الأخلاق الساكنة في عمق الذات المتجذرة في فطرة الإنسان، هذا الموجود المنفتح على الوجود بكليته مطلوبٌ منه كل آن أن يساوق بين لحظاته الأخلاقية وبين فعله في الواقع، وبين غاياته الكبرى في التفاعل مع الله المطلق حيث لا محدوديات ولا مقيّدات. هنا يأتي دور الرقابة الأخلاقية على قدر كبير من الأهمية، إذ يضاهي بأهميته نفس القيم الأخلاقية؛ لأنه هو من يضمن إبرازها إلى حيّز الوجود والتقييم، ويأتي السؤال الغائب والكبير في مجتمعاتنا: أين دور الرقابة الأخلاقية، وإلى متى سيبقى تائهاً ومغيباً؟!

من المفترض أن الرقابة الأخلاقية تمنع من سلوكيات ومواقف ومبادرات خاطئة مسيئة إلى الذات والجماعة، هذه الرقابة تُرى من يقوم بها؟ الدولة أم الفرد المشكل لنواة المجتمع؟ في مجتمعاتنا كثير من التقديس لتقاليد وأعراف، وحتى لأشخاص يمثلون في وجدان الفرد والجماعة شيئاً ما في عالم الدين والسياسة، حتى لو كان هذا التقديس والانجراف اللاواعي عاطفياً على حساب احترام الأخلاق والقيم.
السلطة، لطالما على مدار الزمن تبتغي الطاعة لها كرهاً أو طوعاً ضماناً لاستمراريتها، ومن شكّل هذه السلطة وتبوأ مناصبها تخلى عن دور المراقب لأخلاقه، التي تحتم عليه أن يتعرف ملياً على وظيفته الحقيقية في أن يكون ناظماً لأمر الناس وقائداً فعلياً لكل خطوة إصلاحية ونهضوية تحقق سعادتهم. وما يحصل اليوم هو عكس ذلك تماماً، فتحول بعض أهل السلطة إلى منتفعين ومتسلطين نكثوا بالتزاماتهم في أن يحكموا بين الناس بالعدل وألا يستغلوهم وألا يعتدوا على حقوقهم وكراماتهم ويضحكوا من عقولهم ويلعبوا على جراحاتهم ويسخفوا منهم.
السلطة والفرد والمجتمع أعمدة ثلاثة متكاملة في نظرتها وفعلها وغايتها، وإذا استبد منهم جزء، فهناك خلل كبير، فلا يمكن الدولة أن تكون مشروعاً للاستغلال اليومي للناس، وعنواناً لسرقتهم، وهي في الوقت عينه الجهة المتكفلة بحمايتهم.
كذلك، مطلوب من الفرد أن ينظّم قواه النفسية والروحية، ويضبط بين قيمه الأخلاقية وزمانه الخارجي الصاخب بالأحداث، فيحوّل هذا الزمن الخارجي إلى وعاء يفرغ فيه مقدرته على قيادة نفسه وحسن رقابته لأخلاقه، بحيث تكون محققة في كل اللحظات والمواقف هذه الأخلاق الجاهزة للتحدي والاستنهاض والتشخص في كل الظروف وعند كل الإغراءات.

أنجل بوليغان

لقد حاربت الأديان النزعة الفردانية النفعية البغيضة ولجمت هذه النزعة، التي تقوم على الفساد والإفساد وتشتيت القوى وهدر الطاقات، ودعت إلى فكرة التوحيد التي تجمع وتوحّد وترفض التقسيم، وتفرض على الفرد والجماعة مسؤولية حقيقية لا رمزية. فالفرد يكتب تاريخه الحقيقي بمقدار ما يقدّم إلى أمته ومجتمعه من آثار طيبة نافعة، وما يشكلة من معادلة أخلاقية لا تخرج عن القيم والرقابة، بل يصبح الفرد برقابته الأخلاقية رمزاً وقدوة ومعلماً لنفسه ولغيره.
من يشعر بوحدانية الخالق ووحدة الأصل البشري، وما دام الجميع عيال الله، فلا تسيّد لأحد على أحد، ولا استعباد بحق أحد، بل الأخوة واحدة والمساواة واحدة والحرية واحدة والإنسانية واحدة، لذا كان على الأمة أن تمارس دورها الطبيعي في الرقابة الأخلاقية على أفرادها منعاً من الطغيان والاستبدداد والإفساد، وعندما تستقيل الأمة من هذا الدور، فإنها تستقيل حتماً من التاريخ وتدخل في موت بطيء لا قيامة منه.
