«أيها الصهيوني القذر». ثلاث كلمات وجّهها أحد متظاهري السترات الصفراء إلى الكاتب الفرنسي الصهيوني ألان فينكلكروت يوم السبت الماضي، (1) وجود هذا الأخير (بالصدفة؟) وجهاً لوجه مع ثلّة من المتظاهرين في أحد شوارع باريس، كان كافياً لتنتفض الأوليغارشية الفرنسية عن بكرة أبيها ومعها أغلبية ما يُسمّى «النخبة المثقفة» وكل المحادل الإعلامية، لتعبّر عن صدمتها وسخطها تجاه هذه الكلمات التي ادّعى هؤلاء أنها بمثابة شتيمة معادية للسامية!

لم يقتصر الأمر على ذلك، إذ لم تمضِ 48 ساعة على هذه الحادثة حتى نُظّمت مظاهرة وطنية شارك فيها الرئيسان السابقان فرانسوا هولاند ونيكولا ساركوزي ورئيس الوزراء الحالي إدوار فيليب، بالإضافة إلى عدد كبير من السياسيين الفرنسيين من مختلف الأطياف والأحزاب ليقولوا «كفى» ولشجب ما سمّوه «خطر معاداة السامية» الزاحف الذي يهدد المواطنين اليهود! في ذات الوقت توجه الرئيس إيمانويل ماكرون مقتنياً القلنسوة اليهودية (قانون العلمانية الفرنسية يحظر على السياسيين في الحكم اقتناء الرموز الدينية) ليضع وردة بيضاء على النصب التذكاري لضحايا المحرقة. أما رئيس الوزراء السابق مانويل فالس فشنّ هجوماً كلامياً ونادى «بالضرب بيد من حديد وفتح أبواب السجون لمعاقبة معادي السامية وكارهي «إسرائيل» من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار». (2)
حتى أن الناطق الرسمي باسم الحكومة الفرنسية بنجامين غريفو (3) ادّعى أن المتظاهرين شتموا ألان فينكلكروت بعبارة «أيها اليهودي القذر»، الأمر الذي تنفيه المشاهد المصوّرة للحادثة، لكن ذلك لا يهم، لأن تسونامي الإدانات انطلق وانطلقت معه سمفونية التباكي على ما يُسمّى «الواقع المرير الذي يعيشه المواطنون اليهود من معاداة للسامية».
مهلاً، لم ينته الأمر عند هذا الحد. فبعد مرور أقل من ثلاثة أيام على واقعة «الصهيوني القذر»، تقدّم عدد من النواب الفرنسيين باقتراح مشروع قانون (4) يسمح باعتبار مناهضة الصهيونية بمثابة معاداة للسامية، حيث هذه الأخيرة تُعتبر جرماً يعاقب عليه القانون الفرنسي. وبالتوازي، فتحت الشرطة الفرنسية تحقيقاً للتعرّف من خلال الشريط المصوَّر على الشخص الذي تلفّظ بعبارة «أيها الصهيوني القذر» لملاحقته وإنزال العقوبة بحقه!
كل ذلك في فترة لم تتعدَّ الـ 72 ساعة. طبعاً، من غير المجدي السؤال عمّا كانت ستؤول إليه الأمور لو أن مواطناً من أصول عربية أو أفريقية تعرّض لشتيمة على شاكلة: «أيها العربي القذر» أو «أيها الأسود القذر»! لأن في فرنسا، بلد ما كان يُعرف بـ «الفكر المستنير» وحقوق الإنسان، التعرّض للعرب أو الأفارقة بشتائم عنصرية ليس عرضة لملاحقة قانونية إلا فيما ندر (رغم أن ذلك فعل عنصري حسب القانون) ولا يؤدي إلى شجب أو استنكار من الطبقة السياسية أو النخبة المثقّفة ولا إلى تظاهرات يشارك فيها رؤساء وسياسيون.

توجّه عام متقن، على المستوى السياسي والثقافي والإعلامي، حوّل الحركات والشخصيات الصهيونية إلى طبقة شبه مقدّسة خارج دائرة النقد أو الإدانة


