بعد شهرين على تأليفها لم تفعل الحكومة شيئاً إزاء استمرار تفاقم الأزمة الاقتصادية المرشحة لأن تتحول إلى إفلاس وانهيار كاملين ما لم تحدث معجزة تعطّل المسار الكوارثي الراهن. اكتفت حكومة «إلى العمل»، حتى الآن، بالصدمة الإيجابية التي نجمت عن النجاح في تأليفها بعد تعثّر دام حوالى 9 أشهر. وهو نجاح شكلي وجزئي في أحسن الأحوال: كسيارة تعرّضت لحادث مروّع، تدهورت وأوشكت على السقوط في منحدر عميق، لكنّ سبباً هشاً أوقف تدهورها، من دون أن يمنع سقوطها لاحقاً.

رحّب اللبنانيون بتأليف الحكومة. عوّلوا على أن تقوم ببعض واجباتها في إقرار خطة تقشّف يجري بموجبها توفير مئات ملايين الدولارات التي تذهب في مسارب النهب والهدر والإنفاق الزبائني.. لكن آمالهم بدأت تتلاشى سريعاً أمام رسوخ الخلل في النموذج الاقتصادي الريعي وقرينه النموذج السياسي. هذان تشكّلا في منظومة تحاصص ذات قناع طائفي ومذهبي شكّلت، بدورها، سداً منيعاً في وجه أي محاولة للتغيير: عطّلت البنود الإصلاحية للدستور، حالت دون بناء مؤسسات تجسّد سيادة القانون الذي ينبغي أن يكون مرجعية للمسؤول وللمواطن، كرّست ذهنية الفساد والنهب وعدم المحاسبة والتبعية للخارج بوصفها ركناً أساسياً، أيضاً، في تلك المنظومة التي باتت تتحكّم في البلاد والعباد، بشكل شبه كامل، في السنوات الأخيرة.
معروف أن قلق المواطن قد بلغ ذروة غير مسبوقة وهو يرى ما يتربّص به من خراب وخسائر داهمة في الحقول كافة. زاد في مخاوفه أن أركان الحكومة قد اختاروا من المعالجات ما ينطبق عليه، عبر مؤتمر «سيدر» ووعوده، مبدأ أبي نواس «وداوني بالتي كانت هي الداء»! مع ما يحمل ذلك من مآس للأكثرية الساحقة من اللبنانيين، من دون المساس، كالعادة، بمصالح أصحاب الثروات، ناهبي البلد وعافيته وموارده وموازنته...
عبّر كثيرٌ من المواطنين عن قلقهم بدعم التحرك الاحتجاجي في الشارع أو بالتعاطف معه. لكن ذلك التحرّك لم يتمكّن من أن يتجاوز نفسه وقواه المنظمة والمشاركة، إلى حركة شعبية بحجم الأزمة وخطرها. وهو قد تراجَعَ، بشكل دراماتيكي، فور الإعلان عن تأليف الحكومة، فبدا وكأن منظمّيه، يعوّلون، هم أيضاً، على مجرّد التأليف حتى تتوافر المعالجة المطلوبة. ليس الأمر كذلك، طبعاً. هذا الالتباس هو ما ينبغي التوقف عنده ملياً للبحث في أسباب التراجع، ولمحاولة تدارك ذلك من خلال إقرار واعتماد إجراءات ذات طبيعة برنامجية وسياسية وتنظيمية...
حين بدأ الإعداد للمعركة الانتخابية في بداية الربيع الماضي، ارتفعت أصوات حريصة من أجل أن يكون للمعركة الانتخابية وظيفة مزدوجة يتكامل فيها الجانبان: الانتخابي، عبر تشكيل لوائح موحّدة لقوى التغيير، والثاني، سياسي تنظيمي، عبر الانطلاق من المعركة الانتخابية لبلورة تيار وطني واسع للتغيير. هذا التيار ينبغي أن يأخذ مكانه، تدريجياً، في الخارطة السياسية، مبلوراً ومتبلوراً، من خلال استقطاب جديد: مناوئ لقوى السلطة، ومنافس لها في الخيارات والمناسبات، وفاضح لها في خللها والانحرافات... الواقع أنه جرى، إعلامياً ونظرياً، تبنّي هذا التوجه. لكن المحاولة لم تذهب، من الناحية العملية، أبداً في ذلك الاتجاه. لقد طغت مرة جديدة، الفئويات والسلبيات على ما عداها. نجم عن ذلك أن قوى التغيير قد دخلت المعركة مشرذمة ومتنافرة ومتنافسة أحياناً، وخرجت منها ضعيفة وهامشية وغير ذات وزن على كامل التراب الوطني، باستثناء معركة صيدا التي توفر لها الحدّ الضروري من سلامة التوجه وتحقيق الأهداف.
