قد يصحّ القول إنّ النظام القائم في لبنان هو نظام طائفي وليس نظاماً مدنياً، وإنّ الدولة المدنية هي مطلب للعديد من الفئات والتّيارات، بما فيها التيار الديني في مجمله، الذي يرتضي نموذجاً محلّياً وواقعيّاً للدولة المدنية، بعيداً من أي إسقاط نموذجي قد يُمارس، يتضمّن أكثر من استلاب، أو اغتراب عن الذات والانتماء.

وقد يصحّ أن يقوم هذا المفهوم للدولة المدنية على الأسس التالية: العلموية، والعقلانية، والعدالة، والديموقراطية كآلية لإنتاج السلطة، والمصلحة الوطنية كمعيار لممارستها، والكفاءة كميزان لملئها، وتلبية حاجاتها البشرية، ممّا يفضي إلى مواجهة الطائفية في مجمل مفرداتها وجميع أشكالها ومؤدّياتها، بما فيها المحاصصة الوظيفية، والفساد، والهدر، واستغلال السلطة...
وقد تكون هناك حاجة لأكثر من نقاش علمي في مفهوم تلك الدولة، ومجمل أسسها ووظائفها وأهدافها؛ لكن من أهم القضايا التي يحسن الوقوف عندها، أن هناك من يسعى إلى توجيه مفهوم الدولة المدنية إلى منحى تطهري من الدين، وليس من الطائفية – أو منحى تطهّري من كليهما معاً -، وهو ما يحتاج إلى شيء من النقد والتحليل، حتى لا يخرج ذلك المسعى إلى الدولة المدنية عن مساره الواقعي والعقلاني، إلى مسار لا يوصل إلى غاياته الواقعيّة والصحيحة.
وهنا لا بدّ من تسجيل الملاحظات التالية:
1. يوجد خلط في تلك المقاربة بين الدين والطائفية، وهو خلط غير صحيح، لأن جوهر الدين وماهيته يختلف عن جوهر الطائفية وماهيتها.
2. قد تؤدي تلك المقاربة إلى حرف الأنظار عن جوهر المشكلة التي تعاني منها الدولة في لبنان، بل الاجتماع اللبناني العام برمّته، وهي الطائفية وامتداداتها.
3. قد تؤدّي إلى إعاقة ذلك المسعى إلى الدولة المدنية، لأن العمل على إقصاء الدين، سوف يصطدم بشرائح واسعة من المجتمع اللبناني تلتزم قيمها الدينية، خصوصاً ما يتّصل منها بالأحوال الشخصية، وهي لن ترتضي أي مفهوم للدولة ترى فيه إلغاءً لخصوصيتها، وعدواناً على قيمها، بل تهديداً لحصانتها الاجتماعية والأسرية.
4. لا توصِل إلى تحقيق العديد من المصالح الواقعية للمجتمع – ولو بناءً على قناعة تلك الشرائح – إذ إن العديد من التجارب الدينية في مجال أو آخر أثبتت بحسب التجربة العملية قدرتها على إنجاز المنفعة العامّة للمجتمع، وتزويده بالعديد من أسباب النجاح والخير والصلاح. ومن هنا فإنّ إقصاء الدين يعني الحرمان ممّا يمكن أن يوفّره الدين في قراءاته البنّاءة، وتجاربه الناجحة من إيجابيات، تستفاد من تلك الأسباب ومفاعيلها.
5. قد يكون في تجيير المسعى إلى إقامة الدولة المدنية نحو إقصاء الدين، وتحديداً إلغاء قانون الأحوال الشخصية الديني؛ تعطيل لذلك المسعى، لأن هناك من يدرك أن إلغاء ذلك القانون لن يكون محل قبول من التيار الديني، والعديد من فئات المجتمع اللبناني.
وعليه، عندما يُثقَل المسعى إلى الدولة المدنية بإلغاء قانون الأحوال الشخصية الديني، فهذا يعني أنّه يُراد الإبقاء على الطائفية، ويُراد تالياً الحؤول دون الوصول إلى الدولة المدنية، وإلّا لو كان المراد الدفع نحو الدولة المدنية، لما عُمِلَ على إعاقة الوصول إليها من خلال إثقاله بشرط قد يستحيل تحقيقه.

