضرورات التعايش والمتاجرة.
* واندماج العوام المعيشي ــــ الثقافي الذي تنسجه يومياً ضرورات تقبل ديانة الآخرين والتكيف يومياً مع الحياة السياسية في البيئة من خلال نمط الثقافة السائدة فيها إلى أن يطرأ سياسياً ما ليس في الحسبان وتغلب ضرورات الثأر أو الهجرة على فرص التقبُّل والتكيُّف.
واستمر ذلك التكيف الاندماجي يتأكد حتى اليوم عندما برز رسوخ فعل نمط الاندماج الثاني عقوداً طويلة من خلال عدم قبول الفقراء والمعمرين اليهود في المناطق الريفية النائية في اليمن تسهيلات الهجرة المعروضة عليهم إلى إسرائيل. وهي تسهيلات كانت قد وفّرتها أجهزة الحركة الصهيونية لليهود العُمانيين في مطلع القرن العشرين وعشية إقامة دولة إسرائيل عام 1948 وبعده عندما أصبح قيام الدولة يتطلب المجيء بالكفاءات اليهودية العالية والمتوسطة للإدارة والتجنيد من غرب أوروبا وشرقها. وحصل التحول لاحقاً إلى طلب المجيء بمستويات متواضعة من العمالة غير المؤهلة من «اليهود العرب» للخدمات البسيطة التي لا يُقبل عليها المهاجرون المتواضعو التأهيل الوافدون إلى إسرائيل من أوروبا الشرقية وغيرها.

توسع الأسواق

أولاً: في الجزيرة العربية
تراجع تنازع الدعوات إلى التوحيد في الجزيرة العربية الذي أشرنا إليه أعلاه، بعد وفاة النبي محمد. ومع توسع الأسواق على امتداد قرون، توسعت تحالفات التجار في العشائر اليهودية مع قبائل مسلمة، فتوسّعت أمامهم فرص وصولهم إلى أسواق مدن الجزيرة وجواراتها. وقد تمكن متوسطو تجار هذه العشائر وحرفيوها من الاتجار بالسلع والأسلحة (الخناجر والسيوف) والصياغة في أسواق المدن الصغيرة والأرياف. واستمر هذا التعايش التجاوري والتجاري مع القبائل الإسلامية ومدنها قروناً بفعل ما وفّره من التكامل بين أسواق مناطقها واستتباب الأمن الضروري كشرط لا بد منه لتبلور علاقات اقتصاد السوق. علاقات أوصلت التجار، ومنهم اليهود خاصة، إلى أسواق الصين، ومكنتهم من إتقان آداب التكيف وثقافة التعامل مع اختلافات الديانات خلال قرون لم تخلُ من صدامات طارئة لم تؤثر طويلاً في استدامتها، وذلك بفعل ما انتقل إليه التجاور والتعايش في المدن من تعددية التدين إلى تعددية المصالح والطبقات، وبفعل ما ترسخ لدى أحبار الجماعات اليهودية في الأرياف الزراعية النائية المتكيفة بالضرورة من تقبُّل حالات التزاوج من يهوديات يؤسلمن(5). تكيّف يحفظ لهم كنايسهم ومدافنهم، متشاركين مع مجاوريهم المسلمين في الصوم و التمسك بشرط الذبح الحلال في استهلاك اللحوم وفي الزيارات المشتركة لمقامات دينية، ومنها على سبيل المثال، قبر أيوب في صلالة (عُمان). وهذا ما كان قد اعتاده فلاحو قرى جنوب لبنان، وحتى عشية فرض إقامة دولة اسرائيل، يقيمون لأكثر من يوم في زياراتهم للمقامات اليهودية في مواسم محددة خلال السنة للصلاة والاستشفاع والوفاء لها بتقديم النذورات(6). وتبين المعلومات أنه بعد تحول التجار اليهود إلى البلدان المجاورة، كايران