يواجه العاملون في المجال الصحّي، بعد مرور سنة على انطلاق مسيرة العودة الكبرى في قطاع غزة، تحدّياتٍ غير مسبوقة في محاولة منهم لإنقاذ أطراف المتظاهرين التي أصيبت على يد القوات الإسرائيلية. خلال عام، أصيب 29,187 شخصًا بجروح، من بينهم 7,246 جريحاً، حيث استهدف قناصون عسكريون بطلقات نارية عددًا كبيرًا منهم، بحيث إنّ نحو 90 في المئة من هؤلاء الجرحى أصيبوا في سيقانهم.

في الحقيقة، إنّ رصاصات القنّاصة التي تُطلق على المتظاهرين من مسافة قصيرة هي بالأساس مصمَّمة لتستهدف مَن يوجد على بعد ألف متر، ما تسبّب بإحداث جروح خطيرة على أطراف المتظاهرين، ويحتاج العلاج الكامل لجرح واحد الى ما بين الخمس والتسع عمليات جراحية يخضع لها المصاب على امتداد سنتين على الأقل.
ويتعرَّض المتظاهرون لهذا النوع من الإصابات خلال مطالبتهم بالعودة إلى أرضهم وبوضع حدّ للحصار القائم على قطاع غزة منذ ما يفوق الـعقد من الزمن. وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ من السخرية بمكان، الإقدام على استهداف سيقان المتظاهرين الذين يسيرون نحو السياج الأمني الفاصل بين سجنهم وبين مطالبهم.
في هذا الصدد، عقدت منظّمة «أطبّاء بلا حدود» الأسبوع الماضي اجتماعًا في بروكسل، حضره اختصاصيون طبيون للنظر في مسألة التحديات التي نواجهها في تقديم الجراحة الترميمية لهؤلاء المصابين، إذ إنه استناداً إلى البيانات الصادرة عن عدد من الجرّاحين الفلسطينيين والمنظّمات الدولية العاملة في غزة، لا يزال هناك ما بين 800 و1,200 شاب فلسطيني ينتظرون الخضوع للجراحة الترميمية. بالإضافة إلى ذلك، أفاد جرّاحون فلسطينيون يعملون في مستشفى الشفاء الذي يعتبر أكبر مستشفى في قطاع غزة بأنّ معظم الطلقات التي أصابت سيقان المحتجّين استهدفت إما الجزء السفلي من الفخذ أو الجزء الخلفي من الركبة، بحيث يمكن لرصاصة واحدة أن تتلف الأعصاب والشرايين ومفصل الركبة في آن واحد.

لا يزال هناك ما بين 800 و1,200 شاب فلسطيني ينتظرون الخضوع للجراحة الترميمية


إنّ طبيعة الإصابات الجسيمة تسبّبت لـ 20 إلى 40 في المئة من المرضى بالتهابات في العظام، ما يعقّد عملية العلاج السريري بشكل أكبر ويزيد من الأعباء على نظام صحيّ يعاني أصلاً تحديات كثيرة. وما يزيد من تعقيدات الوضع الطبّي هو نوع البكتيريا المسبّبة لهذه الالتهابات، فهي غالباً ما تكون مقاومة للعديد من المضادات الحيوية، ما يجعل معالجتها أمراً صعباً ومكلفاً في الوقت عينه. فضلًا عن أنّ عدم معالجة هذه الالتهابات في أسرع وقت ممكن سيتسبب برفع عدد المرضى الذين تتطّلب حالتهم بترَ أطرافهم. ويبلغ عدد هؤلاء حتى الآن 124 مريضاً. وعلاوة على كل ما سبق، يعاني 15 في المئة من المرضى (أي ما يقرب 980 شخصًا) إصابات عصبية دائمة لا يمكن معالجتها، ما يزيد من نسبة العجز بين المرضى.
يتعرّض سكان قطاع غزة لأعمال مشينة ردًا على المسيرات التي يقومون بها للاحتجاج على الحصار والمطالبة بحق العودة إلى وطنهم، ما يشكّل تجسيداً لواقع عدم تكافؤ أحجام القوّتين المتصادمتين في هذا السيناريو. أما الجهود المبذولة لإنقاذ هذه الأطراف التي استهدفتها طلقات القوات الإسرائيلية فهي تعتبر بمثابة تحدٍ طبي إنساني.
وللاستجابة للحاجة إلى الجراحة الترميمية المتخصّصة بالأطراف، زادت المنظّمة طاقاتها ثلاثة أضعاف لتشغيل الأنشطة الطبية في غزة وأقامت شراكة مع اتحاد لجان العمل الصحي لإنشاء وحدة متخصصة بعلاج الأطراف في مستشفى العودة في مخيّم جباليا‎ شمال قطاع غزة. ويعمل مختلف الاختصاصيين الصحيين الفلسطينيين والدوليين جنبًا إلى جنب لتوفير رعاية طبية للحالات الصعبة والتي تهدف إلى تقليص تأثير الإصابات الخطرة والمسببة للعجز الذي يطاول شباباً كانوا في صحة جيدة ذات يوم. في هذا الإطار، تدور هذه الاستجابة الطبية تحت مظلة نظام صحي يخضع لإجهاد شديد، إذ إنّ انقطاع الكهرباء، ونفاد المعدات الطبية، والاكتظاظ الشديد، والضرر الذي يطاول البنى التحتية ونسبة البطالة المرتفعة تعتبر جميعها تحديات تتسبّب بها سياسات متعمّدة من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلية، كما تشكل ظروفًا تزيد من خطورة جروح المصابين.
في واقع الأمر، وبالنسبة إلى سكان قطاع غزة الذين قلَّ من يلتفت لأمرهم أحد، لا وجود لما يسمى «المجتمع الدولي» بل لمجموعة من المصالح السياسية التي يصبّ معظم مالكيها دعمهم بما ينفع الاحتلال، بحيث يصل التمويل اليوم بشكل لم يسبق له مثيل إلى جهة واحدة، في حين تحرم الجهات الأخرى بشكل كامل من أي مساعدة من شأنها أن تدعم آليات العمل الإنساني اللازمة لمعالجة عواقب احتلال وحصار لا ينتهيان.
كل ما في وسع الطواقم الطبية من حيلة هو التصدي لهذه الممارسات من خلال عدم التوقف عن إنقاذ الحياة وتخفيف المعاناة، وهذا ما يُترجم في غزة من خلال إنقاذ أطراف المتظاهرين التي تستهدفها القوات الإسرائيلية.
* مدير قسم التحليل في «أطباء بلا حدود»
** مدير برنامج طب النزاعات في الجامعة الأميركية في بيروت