القانون الديني للأحوال الشخصية ليس سبباً للطائفية، وهي لن تنتفي تالياً بانتفائه


وقد يكون مفيداً الإلفات هنا إلى أن قانون الأحوال الشخصية المعمول به في لبنان ليس قانوناً طائفيّاً، وإنّما هو قانون (ديني)، تعمل فيه كل طائفة بما يراعي خصوصيتها الدينية. إذ إنّه فرق بين قانون يكون منتجاً طائفياً، وبين قانون يكون منتجاً دينياً. فمثلاً لو أردت الحديث عن (قانون) الأحوال الشخصية الإسلامي، فهذا القانون لم تنتجه الطائفة كمكوّن اجتماعي، وإنّما هو نتاج ديني، وإن عملت به هذه الطائفة أو تلك، أي إنّ ذاك القانون لم يتكوّن نتيجة عقد طائفي، وإنّما هو نتيجة فهم علمي من القرآن والسنّة، كمصادر تشريع في الإسلام.
ومن هنا فإنّ توصيف ذلك القانون الديني للأحوال الشخصية بأنّه قانون طائفي هو توصيف مضلّل، إذ قد يكون الهدف منه توظيف مصطلح (طائفي) وقبحه في الوعي اللبناني لإلصاقه بالدين وتشريعه في الأحوال الشخصية وغيرها، وذلك للوصول إلى غايات محدّدة، يسعى إليها من يمارس ذلك التوظيف؛ وهي مقاربة تفتقر إلى الصحة والصدقية.
ولذلك، فإنّ تطهير الدولة من الطائفية لا يعني إلغاء قانون الأحوال الشخصية الديني، لأن هذا القانون ينتمي إلى مقولة أخرى لا تتنافى مع الدولة المدينة – اللاطائفية –، إذ قد يبقى هذا القانون (الديني) على حاله، ومع ذلك يمكن الوصول إلى الدولة المدنية، وقد يُلغى هذا القانون، ويحلّ محلّه قانون وضعي للأحوال الشخصية، من دون أن تتقدّم التجربة اللبنانية خطوة واحدة إلى مدنية الدولة، وذلك لأن القانون الديني للأحوال الشخصية ليس سبباً للطائفية، وهي لن تنتفي تالياً بانتفائه.
بل يمكن القول في المقابل، إنّ أي مشروع قانون وضعي للأحوال الشخصية لن يخرج عن كونه قانوناً طائفياً في نتائجه ومفاعيله، وذلك لسبب بسيط جدّاً، وهو أنّ هذا المشروع لو تحوّل إلى قانون فعلي معمول به في الواقع اللبناني، فإنّه سوف يؤدّي إلى إنتاج الطائفة التاسعة عشرة، أي أنّه سوف يؤدّي إلى زيادة طائفة جديدة على الطوائف الموجودة في لبنان، وهي طائفة الوضعيين الذين لا يلتزمون بمرجعية دينية محدّدة في الأحوال الشخصية.
وعليه، فإنّ تلك المشاريع وإن تمّ تسويغها بما يتنافى والبعد الطائفي، فإنّها سوف تؤول إلى تكريس الواقع الطوائفي في لبنان في جملة من نتائجها، من حيث إضافة طائفة جديدة على ذاك الواقع، وبالتالي لن تكون علاجاً لذاك الواقع – كما يُدّعى – بل تعميقاً له، وإيغالاً في العديد من اختلالاته وعيوبه.
ومن هنا ينبغي القول إن الدولة المدنية في الواقع اللبناني تعني – بشكل أساس – الدولة اللاطائفية، وإن نقيض المدنية في لبنان هو الطائفية، وإنّ الذي يؤدّي إلى ارتكاس الدولة في التجربة اللبنانية هو الطائفية في ثقافتها، وقيمها، ونظامها، وجميع مفاعيلها من محاصصة، وهدر، وفساد، وزبائنية...