والهند، وبعد تحول متوسطي النخب من الفئات الشعبية اليهودية، ولا سيما الشباب، إلى قبول إغراءات الحركة الصهيونية في الانتقال إلى إسرائيل ليلبوا حاجات التوظيف في مجالي الإدارة والتجنيد، ظل قسم من اليهود في أرياف الجزيرة العربية، ومنها اليمن خاصة، غير متأثرين بالانفعالات العربية الشعبية التي ولّدها اغتصاب إسرائيل لفلسطين وتهجير شعبها إلى المخيمات في البلدان المجاورة. وقد اضطرت هذه الانفعالات جماعات يهودية إلى الهجرة، ولا سيما بعد حرب 1967، إلى أماكن أكثر أماناً ونأياً عن انفعالات الجماهير العربية المتوترة، ومنها ــ على سبيل المثال لا الحصر ــ جماعة يهود بني شوران في نجران السعودية، وقد بلغ عديدهم 6 آلاف يعملون في الزراعة ورعاية المواشي. وقد سُمح لهم بالانتقال إلى صعدة وعدن في اليمن بين عامي 1919 و 1950 (ويكيبيديا المصادر العبرانية). وهي الجماعة التي طالب بعودتها الملك عبد العزيز بن سعود، باعتبارها جماعة سعودية، ورفض طلبه الإمام أحمد بن يحيى، باعتبارهم مواطنين يمنيين. وما لبثت هذه الجماعة أن نُقلت إلى إسرائيل بعد رحلات توسّط قام بها وزير الخارجية الأميركي اليهودي الأصل هنري كيسنجر. وبقي في الجزيرة من فقراء اليهود ممن كانوا أقل تأهلاً ومروداً، مقارنةً بأكلاف تهجيرهم وإسكانهم وإعالتهم في منظور أجهزة التهجير الصهيونية.

الحضور اليهودي المعارض للصهيونية ما لبث أن تراجع في أعقاب تأييد السوڤـيات تقسيم فلسطين


لم يكن من السهل على الجماعات اليهودية الهامشية المندمجة اجتماعياً في أرياف المشرق العربي أن تتخلى عن ديانتها المتأصلة في الثقافة اليمنية المحلية، ولا عن حرفها التقليدية وعاداتها حيث تعيش مع القبائل العربية، ولا أن تهاجر من مناشئها القبلية ومن أسواق مناطقها التقليدية إلى ما يستجد عليها من مجتمعات أكثر نمواً في فلسطين أو في أسواق الهند وفارس والعراق وبلاد الشام. لقد استمرّ هذا التنقل بين الأسواق حتى الحرب العالمية الأولى التي جاءت إلى المشرق العربي بالانتدابين الإنكليزي والفرنسي، وجاء معهما وعد بلفور وتشجيع هجرات أوروبا الشرقية، خاصة إلى فلسطين. وشهد الانتداب الإنكليزي المواجهات مع المقاومة الفلسطينية خلال الثلاثينيات، خاصة كما سبق وأشرنا. وزاد اندفاع الأجهزة الصهيونية، بدعم من سلطات الانتداب لتحريك هجرات اليهود «العرب» إلى فلسطين التي بلغت أوجها مع إقامة دولة إسرائيل عام 1948.
بعد خروج أغلبية اليهود من الجزيرة العربية ما عدا اليمن، التي توفّر لهم فيها سوقاً آمنة في ظل الاستعمار الإنكليزي لعدن ولموقعها المفتوح على الهند، بدأت التعاقدات مع الولايات المتحدة قبل بريطانيا، للتنقيب عن النفط في السعودية، وكان الإنتاج الفعلي عام 1950 مع قيام شركة أرامكو. وبهذا يكون يهود الجزيرة العربية قد خرجوا من اقتصاد الزراعة والحج ليدخلوا في اقتصاد النفط عبر شركات أميركية وأوروبية أو متعددة الجنسيات لا دين لها.