عندما استقالت الأمة من قضاياها الكبرى والاستراتيجية مثل القضية الفلسطينية، التي كانت عبئاً على العرب والمسلمين، ولا تزال، وعندما استقالت الأمة من الدفاع عن حقوقها في امتلاك ثرواتها والتصرف بها لمصلحة حفنة من زعماء طوائف ورؤساء وملوك متهالكين، كانت هذه الأمة تستبدل بدورها الرقابي الأخلاقي على فعلها الأصيل دوراً ملهاتياً واستهلاكياً لا رجاء منه.
عندما تكون الأمة واحدة موحدة على الأقل في إنسانيتها وأخلاقياتها العامة، فلن تقدر قوة استعمارية على أن تسلب لها حضورها


عندما تكون الأمة واحدة موحدة على الأقل في إنسانيتها وأخلاقياتها العامة، فلن تقدر قوة استكبارية أو استعمارية أن تسلب لها حضورها وتمنعها من أداء دورها. لقد سمحنا ــ كأفراد وجماعات ــ لكثير من القوى الاستغلالية والاستكبارية أن تستعبدنا وتستغل ضعفنا وتفقدنا دورنا الرقابي الأخلاقي في دوامة ما صدّرته لنا من تحديثات تقنية وغيرها لم نستخدمها لأمننا وأماننا، بل عرّت كثيراً من أحوالنا وأوضاعنا الإنسانية والأخلاقية المهترئة.
لقد كانت مواجهة منطق الاستقواء وسرقة أقوات الناس وتخدير عقولهم واحتكار حقوقهم جزءاً أساسياً في عمل الأنبياء والمصلحين والمخلصين اليومي، فمن يمارس الاعتداء على لقمة العيش يمارس عدواناً مباشراً على الحياة والوجود، من هنا نجد من دون عناء استبسالهم وتصديهم لسارق الخبز والكلمة، مؤمنين بأن دورهم الرقابي الأخلاقي هو في خدمة هذا النضال المشرِّف.
عندما تكون الجماعة يداً واحدة، بمعنى انقيادها طوعاً لحسن ضبطها للحظاتها وتناسقها التام مع قيمها الأخلاقية، فإنها تحوّل المجتمع فعلاً إلى مشهد الحياة المليئة بالحيوية والنشاط والفاعلية، ويعكس هذا المجتمع في مشهده العام حجم تعاون الفرد والسلطة في المجال الرقابي الأخلاقي وانعكاساته. من هنا نقيس عمر هذا المجتمع الحقيقي ومدى تحضره بمقدار ما يتجلى فيه من قيم أخلاقية ورقابة ذاتية تدفع باتجاه الإبداع والإنتاج ومحاربة كل رتابة واستهلاكية وتسليع.
إن خضوع الفرد لسلطة عادلة، خضوع إيجابي. فهو يمنحها ثقة مبصرة مبنية عن خيار وقناعة وتفكير متنامي. من هنا فإن تجديد آليات السلطة حتمي إذا كان هناك من فرد حرّ وفاعل ومتحرر ومنفتح على لغة تلبي طموحاته، التي تنبع من تصالحه مع ذاته واحترامه لقيمه ولدوره الرقابي الأخلاقي، الذي يحتم أيضاً خلق شكل من التعاقد والالتزامات والقوانين المتناسبة مع إبداعات الفرد ومستويات تفكيره المستجدة، وبما يبرز الترابط الحقيقي بين وعي الذات لدورها الرقابي الأخلاقي وبين الأطر التي تريدها ناظمة للحظاتها، ومن أهمها سلطة راعية تمتلك رؤية ثاقبة وتخطيطاً يوظف هذه اللحظات من أجل نشر السعادة والفضيلة في ربوع الحياة.
