يعيش لبنان حالياً أزمة نظامه السياسي وموت اتفاق الطائف. وما السلوك الذي سبق وواكب تأليف الحكومة الحالية، وما رافقه من تدنٍّ في مستوى التخاطب السياسي والاتهامات المتبادلة بين مكونات السلطة، والتي وصلت إلى حدّ التخوين، إلّا دلالة واضحة على تفاقمها، والتي ستنذر بنتائج، من المؤكد أنها ستكون كارثية على البلد. هي ليست المرة الأولى التي يمر بها النظام السياسي في لبنان بأزمة، بل على العكس من ذلك؛ فعلى مسار وجوده منذ الاستقلال حتى اليوم، عصفت به ومن حوله أزمات عديدة، كانت بأكثريتها تُختبر في الشارع عبر توترات أهلية وحروب، والناتج منها كان دوماً إعادة توزيع للسلطة وفق «حسبة» جديدة بين أطرافه تعكس مخرجات تلك الأزمات ونتائجها وتقاطعاتها الداخلية والإقليمية، لكن من دون المس بجوهره أو بالأساس الذي يقوم عليه. ثم جاء اتفاق الطائف لإنهاء الحرب الأهلية التي امتدت لـ 15 سنة، لكن وفق «حسبة» مختلفة هذه المرة، معطوفة عليها تبدلات جذرية حصلت، بدورها، فوق مسرح الصراعات الإقليمية والدولية؛ لقد قام الطائف بدوره ووظيفته على أنقاض البلد ونظامه السياسي القديم وأفضى إلى تبدّل في الطبيعة التمثيلية لقوى النظام، الذي انتقل، من بيوتات سياسية تقليدية إلى أمراء الحرب والمستفيدين منها، لكن مع الحفاظ على بنيته الأساسية، أي البنية الطائفية. إن المستجد والواضح في الأمر، كان دخول العامل الخارجي هذه المرة وبالمباشر من خلال الرعاية السورية لتنفيذ ذلك الاتفاق السياسي الذي أُبرم بين الولايات المتحدة الأميركية ــــ السائرة في حينه إلى قيادة العالم ــــ والمملكة العربية السعودية وسوريا، التي كُلفت بإدارة الملف اللبناني وبكل تفاصيله حتى عام 2004.

لقد شكّل الواقع، الذي استجد على لبنان بعد زلزال القرار الدولي 1559، بداية الانقلاب على مفاعيل اتفاق الطائف والهدنة المعلنة بين أطرافه، الخارجية، أي بين رعاته الثلاثة، من خلال تناقضهم الواضح حول العديد من ملفات المنطقة، والداخلية، من خلال انقسام عمودي، بمنحى طائفي، شلّ الحياة السياسية في لبنان. ثم جاء اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وما تلاه من اغتيالات سياسية، ليُظهّر حالة الانقسام تلك بأبشع صورها، ويحولها إلى حالة من التوتر الداخلي، يخفت منسوبها ويعلو وفق مناخ المنطقة، التي دخلت بدورها في مرحلة متقدمة من التباين بين محاورها وصلت إلى حدّ الاشتباك المباشر في غير ساحة، وحول الكثير من القضايا. هذا الانقسام السياسي، الذي أخذ أبعاداً طائفية، كاد يُوصل البلاد إلى حرب أهلية، ولم يمنع أطرافه، المتباينة حول كل شيء، من «التحالف الرباعي» في انتخابات 2005 التي تلت اغتيال الحريري بثلاثة أشهر، والذي أعطى فريق 14 آذار أكثرية نيابية، لكنها لم تستطع أن تحكم بالاستناد إليها. واليوم، وعلى أساس ما يجري في المنطقة من اشتباك شامل في قضاياه وساحاته، واشتداد التدخل الغربي فيها، والتقدم الذي حصل في سوريا والعراق لمصلحة دولتيهما الوطنية، ربحت قوى 8 آذار وحلفاؤها الانتخابات الأخيرة، وأيضاً، بدورها، لم تستطع أن تحكم بها. فهذه المعادلة الواضحة الأبعاد في لبنان تؤكد مراراً أن ما يجمع تلك القوى هو طبيعة النظام وليس برامجها أو أهدافها أو حتى تموضعاتها الإقليمية، وإن فرّقتها الولاءات السياسية الموزعة على مختلف الساحات.