ثانياً: اختلاف الوجود اليهودي وتحولاته في بلدان المشرق العربي (الحالة العراقية نموذجاً)
اختلفت مستويات نمو الأقليات الدينية والإتنية واندماجها، ومنها خاصة الأقليات اليهودية، في بلدان المشرق عمّا كانت عليه في المدن والمجتمعات القبلية الإسلامية في الجزيرة العربية. واستمرّ هذا الاختلاف في مستوى تطور الوجود اليهودي بين الجزيرة العربية والعراق. وقد ظهر ذلك في اختلاف ترتيب كل من هذين البلدين بحسب «دليل التنمية البشرية» الصادر في تقرير التنمية البشرية لعام 2013، حيث يُلاحظ أنه في الوقت الذي كانت رتبة السعودية تصل بين الدول المرتفعة النمو إلى 57 وبقيمة 0.7825، كانت رتبة العراق بين الدول المتوسطة النمو هي 131 وبقيمة 0.0595 فقط. وعلى الرغم من هذا الاختلاف، إلّا أن العراق كان أكثر تحضراً في مناطقه، وأكثر نمواً في قطاعات اقتصاده. وكان قد برز هذا الاختلاف بين مؤشرات التنمية البشرية، بين كل من المجتمعين، في تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 1990، فكانت الفروق بينهما على صعيد القراءة والكتابة بين الكبار عام 1985 بنسبة 55% في السعودية، وبنسبة 89% في العراق، وأن الفروق على صعيد عمل المرأة كانت بنسبة 7.1% في السعودية مقابل 21% في العراق.
وقد تزامن الدخول الإنكليزي ذي الطبيعة الاستعمارية للعراق مع حصول وعد بلفور عام 1917 وتأييده لإنشاء «وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين» في رسالة موجهة إلى اللورد اليهودي روتشيلد، تأييداً اقترن بتشجيع الانتداب الإنكليزي للهجرات اليهودية الاستيطانية التي أخذت تنظمها الحركة الصهيونية تنفيذاً لذلك الوعد الذي حرّك خلال ثلاثينيات القرن العشرين خاصة معارضات ومواجهات منذ عام 1920 في فلسطين. وقد توسعت هذه المعارضات كرد فعل على عمل الأجهزة الصهيونية التي كانت ترى في هجرة يهود الفئات المتوسطة المؤهلين في مجتمع بلدان المشرق وأسواقها، ومنها العراق خاصةً، إلى فلسطين، أنها هجرة تلبي حاجة ملحّة لتوفير العمالة والتجنيد الضروريين لحماية المستوطنات والتحضر لإقامة الدولة عندما يتخلى الإنكليز لاحقاً عن الانتداب على فلسطين.
وقد أسهم في قبول اليهود عروض الهجرة إلى فلسطين توسيع بث الأجهزة الصهيونية للمخاطر على استقرارهم في بلاد الشام التي كان اندماجهم في مدنها وأسواقها المنفتحة يُسهل تواصلهم مع بلدان أوروبا والهند وفارس. وكان توافر مدارس الأليانس اليهودية المتفرنسة في هذه البلاد يقلّل من تقبّل كبار الفعاليات اليهودية العراقية لإغراءات الهجرة ومخاطرها المتوقعة، في ظل المواجهات العسكرية داخل الدولة الإسرائيلية المستحدثة. وهي فعاليات استطاعت أن تُؤسس ثلاثة بنوك وتشغل مناصب وكلاء وزارات. وقد تجسد اندماجها على سبيل المثال في ما يُشير إليه عالم الاجتماع العراقي حنا بطاطو بأنّ عدد الصرافين اليهود بلغ عام 1936 ما مجموعه 35 صرافاً من أصل 39 في عموم العراق(7).
وقد بلغ اندماج اليهود في مدن العراق وأسواقه حدوداً دفعت السير أرنولد ويلسون إلى القول: «إن إعلان بلفور لم يُثر أيّ اهتمام في بلاد ما بين النهرين ...»، وأشار إلى أنّ أعضاءً في مجلس الطائفة اليهودية صرحوا له بـ «أن فلسطين بلد فقير والقدس غير صالحة للسكن وأن بلادنا بين النهرين مقارنة بفلسطين هي الجنة التي طُرد منها آدم ...»، وأنّ هذا «لا يمنع اعتبار اليهودية ديانة، وأن المشكلة اليهودية هي مشكلة أوروبية. وأنّ تدينهم لا يمنع بعضهم من دفن موتاهم في فلسطين عندما يعرض عليهم اليهود الصهاينة مدافن للبيع(8). وذلك كما يُدفن الشيعة في العراق (النجف) وفي سوريا (مقام السيدة زينب).