تعثّر قوى السلطة، التي ربحت المعركة بشكل شبه كامل، في بناء أداتها التنفيذية، واستمرار تدهور الوضع الاقتصادي وبروز كوارث بيئية تضاف إلى كوارث سابقة ومتوقعة، شكّل حبل نجاة لقوى التغيير التي بادر بعضها بالدعوة للنزول إلى الشارع احتجاجاً على تعاظم الأزمات وسوء المعالجات (الحزب الشيوعي والتنظيم الشعبي الناصري). كانت الاستجابة جيدة نسبياً، وإن كانت أيضاً مشوبة بخيبات قديمة وطويلة كان آخرها، كما أسلفنا، في الانتخابات النيابية. مرة جديدة جرى التنبيه إلى ضرورة تفادي الأخطاء والثغرات السابقة، وخصوصاً منها تلك التي أجهضت تحركات سابقة افتقرت، في حينه، إلى البرنامج المرحلي والمطالب الملموسة والإطار القيادي المناسب وأساليب العمل الفعالة والبعيدة عن الفئوية والنزاعات والتنافس المَرَضي..
أزمة البلد الاقتصادية كبيرة جداً، وهي أزمة مرشّحة للاستغلال من قبل قوى خارجية (العقوبات، الزيارات الغربية المشبوهة، تصفية حسابات إقليمية، أزمة النزوح ببعديها الاقتصادي والاجتماعي والأمني وحتى الديموغرافي....).
ثم إنها أزمة لا تملك القوى المسؤولة عن بلوغها هذا المستوى الخطير، من أمر القدرة على معالجتها، شيئاً، فيما هي تملك الكثير من الأسلحة لتضليل المتضررين ولتعطيل جهود من يحاول التخفيف من حجم الأزمة ووطأتها، ولو بشكل محدود وجزئي. يضاف إلى ذلك، تكراراً، افتقار القوى المتضررة، القديمة والجديدة، إلى أداة منظمة وفعالة من أجل التعبير عن هواجسها والدفاع عن مصالحها وعن مصالح البلد عموماً. الواقع أن انكشاف الأزمة على هذا المستوى وبهذا الحجم، يتخطى قدرة قوى التغيير القائمة على التعامل معها بالحيثية والاستعداد الكافيين والضروريين. إننا أمام أزمة شعبية وطنية بالمعنى الحقيقي للكلمة. وهي تحتاج إلى مقاربة جديدة تتخطى الجمود والأساليب القديمة والفئويات الحزبية إلى عمل وطني إنقاذي تُشتق منه صيغ جديدة، مرنة ومبدعة ومتجردة، تجسد توجهاً نضالياً مسؤولاً وموثوقاً وقادراً على أن يستثير المشاركة ويؤطرها في صيغ عملية وقيادية يرتاح لها وينجذب إليها الجمهور والناشطون في الوقت عينه.
يتصل بذلك، جوهرياً، صياغة برنامج مرحلي ذي أولويات تشمل وقفاً فورياً للهدر، وتحرير القضاء من الاستتباع السياسي، وإعادة الاعتبار والدور إلى هيئات الرقابة... وبديهي أن يكون احترام الدستور هو العنوان العام لجهة التصدي للمحاصصة الطائفية والسياسية ومحاصرة الاتجاه المتعاظم لتكون الدويلات والمحميات في نطاق الدولة وعلى حسابها. إن الهدف هو بناء مركز معارضة وطنية واحد موحّد ينقل حالة القلق والتململ والاعتراض الشعبي إلى مستوى نشوء تيار، عريض وفاعل، في الخريطة السياسية اللبنانية.
لبنان مقبل، في ضوء صراعات المنطقة في بعديها الإقليمي والدولي، على توترات تزداد يوماً بعد يوم. قضاياه، وخصوصاً منها القضية الاقتصادية، سيجري استخدامها لهذا الغرض. المعارضة يجب أن تكون لها كلمة مسؤولة وفاعلة في هذا الأمر: من قضية النازحين، إلى الخيارات الإقليمية، إلى العلاقات والتحالفات الخارجية... كل ذلك في نطاق مصلحة وطنية متبلورة على حساب كل الفئويات وفي مواجهة كل جنوح نحو إغراق البلاد في انهيارات أو تفجير سيدفع ثمنهما اللبنانيون بأسوأ مما اختبروه وعانوه في السابق.

* كاتب وسياسي لبناني