الطائفية مقولة غير عقلانية، لا يبرّرها العلم، ولا تساعد عليها الديموقراطية، وتتنافى مع العدالة، ولا يشرعنها الدين، لأنّها نوع من العصبية (عنصرية) التي تتنافى وجوهر الدين وقيمه، وإن عملت على تسويغ نفسها بمرتكز ديني، حالها حال أي عصبية تسعى إلى الارتكاز على منشأ ما، قد يكون جغرافياً، أو عرقياً، أو قبلياً، أو عائلياً، أو دينياً... لكنها حتى في هذه الحال – عندما تسعى إلى تبرير ذاتها دينياً – فهي توظّف الدين بما يتنافى مع قيمه، وتستخدمه بما ينافي جوهره، شأنها شأن أكثر من سلطة زمنية في التاريخ الديني، عندما سعت إلى استغلال الدين لتحقيق مصالح خاصة، وإن كان هذا الاستغلال لا ترتضيه قيم الدين ولا تساعد عليه.
كذلك الأمر عندما نأتي إلى الطائفية، فهي نوع عصبية (عنصرية) تسعى إلى استغلال الدين لتبرير نفسها، ومدّها بأسباب القوّة والاستمرار، لكن هذا الاستغلال لا يحيلها إلى مقولة دينية، ولا يكسبها شرعية الدين، وإن نجحت في كسب تأييد أي من رجال الدين ومؤسّساته، لكن هؤلاء عندما يدعمون الطائفية في تجليّاتها الاجتماعية أو السياسية، فهم لا يصدرون في فعلهم هذا من الدين في قيمه ومعانيه، بل من الطائفية في لُبسها وتشوّهاتها.
الطائفية – كما تُمَارس – هي نوع من العنصرية التي تنجز تضليلاً ثقافياً وسياسياً غير مقبول، والتي تعني تعظيم الأنا الطائفية، وتقديمها على أنّها أعلى من أي «أنا» أخرى، مع ما يمكن أن يؤدّي إليه ذلك من مضاعفات ونتائج خطيرة على أكثر من مستوى، لا تقف عند حدود إلغاء فكرة الدولة أو إضعافها، والتأسيس لديناميات مستديمة من الاحتقان الاجتماعي، والتوترات الاجتماعية والسياسية، سببها شعور فئات كثيرة بالغبن والظلم، نتيجة التمييز الطائفي في أكثر من مجال، ولربما التأسيس لإنتاج أزمات وتصدّعات ونزاعات ذات مضمون طائفي، ولو بعد عقود من الزمن، فضلاً عن إيجاد بيئة مساعدة على الزبائنية، والفساد، والهدر، واستغلال السلطة...
وهذا يعني أن من يريد بناء الدولة، عليه أن يرفض الطائفية ويلفظها، وأن من يسعى إلى الإصلاح في تلك الدولة، عليه أن يجفّف جميع مصادر الطائفية لديها في القانون والأعراف والممارسة، وسوى ذلك؛ هذا فضلاً عن أن تكون تلك الدولة المنشودة هي الدولة المدنية. أمّا الدعوة إلى بناء الدولة وإصلاحها مع العمل على تعزيز الطائفية وقيمها، فهو نوع من التهافت، والتضليل الذي لا يصحّ أن يمارسه من يحترم عقول مستمعيه ويقدّر أفهامهم.
إنّ الطائفية هي نقيض مجمل تلك القيم التي تقوم عليها الدولة المدنية، ولذلك سوف يكون المدخل إلى بناء تلك الدولة في كنس الطائفية في جميع أشكالها وتعابيرها، أمّا الدين فقد يكون في العديد من قيمه وقراءاته نِعْمَ المعين على بلوغ تلك الدولة في عقلانيتها، وعدالتها، وعلمويتها، وتقديمها للبعد الإنساني، والكفاءة، والمصلحة الوطنية على أي اعتبار آخر.
*كاتب لبناني