من هنا لا نريد قهراً وإكراهاً للذات الفردية وإمعاناً في حرمانها وتهميشها من قبل السلطويين من رجال دين وسياسة وبعض الأقلام المأجورة، بل نريد سلطة ومجتمعاً نصل فيه إلى مستوى يحترم فيه عقل الفرد وكرامته ومشاعره، ولا يجري التعامل معه على أساس أنه رقم في حسابات البعض ولا قيمة له إلا في خدمته لمنافع الآخرين، فأي معنى لسلطة كهذه لا تعمل على إيصال الفرد إلى بر الأمان عبر رعاية لحظاته والعمل على نمائها والتخفيف من ضغط الزمن الخارجي الصاخب عليها وحمايتها من السقوط والتقهقر والانكفاء على ذات متشظية لا تحسن عندها مراجعة أوضاعها والقيام بما عليها إلا حصرهمها في تأمين لقمة عيش فيها كل العذابات اليومية.
فالدولة عبارة عن أشخاص وهيئات مؤهلة أخلاقياً أكثر من غيرها بغية التدخل وضبط الواقع عند المفاصل الحرجة والدقيقة من أجل تأكيد الفعل الأخلاقي العام الحافظ للكيان الإنساني، لأن غيابها وعدم تدخلها وتقاعسها يعد خيانة كبرى لشرعية وجودها ونبالة وظيفتها، فهل تحولت السلطة في مجتمعاتنا إلى عنصر ضغط على الواقع بدل إراحته ورحمته؟
إننا بحاجة ماسة إلى خلق مرونة سياسية وذهنية فكرية مترفعة وواعية ومنزّهة عن الصغائر والمحدوديات والأنانيات المعوِّقة لممارسة الرقابة الأخلاقية من أجل حفظ الكيان الاجتماعي من التهاوي أكثر وإعادة التوازن إلى مفاصله المتيبسة.
لقد عانت، ولا تزال، الشخصية العربية والإسلامية والمشرقية بوجه عام من تغييب لفعلها وتأثيرها في مجريات الأحداث، واختصر تاريخها ووجودها حفنة من الأزلام، أو المتأزلمين، همّهم التسيّد وضمان الاستمرارية، ولو فني العالم بأسره، فعانت، إذ ذاك، من اغتراب قاتل وانقطاع عن الجذور المعرفية والدينية الأصيلة المحفزة على تكريس الدور الرقابي الأخلاقي وجعله معياراً وميزاناً لتقدّم الأفراد والجماعات وحيوية السلطة وجدارتها لعملية قيادة الذات الجمعية نحو بر الأمان.
فمتى يسمح لهذه الذات بأن تتنفس وتعانق روحها الأصيلة وتمارس دورها الأخلاقي من تلقاء نفسها ومن دون تدخلات وفرض وإكراه من هنا وهناك؟
لا مناص من إيجاد الفرصة السانحة والتربي على الفضائل وتعودّها من قبل أجيال لا بد من سلخها عن تاريخها الوهمي المستغرق في تقديس الأعراف والتقاليد والزعامات والانتماءات المذهبية والطائفية، هذه العلائق التي أفنت الذوات من أجل ضمان عنترياتها الوهمية وتسلطها. لقد تعزز المخيال السياسي السلطوي النافخ على معزوفة التخندق الطائفي والمذهبي والهتاف لخلود الزعيم، وباتت الدولة مرتهنة لهذا المخيال، الذي لا يسمح لأدنى فرصة جدية في المحاسبة والمراجعة والعدالة؛ لأن ذلك بنظرة بداية سقوط هذه الإمبراطوريات الطائفية التي تنادي ليل نهار بالدولة، وتعمل ليل نهار على سحقها وإزالتها من مخيال الناس واختصارها بخطابات الطوائف والمذاهب، التي تختصر الفرد وتخنق دوره الرقابي الأخلاقي لمصلحة عصبيات لا تزال تفعل فعلها في واقعنا.
التعفف عن حبّ الذات والحكمة والعدالة
الفضائل الأخلاقية العملية هي انعكاس لفضائل تبرز أصالة الفطرة والعقل المتوهج الذي يتقن النظر والتدقيق والسؤال والاستنتاج والمحاسبة. فالسؤال المعرفي والأخلاقي يمتلك قوة الباعث على النهوض الغائب لمصلحة مسرحيات سياسية وتنظيرية شكلية ومستهلكة لا جدوى منها سوى أنها تمعن في تشظي الذات ودفعها نحو الانغماس في الصخب الجاري وفي التفاصيل التي لا طائل منها غير الابتعاد عن الدور الرقابي الأخلاقي السليم.