من هنا، وعلى أساس ذلك الواقع المعقّد، تصبح مسألة صوغ موقف واضح من تطورات المنطقة، مع ما يحمله من اشتداد في حدّة الصراع، ضرورة موضوعية تستوجبها المخاطر المرافقة للتناقض الرئيسي الذي بات اليوم أقرب إلى المواجهة المباشرة؛ فالمشروع الأميركي في حالة تعثّر حقيقية، وهذا ما يجعل الارتجال في أخذ المواقف من أصحابه وتبدلها بشكل عشوائي سبباً لأخذ جانب الحيطة والحذر منه والتأهب لمواجهته. فالتهّور الذي يرافق المهزومين دوماً يجب أن يكون مدعاة لليقظة، لأنه لا يمكننا تقدير حجم ردود أفعالهم، وما الصخب الذي يحدث من حولنا والمترافق مع تهديدات وعقوبات وزيارات متتالية لمسؤولين غربيين، وما يصدر عنهم من كلام عالي النبرة، إلّا صراخ في الهواء، لأن المشهد، في حقيقة الأمر، معاكسٌ؛ فنحن على أبواب تغيير استراتيجي في المنطقة سيتطلب المزيد من الصمود والمواجهة. ولبنان الواقع على تماس مع الخطوط الأمامية لتلك الأحداث لا يستطيع، بالاستناد إلى نظام سياسي كهذا، أن يتصدى لموجبات الذي يحدث وللأطماع الدائمة فيه من قبل العدو الصهيوني وملحقاته، إذ لا سبيل لمناقشة وضعه السياسي بمعزل عن تلك التداعيات وتطوراتها، وبالتحديد الوضع السوري؛ وهنا، ليس القرب الجغرافي هو المحدد في هذه المسألة، بل طبيعة الصراع ونتائجه.
لقد انخرطت قوى لبنانية عديدة في الحرب السورية، وعلى الجبهتين، وساهم لبنان في استقبال أعداد كبيرة من النازحين، وكان ممراً لتهريب الأسلحة ومنطلقاً لها، وفي بعض الأحيان شكل قاعدة خلفية لبعض القوى التي كانت تحارب الدولة السورية. إن تطورات تلك الحرب تشي اليوم بتقدم الحكومة السورية لبسط سيطرتها على معظم أراضيها. وهذا انتصار للمحور الذي اصطف إلى جانب النظام في سوريا، من روسيا إلى إيران إلى قوى عراقية، وصولاً إلى حزب الله، ما يعني أن جزءاً من مفاعيل ذلك الانتصار سيُترجم في ساحات القوى المشاركة وسينعكس عليها، إذ لا يمكن أن يمر ذلك من دون تثمير النصر في سلة المنتصر والاستفادة منه في تعديل موازين القوى، سواء في داخل كل بلد أو في المنطقة. هو اشتباك ليس من السهل تبيان نتائجه الفورية؛ فمفاعيله تتعدى الساحات المحلية أو الإقليمية لتصل إلى حدود تغيير طبيعة الصراع في العالم، من خلال إعادة التوازن الدولي ولو جزئياً. فمخاض الانتقال من عالم الرأس الواحد والقول الواحد إلى آخر برؤوس كثيرة ومتعددة، ربما ستكون آلام ولادته باهظة التكلفة، وما يحصل اليوم في الشرق الأوسط يشكل الساحة الأبرز من هذه الساحات.
من هذا المنطلق، فإن اتجاهات الوضع الآتي على لبنان لن تكون بعيدةً عن مآلات الحرب السورية ونتائجها، وقد تنعكس بصور متعددة وبأشكال مختلفة؛ وما يربط الوضعين السوري واللبناني مسائل تمتد خارج الجغرافيا المتداخلة لتصل إلى قضايا النازحين والانخراط اللبناني في الحرب وتحمّل تبعات ذلك، بالإضافة إلى مسألة الإعمار، وصولاً إلى ما سيفرزه انتصارها في نهاية المطاف على التموضعات السياسية الجديدة، سواء في المنطقة أو في الداخل اللبناني... أمام هذا الواقع الشديد التعقيد، تبقى حيوية النظام السياسي القائم في لبنان وطبيعته الطائفية وسهولة استداراته، كفيلة بحل أكثرية مشاكله؛ فتلك المنظومة الحاكمة، بطبيعتها الزبائنية، قادرة على التكيف مع أي مستجد يمكن أن يؤمن لها مصالحها. وعلى ذلك تصبح عملية تبديل الولاءات أمراً لا مفر منه. أمّا الانعكاس السياسي للتموضع الحاصل في صراعات المنطقة، فمن المستبعد أيضاً أن يكون هناك فروق نوعية؛ فالانقسام السياسي المرتبط بالطبيعة المذهبية سريعاً ما سيجد نفسه متصالحاً مع تموضعه الجديد وبطبيعة الحال مع مكوناته، وعلى ذلك الحدّ سيصبح الاختلاف شراكة، وعليه سيسوّى الكثير من الأمور.
