في مثل هذا اليوم، قبل 44 سنة، اندلعت موجة عنف استمرت نحو 15 سنة. حصل ذلك بسبب صراعات في المنطقة وعليها، وصراعات في لبنان: على هويته وسلطته وعلاقاته الداخلية والخارجية... وحصل ذلك، بهذا الحجم الكارثي وبتلك الكيفية والاستطالة والأثمان، بسبب عجز النظام السياسي، بنيةً وسلطةً، عن كبح التوترات أو احتوائها وامتصاصها، كلّياً أو جزئياً، لتفاعلاتها ونتائجها المأساوية. وقد انتهت تلك الموجة العنفية بحصيلة مخيفة من الخسائر البشرية والمادية، وبوضع لبنان تحت سلطة وصاية أمنية وسياسية واقتصادية نتيجة عجز سلطته وقواه السياسية عن التعامل السليم مع الأزمة وعن التوصل إلى تفاهمات تنطلق من مصلحة اللبنانيين الوطنية فتصون وحدة لبنان وسيادته وتثبّت تفاهماً داخلياً يكرس ذلك في نظام أسلم وأرسخ.

دار نقاش طويل ومرير أثناء الأزمة الأهلية وبعدها حول طابع تلك الحرب وأسبابها: هل هي «حرب الآخرين» على أرضنا؟ أم هي حرب فيما بين الأطراف السياسية والمكوّنات الاجتماعية اللبنانية فحسب؟ أم هي مزيج من الاثنين معاً، تفاقم واستطال، نتيجة عجز نظامنا السياسي عن استيعاب الأزمات والصدمات بالحد الضروري من الوحدة والتفاهم الوطنيين. الواقع أن الفئات التي كانت صاحبة امتيازات وقرار حاسم في الإمساك بزمام السلطة، هي التي نفت عن الصراع أي صفة داخلية، أملاً في إبعاد الاستخلاصات بشأنها عن كشف عمق الخلل والاختلال القائمين في منظومة السلطة وتوازناتها. ولم يكن ذلك، بالتأكيد، لنفي حضور العامل الخارجي في ساحتنا الداخلية. وهو عامل شديد التأثير منذ تأسيس لبنان الكبير عام 1920 إلى احتلال العدو الإسرائيلي عاصمتنا بيروت عام 1982 بعد اجتياح عدواني عسكري غير مسبوق آزره دعم أطلسي مباشر تجسّد في حضور «القوات المتعددة الجنسية» الأميركية والفرنسية و... التي دعمت المحتل وحاولت توفير غطاء دولي لعدوانه الصارخ على أرض لبنان وسيادته ووحدته. إن العامل الخارجي، الذي اتخذ، غالباً، حيال أطراف السلطة في لبنان، صفة مرجعية يُبذل لها ولاء وتبعية بأبعاد سياسية وطائفية مذهبية، قد تحوّل عاملاً داخلياً وفق الكثير من المعاني والأبعاد المحلية والإقليمية والدولية. وهو، في السلم كما في الحرب، عنصر، كان دائماً بالغ التأثير. لكنه، رغم ذلك، لا يمكن أن يلغي التناقضات والصراعات الداخلية أو أن يتجاوزها بشكل كامل. إنه يستند إليه ويغذيها، كما هي تستند إليه وتستدرجه ليكون حاضراً وفاعلاً في تكريس التوازنات أو تعديلها لحساب هذا الفريق أو ذاك. ولذلك فإن أزمة لبنان كانت في الواقع، ذات مصدرين: مصدر خارجي ومصدر داخلي. وهذان تفاعلا على نحو شديد السلبية فولَّدا تلك الحرب الضروس المدمّرة التي دفع اللبنانيون ثمنها غالياً: من وحدتهم وسيادتهم وعمرانهم ودمهم وكرامتهم... باستثناء ما مثلته المقاومة، دائماً، ضد العدو الصهيوني المحتلّ، من جرأة وريادة وإنجازات وانتصار غير مسبوق.
عموماً، لم تتمكن القوى السياسية النافذة، لا أثناء الحرب ولا بعدها، من استخلاص الدروس الضرورية القادرة على إنقاذ وحماية الوحدة والحصانة الداخلية في وجه العواصف والأزمات. برز ذلك خصوصاً بعد تسوية «الطائف» وفي التعامل مع نصوصه وإصلاحاته رغم محدوديتها وتواضعها، حيث تواطأ فريقا السلطة الداخلية وسلطة الوصاية الخارجية، على تعطيل الإصلاحات الدستورية.