من الفضائل هناك التعفف عن النزوات والأنانيات القاتلة وحب التسلط البغيض المبعد لأي دور أخلاقي مصحح في الحياة، وهذه الفضيلة تكاد تكون غائبة في خضم ما نسمع به وما نشاهده من استغراق مخيف في حب الذات وتمجيدها وتلبية أهوائها بشرَه دونما حسبان لأي مراجعة أخلاقية صادمة ذات تأثير، فالمتعففون اليوم قليلون ونادرون، والمنغمسون تراهم كثر ينعقون مع كل ناعق، ويميلون مع كل ريح.

لا نريد قهراً وإكراهاً للذات الفردية وإمعاناً في حرمانها وتهميشها من قبل السلطويين من رجال دين وسياسة


ومن الفضائل، الحكمة في أن يعرف أهل الحكم أهمية حكمهم النظيف ودورهم الأخلاقي في قيادة الحياة وضبط إيقاعاتها بما يتناسب مع المسيرة الإنسانية الكادحة إلى الله والمتدرجة في كمالها بلغة متلائمة مع لغة الله والحياة؛ كما الحكمة في أن يعرف الفرد كما الجماعة ضرورة التمسك بالدور الرقابي الأخلاقي الدائم ضمن تحسسهم بمسؤولياتهم ومقدار أمانتهم وصدقياتهم، إذ مجرد التخلي عن الرقابة يعني بيع الأنفس الحرة للتجار ويعني الاستسلام لاستعباد مقيت لن ينجو منه ممن يوقع نفسه في براثنه، ويعني تسليماً لتسليع يجري التسويق له ليل نهار من دون أدنى اكتراث لمخاطره على الحياة العامة.
ومن الفضائل، العدالة. هذه المفردة المقدسة التي اقتحم الله بزمانه الأبدي بها زماننا البشري المحدود وأرادها معين الحياة وماء الوجود ومقياس الأديان ومعايير الفعل الإنساني القابل للحساب والوزن والقيمة، هذه العدالة التي تفرض ممارسة لرقابة أخلاقية فردية وجماعية متواصلة تبتغي تحقيق العدل وحفظ الحقوق، لأن غير ذلك خيانة عظمى للغة الله وتعاليمه ولدعوة الفطرة والعقل إلى فعل أخلاقي يحيي الواقع بعدالة فضلى تلفّ كل ساحات الحياة.
من هنا، تجد للأسف عدلاً مغيباً أو مسيساً موظفاً في خدمة حسابات هنا وهنالك، أو تجد عدالة مجتزأة، وتجد خوفاً من هذه المفردة عند كثيرين عندما يسمعون بها لأنها تهزّ عروشهم وتقضّ مضاجعهم، ومع ذلك لم تقدر بعد على هزّ ضمائرهم النائمة.
ليست الرقابة الأخلاقية سوى فعل إيماني مقدس يعبّر عن أصالة الذات الإيمانية، وليست سوى جواب واعٍ لطاعة الله المبصرة. فالله يريدنا متحسسين لمسؤولياتنا، ومن ضمن ذلك يدخل الفعل الرقابي الأخلاقي كممر فعال لتنشيط تغيير الأنفس من دواخلها مما علق بها من علائق دنيوية زائفة ويبنيها حتى تتسلح بالمعرفة والسؤال الدافع إلى تغيير الخارج إيجاباً. من هنا، فإن همزة الوصل بين لغة الله وبين الحياة وبين المتدين هي مدى تمثل الدور الرقابي الأخلاقي وترجمته مزيداً من الحرص والتنبه والابتعاد عن الغفلة والفساد والتعامي عن الواقع طلباً للراحة المزعومة أو النجاة المؤقتة؛ لأن أضرار ذلك خطيرة وكبيرة تعمّ كل الحياة، بل نحتاج إقبالاً على الصحوة في الضمير والصحوة في الموقف والصحوة في السلوك في بوتقة موحدة في كدح مستمر نحو المطلق.
وهذا يستدعي حضوراً إنسانياً كبيراً واقتحاماً في داخل المعترك وتحمّلاً للمسوؤلية. فالقضية ليست سهلة، إنها العودة والتعري أمام حقيقة أبدية حقيقة الصراع بين الأنا المتغطرسة وبين الأنا الأخلاقية الباحثة عن سعادة وسكون وطمأنينة في دنيا الحجارة والعبيد.