إلّا أن هذا التعلق التجاري والثقافي بالعراق لدى فئات من يهوده لم يحل دون اهتزاز الأمان لدى بعض من هذه الفئات التي كانت أكثر تخوفاً مما «نُسب»(9) إلى البعثات الألمانية النازية من مُعاداة متوقعة لليهود خلال ثلاثينيات القرن العشرين. تخوفاً استفادت من فعله الأجهزة الصهيونية لتُسرِّع من هجرة يهود الفئات الوسطى إلى أرض التوراة والميعاد. وزاد في الاضطرار إلى الهجرة توسع الانفعالات القومية في عهد حكومة الكيلاني القومية (1932)، ولا سيما مع توسع ثورة الفلسطينيين عام 1936. وكانت هذه الانفعالات الشعبية العراقية قد استثارت في المقابل مزيداً من المخاوف لدى اليهود بعد ملاحظاتهم لتسريح موظفين بينهم، وبعد أن حُصرت الكوتا المخصصة للطلاب اليهود بـ 10% من إجمالي اليهود البالغ 800 ألف»، وهي حصة لم تشمل أولاد الفئات الأقل اندماجاً اقتصادياً وسياسياً بينهم. وكانت سلطة الانتداب الإنكليزي قد دخلت في أعقاب هذه الانفعالات في العراق «ومعها وحدة عسكرية من منظمة الأرغون لإعادة الأمن إلى العراق بعد فشل حكومة الكيلاني القومية وإعادة الوصي على العرش عبد الإله إلى الحكم وخروج اليهود والمسيحيين والمسلمين الموالين لاستقباله في المطار وانفلات الأمن... وهذا ما انعكس في الأوساط الشعبية القومية مزيداً من تعرض اليهود للعنف ونهب البيوت والمخازن». وتعليقاً على ردود الفعل ضد اليهود، يقول الصحافي البريطاني ديفيد هيرست: «لم تكن اللاسامية بالشكل التقليدي الذي نعرفه عن الأوروبيين هي الدافع إلى ذلك، بل هي نوع من التعصب الجائر في لحظات من الرفض والغضب ...». وكان إنزو سيريتي، زعيم الحركة الصهيونية السرية في العراق، قد كتب إلى الوكالة اليهودية عن «دهشته من عدم وجود الحماسة بين اليهود البغداديين من أجل فلسطين ... وكان قد زاد من تهدئة مخاوف اليهود العراقيين تزايد تأثير القوى الديموقراطية في الحركة الوطنية على حساب القوميين وإعطاؤها القضايا الاجتماعية المحلية الأولوية. وهذا ما شجع دخول اليهود في العمل الشيوعي وفي قيادة الحزب الوسطى، وشجع شيوعييهم على تأسيس منظمة مكافحة الصهيونية التي كان اليهود من غالبية أعضائها»(10). غير أن الحضور اليهودي المعارض للصهيونية ما لبث أن تراجع في أعقاب تأييد السوڤـيات تقسيم فلسطين والتصويت لإقامة دولة إسرائيلية في فلسطين. وزاد بعد ذلك التضييق على تحركات الشيوعيين اليهود واعتقالاتهم، وهرب الباقون منهم عبر الحدود الإيرانية، ومنها إلى إسرائيل لاحقاً(11).

ثالثاً: اختلاف الوجود اليهودي في البلدان المغاربية (المغرب الأقصى نموذجاً)
عاش اليهود في هذه البلدان قبل وصول الفتح الإسلامي إليها في مطلع القرن الثامن الميلادي، واندمجوا في أسواقها خارج الزراعة كما كانوا عليه في بلدان المشرق، وقد وجدوا أنفسهم في مأمن من اضطهاد ملوك الكاثوليك في المناطق الأوروبية المتوسطية، وكانوا قد تكيفوا في معاشهم، خاصة مع القبائل الأمازيغية، وكان هذا قد سبق وتعزز بعد إخراجهم مع المسلمين من الأندلس والبرتغال في تسعينيات القرن الخامس عشر.