واليوم يبلغ هذا المسار، المشوَّه والخاطئ، ذروته عبر تعميق الانقسامات الطائفية والولاءات الخارجية وإضعاف سلطة الدولة والوحدة الداخلية إزاء تهديدات وتحديات، ليست إقليمية ودولية فقط، بل هي داخلية محلية أيضاً. لقد تعرض لبنان أكثر من سواه لخطر الانفجار الداخلي تحت تأثير اندلاع الصراع والعنف في سوريا: خطر الانقسام السياسي والطائفي والمذهبي، من جهة، وخطر تغلغل السرطان الإرهابي إلى نسيجه وبنيته وانقساماته، بالارتباط مع الأزمة السورية وأزمات المنطقة، من جهة ثانية. استطاع لبنان تخطّي ذلك بشيء من الحذر الداخلي حيال مخاطر العنف، بسبب اختلال التوازنات أولاً، وبسبب الحرص الخارجي على تحييد لبنان نسبياً، ثانياً، ومن ثمّ، بسبب هزائم الإرهابيين في سوريا وعلى حدودها مع لبنان، ثالثاً. إلا أن خطراً آخر كان يتعاظم في السنوات المتلاحقة الأخيرة، خصوصاً، بسبب الوضع تدهور الوضع الاقتصادي، المشرف، سريعاً، على الانهيار.
الأزمة الاقتصادية، المتفاقمة دون حدود، هي على صلة وثيقة بالخلل القائم في بنية النظام السياسي نفسه. إن عدم احترام الدستور وتحويل المؤسسات إلى هياكل فارغة واستشراء الفئوية وتنامي الدويلات على حساب الدولة... قد عطَّل كل صيغ المحاسبة وشرَّع المال العام وموارد الدولة ومؤسساتها أمام عملية تحاصص بات النهب والفساد والخوة عنوانها الأبرز والأخطر. إن لبنان وشعبه يدفعان الآن ثمن الإمعان في هذا التشَوُّه الكبير والخطير. فالديون فلكية، والنهب متواصل. والتفاوت الطبقي والاجتماعي يزداد على نحوٍ غير مسبوق والهجرة والنزوح باتا يشكلان تهديداً غير مسبوق على الكيان اللبناني. إن كل المؤشرات تذهب باتجاه انهيار بالمفرق أو بالجملة، فيما أصبحت مزاريب الهدر والنهب مكرسة «على عينك يا تاجر» تحت عنوان «الحصص» و«الحقوق». ولقد بات «طبيعياً» أن يسطو المسؤولون وعائلاتهم، مباشرة، على خزينة الدولة: بالصفقات والتعويضات والمخصصات الدائمة (تحت ذرائع دعم جمعيات بمئات آلاف الدولارات لكل واحدة منها)... إن النهب متواصل، رغم خطر الإفلاس، دون خجل أو وجل أو مساءلة. أما ما يجري تحت عنوان مكافحة الفساد، فهو عملية تضليل يشترك فيها الجميع تقريباً لخداع المواطن، فكما أن فاقد الشيء لا يعطيه، كذلك فإن الفاسد لا يستطيع أن يتخلى عن فساده، فما بالك بادعاء محاربته ومعاقبة المسؤولين عنه.
يعزز من خطورة الفساد في مشهدنا السياسي أنه وثيق الصلة ببنية النظام اللبناني، كما ذكرنا. هو سياسي ومالي (عبر النهب والهدر والخوة والصفقات والسرقة...). وهذان وجهان لمنظومة المحاصصة اللبنانية الشهيرة التي تجري محاولات لتعميمها على الكثير من بلدان المنطقة. كلا الفسادَين، السياسي والمالي، يغذي الآخر في علاقة متبادلة ما بين السبب والنتيجة. فنقع بذلك، على معادلة مخلَّة بشروط بناء الأوطان وبمستلزمات وحدتها ومنعتها وقدرتها على البقاء والتقدم في اختصار.
باختصار مبسَّط، يمكن الآن القول إن ثلثي عمر لبنان الاستقلالي الأخيرين قد توزَّعا على 15 سنة حرب، و15 سنة وصاية، و15 سنة نهب... والآتي أسوأ بكثير ما لم تحصل عملية إنقاذ بالتغيير: أي بصحوة وبانتفاضة شعبيتين تطيحان منظومة المحاصصة والتبعية والفساد!
* كاتب وسياسي لبناني