إن المطلوب اليوم والأجدى هو إعادة صوغ الموقف السياسي اللبناني ربطاً بالمستجدات الحاصلة وتوضيح التموضع في تلك المواجهة؛ فعملية بناء «الدولة»، بشكل عام، لا تقوم إلّا على أساس بنى اقتصادية واجتماعية ثابتة ومنتجة، وخارج تلك البنى تُصبح القضية كبدل من ضائع، فلا التاريخ ولا الفرادة ولا الكيان ولا الثقافة ولا الخارج ولا العلاقات ولا الولاءات... من يبني دولاً، بل يمكن أن تشكل، في أحسن الأحوال، عناصر في عملية البناء. وعلى هذا الأساس، تُصبح قضية إرساء علاقات سياسية واقتصادية سليمة بين لبنان وسوريا، وحتى مع الأردن، ضرورة وطنية قبل أن تكون إقليمية، وأن تتطور كي تصل إلى حدّ التكامل. فتلك العلاقات ستشكل أساساً صلباً لاقتصاد متين يُبعد تلك البلدان عن الريعية الاقتصادية أو الاستلاب السياسي لقرارها. وما مسألة إعمار سوريا والمشاركة فيها بشكل فعّال إلّا مدخل أساسي لإعادة بناء الاقتصاد الوطني اللبناني وفق منطلقات جديدة، تأخذ مصالح الشعب وموجبات بناء الدولة في أول سلّم الأولويات، بالإضافة إلى تمكينه من الصمود أمام أي أزمات إقليمية أو دولية، وإكسابه مناعة تعطّل مفعول أي ابتزاز أو عقوبات أو شروط. فعملية الإعمار، وقرب الموانئ البحرية والجوية اللبنانية منها، يجب أن تشكل فرصة جدّية لإعادة النظر في عملية التنسيق الاقتصادي بين البلدين من خلال ربط البنى التحتية المتداخلة بينهما كشبكات الطرق والمصارف ومصادر المياه والكهرباء... بطريقة تكون عملية الاستفادة منها أكثر إنتاجية وفاعلية، ومقدمة لفضاء عربي اقتصادي مشترك، والذي لا حل لمشاكل التنمية والفقر في بلداننا من التبعية والارتهان والتحرر من دون هذه السوق العربية المشتركة التي يجب أن تقوم على فكرة التكامل.
إن الوضع الاقتصادي الحالي في لبنان، بما يختزنه من مشاكل بنيوية في أسسه، وبما يحمله من مخاطر تمسّ الجميع، وصل إلى مستوى من الخطورة باتت تهدد بانهيار سيطاول بمفاعيله أكثرية الشعب اللبناني؛ فالتبعية الاقتصادية، والناتجة بدورها من طبيعة النظام السياسي التابع هو أيضاً، جعل منه خاصرة ضعيفة في البنية العامة للدولة؛ ديون أعلى من الناتج بكثير، نمط ريعي، فساد، تبعية، هدر، محاصّة، زبائنية... كلها عناصر دخلت في التركيبة الهجينة للواقع الاقتصادي وانعكست اهتراءً بنيوياً في التركيبة الاجتماعية، المرتبطة بطبيعة مصالحها، بشقّي أزمة النظام: السياسية والاقتصادية. إن السياسات المعمول بها اليوم والمُتفق عليها مسبقاً والتي أُقرت كبرنامج عمل للحكومة الحالية، لم تأت نتيجة دراسة الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي يمر بها الشعب اللبناني، وليس تلبية لحاجات، أصبحت ملحّة عند عامة المواطنين، كمحاربة الفقر والبطالة والفساد وتوفير الصحة والتعليم والأمن...، وليس منعاً لانهيار اقتصادي، قد يصيب مفاصل الدولة وماليتها العامة، وليس درءاً لعدوان على لبنان... إنما تأتي لتنفيذ ما تتضمنه مؤتمرات الديون المتلاحقة، واستجابة لشروطها ولشروط الدول المانحة، والتي، وكما بات معروفاً، ستضع مصالح الشعب اللبناني، من حقوق وتقديمات اجتماعية، في طليعة استهدافاتها، مروراً بتقليص القطاع العام وإمرار مشاريع الخصخصة ورفع الدعم عن السلع الأساسية، وصولاً إلى زيادة الضرائب غير المباشرة وخفض الأجور وزيادة التخصص بالهجرة وخدمة الاقتصاد الإقليمي... وبهذا التوصيف، هو استمرار السلطة الحاكمة في انتهاج السياسات نفسها التي اتبعتها منذ الطائف حتى اليوم، والتي أوصلت البلد إلى ما هو عليه.