واقعنا يحتاج إلى جيل من المحدّثين الدينيين أو الثقافيين أو السياسيين الباحثين دوماً عن تحفيز الدين والسياسة وإخراجهما للناس بما يليق بهم وبكراماتهم وحضورهم، وبما يعينهم على رفع كل أنواع التسلط والقهر والفرض، فلقد شبعنا خطابات من حشو الخطباء والمفتين والواعظين وتجار السياسة وسراق الوعي، الذين لا يتحرزون عن الإساءة إلى الواقع حرصاً على سلطانهم الذي يدخلون تحته كل من يتجند معهم ويردد معهم كالببغاء.
الدين سياسة صالحة، بكل بنيانه الروحي والمعرفي والإنساني والحضاري يؤمن بالتحولات الطبيعية الدائمة التي تأخذ بيد الناس بطريقة عفوية ومباشرة في عملية تصالح بين الفرد والسلطة والواقع كثلاثية فاعلة تنتج واقعاً متجدداً بإنسانه، مرتفعاً إلى مستوى القيم والنصوص المفتوحة على كل اجتهاد وقراءة رحبة تتناسب مع الآفاق الواسعة للإنسان في تحدياته الوجودية.
السياسة المتدينة هي جملة محفزات ومنشطات لتفلسف وتفكير يرتقي بالإنسان ولا يخذله، بل يجعل منه مركزاً لعقل مدرك منتج ووحي حيوي متحرك، وفهمنا للدين لا بد وأن يشكل مناسبة لإعادة خلقه ومعرفته، كما يجب بما نحوله إلى قوة دفع وطاقة روحية ومعرفية ناشطة، فالإيمان حقل خصب ومرتع لتعقلات بشرية لا تنتهي، وليس سجناً كبيراً كما صوره ويصوره متحدثو الدين الوهميون، والسياسة النظيفة كذلك.
من هنا لا بد لنا أن نأخذ بأسباب المعرفة الحقة كمدخلية صحية وسليمة لا غنى عنها كي نتلمس أكثر ونتعرف إلى روح قواعد الدين والسياسة وخطوطهما المرتبطة عضوياً بدور الرقابة الأخلاقية المتجذرة في وجدان الفرد والأمة، حتى نحلِّق بهما في الفضاء الواسع الذي يسهم في كشف اللثام أكثر على أهميتهما ودورهما في الحياة.
لا مناص من إعادة النظر في كثير من الأمور والتوقف عندها ملياً، ومن ذلك تغيير الذهنية العامة النفعية والانتهازية اليوم، والعمل بجدية وأخلاقية على تربية جيل لديه شيء من الرقابة الأخلاقية المفقودة، حتى يعيد التوازن إلى الواقع. وعلينا إذا أردنا سلطة لتنظيم الأمور وليس لتنظيم الأخطاء وتغطية الفساد والسرقات أن نجيب عن كثير من أسئلة أجيال اليوم ونحترم طاقاتهم وطموحاتهم في شكل الدولة وطبيعتها وإعادة النظر في تحديث قوانينها بما يليق بإنسان اليوم الحر الذي لا يقبل بلغة المذهبية والطائفية ولا يقبل بزعامة رجال الطوائف وأسياد الإقطاعية.
من هنا فإن التجديد يبدأ من شباب واعين ومن مثقفين فاعلين ومن أناس متحررين لديهم الجرأة والصدقية، ولديهم الرقابة الأخلاقية الفعالة والنشطة، التي تعرف حدود مسؤولياتها ومستلزمات أدوراها في ما تعتقد وتطمح وتطلب.
إن الدور الرقابي الأخلاقي يصنعه الفرد كمخلوق مكرم من الله أراده بمقتضى تفضيله أن يراقب نفسه ويراقب مجتمعه ويخلق شكل دولته وراعيته، فمنه البداية وإليه العود والنفع في عملية تصاعدية نحو خطاب السماء.
لحينه يبقى الواقع ينزف بلا رحمة، حتى تستفيق الأمة من غيبوبتها، وتعود إلى فعلها الإنساني والحضاري، فإلى متى مواسم الهجرة الأخلاقية مزدهرة؟!
* أكاديمي وحوزوي