وبلغ تكيف اليهود في هذه المجتمعات، ولا سيّما الأمازيغية، حدود اقتباس بعض من عاداتها الاجتماعية ولغتها المحلية وطقوسها وأسمائها، وحتى من صلواتها، ورفض تعدد الزوجات الذي يُميزهم في شريعة حياتهم عن شريعة حياة يهود بلدان أخرى. وعزز التكيف التجاوري والتجاري لدى الأقليات اليهودية في هذه المجتمعات من نهج الطوعية الليبرالية المرجَّح في أوساط الفرع الإصلاحي من الديانة اليهودية الذي يرى في القانون اليهودي مجرد مبادﺉ توجيهية عامة وليس مجموعة قيود(12).
وكان شأن التجار اليهود في المغرب كشأن تجار يهود المشرق والعراق لجهة ترصّد الأسواق المغرية لتسويق بضائعهم. ولهذا استمرت أشكال الحراكات الاندماجية في حارات المدن المغاربية الخاصة بهم التي توزعوا بينها، ومنها مدينة وهران في الجزائر التي تركز فيها اليهود الشرقيون الناطقون بالإسبانية، بالإضافة إلى عدة مدن أخرى في الجزائر وتونس تركز فيها يهود وافدون من إيطاليا. وكانت قد سبقتهم إليها عشرات مدارس جمعية الـ L’Alliance Israelite Universelle الفرنكفونية المناهج التي تقوم من ضمنها بتعليم اللغات الفرنسية والعبرية إلى جانب اللغة العربية - الأمازيغية.
وبهذا تكون مدارس الأليانس قد أسهمت في تخريج الكفاءات التجارية للتوسط بين الأسواق العربية والأوروبية، وتُمكن التجار اليهود المغاربيين من التواصل مع المدن الأوروبية المتوسطية المقابلة لمراكز تجاراتهم ومناشئهم على الساحل المغاربي المقابل على المتوسط. وبرز توسع استقرار اليهود في ظل الاستعمار الفرنسي لبلدان شمال إفريقيا وفي ظل إداراته المُحتضنة لليهود تخفيفاً من ذنب تواطؤ الحكام الفرنسيين الذين سبق أن تواطأوا مع حلفائهم النازيين المحتلين لفرنسا ضد اليهود وسهّلوا لحصول مجازر الهولوكوست النازية. لقد تميّز استقرار اليهود المترسخ في المدن المغاربية بعيداً نسبياً عن توترات المواجهات التي استمرت لأكثر من نصف قرن بين التيارات القومية العربية وانعكاسات مسألة اغتصاب فلسطين وتهجير شعبها. وتميز استقرار اليهود المغاربيين في ظل الحضور الفرنسي على أصعدة الأمن والتعليم وتطبيق القانون لإرساء المساواة والأمن في حارات اليهود (أو الملاح) وإن كان هذا الحضور لم يمنع بعض المسلمين من تجاوز الأخلاق والقانون في التعامل مع أفراد من هذه الحارات.
وقد وفّر الاستعمار الفرنسي في الجزائر أيضاً من التعليم في مدارس فرنسية علمانية حيث راح اليهود المغاربيين فيها، على حد ما يعرضه أندريه شوراكي، أحد رؤساء الأليانس «يتعلمون من آثار جان جاك روسو وڤـولتير وفيكتور هيغو، وهي آثار ثقافية ألهبت أرواحهم وعقولهم وأثارت مشكلات بينهم وبين النبيين موسى وعيسى وشماعاي وكبار الأحبار و اليهود، وكادت تنزل بالديانة اليهودية إلى أدنى ما فيها. وقد أخذ الطلاق يترسخ بين العقل والدين والصلاة والتلمود ...»(13).