فالطبيعة الريعية للنظام السياسي قائمة على الاستجابة الطوعية لمندرجات مؤتمرات الديون ولشروطها الاقتصادية والاجتماعية وموجباتها، كما الاستجابة السياسية. وهذا الأمر ستطاول مفاعيله، بطبيعة الحال، أكثرية الشعب اللبناني، ما يدعونا إلى رفضه ومواجهته بعناوينه وقضاياه، في سياق حركة اعتراض سياسي وتحركات متنوعة تهدف إلى بناء كتلة شعبية من كل المتضررين ومن الموقع النقيض؛ كتلة مؤلفة من قوى سياسية واجتماعية وأهلية ونقابية ومدنية تشمل أوسع فئات المجتمع، وبخاصة المهمشة منها، كي تضغط من أجل إحداث تغيير حقيقي في بنية النظام السياسي القائم وسياساته، والذي أوصل البلاد إلى وضع خطير من التأزم وعلى المستويات كافة، وأن يجري العمل عليها من خلال مسار تصاعدي ومدروس، يسعى إلى جذب الكتل الكبرى، من سكّان المدن والأرياف والمتعطلين عن العمل والعمال المكتومين... إلى دائرة الفعل السياسي والاجتماعي القائم في مواجهة سياسات المنظومة الحاكمة، التي تهدد حياة شعب لبنان وكادحيه، وإلى انتزاع مساحة واضحة في المشهد السياسي العام للقضايا الاقتصادية ــــ الاجتماعية.
من هنا، تصبح عملية الربط بين المسألة الوطنية والقومية والتحرر الاجتماعي والاقتصادي، باعتبارهما مساراً واحداً، ضرورة، وكذلك يصبح ملحّاً أكثر فأكثر مسألة صوغ موقف واضح من أحداث المنطقة، وبخاصة من المشروع الاستعماري الغربي بنسخته الحديثة، والذي يهدف إلى تدمير المنطقة كمقدمة للسيطرة الكاملة عليها ونهب ثرواتها كافة، والذي بدأت إرهاصاته تظهر من خلال ما يُهيّأ لها من اعتداءات ومشاريع تصفوية، تطاول القضايا كافة، (فلسطين، تحرير الثروات، بناء الدول الوطنية...)، وكذلك تلك المتعلقة بالأمور الحياتية واليومية للمواطنين. من هذا المنطلق، وبناءً عليه، تصبح مهمة بناء تلك الكتلة السياسية والشعبية الواسعة أمراً ملحّاً وضرورياً، وما طرح موضوع «المقاومة العربية الشاملة»، إلّا الشكل العملي للربط بين مجمل تلك القضايا والمهام والبناء عليها: هو الإطار الذي يجمع كل الذين يريدون مواجهة المشروع الإمبريالي الغربي، وأدواته في المنطقة، من موقعه المتقدم المتمثل بالعدو الصهيوني وبقية النظم الرجعية وغيرها. وهذا الأمر يتطلب ضرورة العمل، وبذل الجهود لإنضاج برامج موحّدة تأخذ في الاعتبار مواجهة العدوان والسياسات المرتبطة بتبعيتها السياسية والاقتصادية، والعمل على تمكين القوى الوطنية واليسارية لتأخذ دورها ولتكون قاطرة تمنع الانحراف وتعطّل أي مصادرة، وتحبط أي محاولة، سواء كانت داخلية أو خارجية، تسعى إلى ذلك، وبذلك فقط تستعيد دورها التاريخي الذي نفتقده اليوم.
* عضو المكتب السياسي ومسؤول العلاقات السياسية في الحزب الشيوعي اللبناني