ويذهب أندريه شوراكي في المغالاة في تفسير أي تعدٍّ مسلم على الفرد اليهودي بأنه «إذلال مزمن». وبهذا التفسير التعميمي يُنكر المؤلف شوراكي ما يُشير إليه هو في غير مكان إلى اندماج اليهود وأمنهم في الأسواق ولجوئهم بعيداً عن مطاردة الكاثوليك لهم، ويُشير أيضاً إلى تاريخ احتضان المسلمين لليهود الفقراء قبل الأغنياء على امتداد قرون بفعل تكيفهم في ظل التجاور والعيش المشترك، ويذهب إلى وصف هذا التكيف(14) بأنه مجرد «مبالغة في الخضوع»، متناسياً حصول اعتداءات أصعب لمسلمين على مسلمين آخرين فقراء من أقليات مسلمة أو أهلية أو جهوية أو عائلية طمعاً في مالهم أو افتئاتاً على حقوقهم في غياب قانون وإدارة ضاربة و«مدنية» كالإدارة الاستعمارية الفرنسية التي انتمى إليها المؤلف شوراكي، ولم يرَ في استعمارها لبلدان المغرب سوى نشر القانون والحقوق المدنية والأمن والرفاه الزوجي الذي يُرسيه خلال استعماره لتستفيد منه الأقليات المرحبة باستغلاله وقمعه، يهودية كانت أو إسلامية، ومتناسياً أيضاً أن هذا التقدم الذي جلبه الاستعمار الفرنسي كان أوسع انتشاراً بين فئات متعاونة معه وفقاً لطبيعة مصالحه على امتداد 130 سنة من استعماره للجزائر و 75 سنة من استعماره لتونس وبخلاف ما كان عليه توسعه بين فئات الشعب في المغرب الأقصى التي ظلت أقرب إلى تقاليدها المحافظة ولم تحظَ بإيجابيات الاستعمار التي عرفتها كل من تونس والجزائر.
وهكذا تكون الحركة اليهودية قد تطورت متعاونة، على امتداد عقود راوحت بين قرن ونصف قرن، مع الاستعمارين الفرنسي والإنكليزي للبلدان العربية. عقود تكيفت بعدها مع استتباع أسواقها لتنتهي اليوم إلى قومية يهودية متعنصرة في خدمة عولمة نيوليبرالية لأسواق هذه الدول، مستعينة بشرعية أميركية ظالمة في التوسع والضم الاستيطاني لمناطق سبق أن احتلتها، كما في الجولان والضفة الغربية والقدس، محققة وعوداً مزعومة في التوراة التي يقول الباحث الإسرائيلي الأركيولوجي فنلنشتاين: «إن قسماً كبيراً منها كان دعائياً أسطورياً»(15).
* كاتب لبناني

مراجع:
1- إبن خلدون، المقدمة ، «في معنى الخلافة والأمانة واختلاف الأمة في حكم هذا المنصب وشروحه»، دار الكتب العلمية ، بيروت، صفحة 151
2- « ُقلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ، لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ، وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ، وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ ، وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ»
3- مونتيغمري وات «محمد في مكة» ، ترجمة شعبان بركات، منشورات المكتبة المصرية، صيدا _ لبنان ، ورد المرجع في كتاب نصري الصايغ ، « محمد - ألسيرة السياسية» منشورات دار الفارابي، بيروت ، 2018 ، صفحة 182.
4- المرجع السابق ، صفحة 288.
5- كتلك التي أثارتها صحف غربية محتجة على تزويج البنت اليهودية « نينوى» من شاب مسلم من قرية في اليمن بحضور أحد الأحبار
6- مقامات يهودية تُعزى « للأنبياء » يوشع بن نون وشمع الصفا او شمعون ومحيبيب وٍسُجُد وايوب الموجود في اكثر من منطقة وكُثُر آخرون كحزقيل وابو ركب في عرمتى» وردت اسماؤهم في كتاب خطط جبل عامل للسيد عبد الحسين شرف الدين وفي موقع « صوت الفرح » للاعلامي قاسم صالح صفا
7- عباس شبلاق، هجرة أوتهجير، ظروف وملابسات هدرة يهود العراق، مؤسسة الدراسات الفلسطينية _ بيروت 2015، صفحة 33.
8- عباس شبلاق ، المرجع السابق، ص.ص 41 و 42 و 46
9- المرجع ذاته، صفحة 53
10- المرجع ذاته ، صفحة 72.
11- عبد القادر ياسين ، مجلة شؤون فلسطينية ، نوفمبر 1972، ص.ص. 158 _ 166 .
12- مأخوذ عن موقع مغاربة يهود _ ويكيبيديا
13- Ibideu, P. 238.
14- André Chouraqui, Marche vers l’occident : « Les Juifs d’Afrique du Nord » PUF, Pages 237 _ 241 _ 252.
15- علاء اللامي، جريدة «الأخبار» البيروتية عدد 18/4/2019 .