ما يكمن وراء هذا الواقع توجّه عام متقن، على المستوى السياسي والثقافي والإعلامي، يترسّخ سنة بعد سنة في فرنسا، حوّل الحركات والشخصيات الصهيونية إلى طبقة شبه مقدّسة خارج دائرة النقد أو الإدانة في ما يتعلق بمواقفها الداعمة للكيان الصهيوني وممارساته الإجرامية تجاه الشعب الفلسطيني. قدسية تحميها فزّاعة الاتهام بمعاداة السامية لأي جهة أو شخص تخوّل له نفسه التلفّظ أو التعبير عن رأي مناهض لهذه الشخصيات أو للكيان الصهيوني أو للصهيونية العالمية. وإن حصل وتجرّأ أحد الكتّاب أو المفكرين على الكلام خارج السردية المهيمنة التي تفرضها النخبة المتصهينة، فالطبقة السياسية والإعلام الفرنسي له بالمرصاد. حيث تتم شيطنة كل صوت يغرّد خارج المعايير الفكرية التي أرستها هذه النخبة.
الأخطر فيما وصلت إليه الأمور في فرنسا هو ما تسعى له الحكومة الفرنسية مدعومة من اللوبي الصهيوني الفرنسي وعلى رأسه منظمة تُدعى «المجلس التمثيلي للمنظمات اليهودية في فرنسا» (كريف)، من إرساء قانون أو قوانين مطاطة لا تقتصر فقط على اعتبار مناهضة الصهيونية بمثابة معاداة للسامية (وهذا بحد ذاته، في حال إقراره، تطور خطير إذ إنه يحول أي رأي سياسي ينبذ الصهيونية، إلى جرم معاد للسامية يعاقب عليه القانون) بل أيضاً لإرساء مروحة من التفسيرات يمكن من خلالها اعتبار أي مناهضة أو إدانة للكيان الصهيوني وممارساته بمثابة مواقف معادية للسامية، خاصة في ظل غياب شبه تام على الساحة الفرنسية لأصوات تعارض هذا التوجه فيما عدا بعض التصريحات الخجولة كتلك التي أدلى بها نائب عن حزب (فرنسا المتمرّدة) والذي طالب «بالحق بانتقاد السياسات «الإسرائيلة» دون أن نُتهم بمعاداة السامية»(5). لكن هذه المواقف لا ترقى إلى مستوى جبهة ممانعة واسعة.
هذا ما آلت إليه الأمور في فرنسا، حيث تتم محاربة وشيطنة أي صوت يبدي اختلافاً في الرأي حول القضايا المحورية يدحض ادعاءات مفكرين وفلاسفة على شاكلة ألان فينكلكروت أو برنار هنري ليفي أو ميشال ويلبيك أو إريك زمور وآخرين كثيرين ذوي الميول الصهيونية الفجّة والذين لا يجدون حرجاً في نشر أفكار عنصرية وإسلاموفوبية دون أن يقلقوا من أي محاسبة أو ملاحقة قانونية، لأن راية «حرية التعبير» تُشهر بوجه أي جهة تعارض هؤلاء.
من النتائج المباشرة لموجة الاستنكار الممسرحة في فرنسا، إدلاء وزير «إسرائيلي» (6) بتصريح يدعو فيه الفرنسيين اليهود إلى «الهجرة إلى تل أبيب لأن خطر معاداة السامية بات يهدد وجودهم في فرنسا»، حسب قوله. إن في هذا النداء ما يدعو للتساؤل: هل هذا مجرّد رد فعل بريء على المشهدية الفرنسية أم أن وراءه خطوات مدروسة بدقّة قبل، خلال وبعد كل حفلة تهويل من شبح خطر معاداة السامية؟!
سؤال آخر يفرض نفسه: ما هذه الصدفة العجيبة التي جمعت كلّ هذه الأحداث قبل يومين من موعد العشاء السنوي للمجلس التمثيلي للجمعيات اليهودية الفرنسية (كريف) (7) حيث دُعي إليه الرئيس إيمانويل ماكرون الذي، للمصادفة أيضاً، يجد نفسه في أدنى مستويات التأييد الشعبي له (حيث انحدر مستوى التأييد إلى ما يقارب الـ 19% مع بداية هذا العام) (8). ومن المنتظر أن يلقي ماكرون خطاباً صارماً مليئاً بالعواطف الجياشة قد يحاول من خلاله إظهار نفسه كقائد كفؤ يُحسن إدارة الأزمات، ما قد يمنحه بعض النقاط على سلّم أرقام التأييد الشعبي هو بأمسّ الحاجة إليها في ظلّ فشله مقابل عاصفة السترات الصفراء المستمرّة والتي تلقى المزيد من الدعم الشعبي الفرنسي والتضامن العالمي. كذلك لم يفُت جوقة المستنكرين تسليط الاتهامات على السترات الصفراء بمعاداة السامية في محاولة لشيطنة هذه الحركة الشعبية الكبيرة، ما قد يؤدي باعتقادهم، إلى انفضاض جزء من الجماهير المؤيدة من حولها.
من نافل القول إن كل أشكال العنصرية والإسلاموفوبيا والتمييز ومعاداة السامية مُدانة ومستنكرة أينما حلّت، لكن ما يجري في فرنسا منذ عقود هو هذا النوع من الاستنكار الانتقائي الذي لا يستفيق إلا عندما يتعلق الأمر بالمواطنين اليهود، حيث تهبّ الدولة بكل مكوّناتها ويُجيّش الإعلام والكتّاب للتضامن معهم، بينما لا نرى شيئاً من ذلك كله عندما يتعرّض المواطنون المسلمون أو ذوو الأصول الأفريقية لاعتداءات عنصرية وباستمرار! الخطورة تكمن أيضاً في أن الكثير من المواطنين يرزحون تحت وطأة السردية المهيمنة دون النظر أبعد من الوجبات الإعلامية السريعة وفقاعات البروباغاندا الممنتجة بإتقان لخدمة وتحقيق أهداف الأوليغارشية المتصهينة.
في بدايات القرن الماضي كتب المناضل الفرنسي جان جوريس: «إن الشجاعة تكمن في البحث عن الحقيقة وقولها؛ والشجاعة تكمن في عدم الخضوع للأكاذيب المهيمنة». لقد مر على هذه الكلمات ما يقارب المئة عام. لم يتغيّر الكثير في ما يتعلّق بتفرّد النخبة الحاكمة وأدواتها بصوغ وفرض سرديتها على الشعب. كأن الزمن يراوح مكانه في فرنسا.
* باحث لبناني فرنسي

المصادر
(1) https://m.youtube.com/watch?v=odSP37Rcb7c

(2) https://mobile.twitter.com/manuelvalls/status/1096875825914355714

(3) https://mobile.twitter.com/BGriveaux/status/1096813289613545473

(4) http://www.lefigaro.fr/politique/le-scan/2019/02/18/25001-20190218ARTFIG00073-des-deputes-veulent-reconnaitre-l-antisionisme-comme-une-forme-d-antisemitisme.php

(5) https://www.nouvelobs.com/justice/20190218.OBS0325/des-deputes-veulent-penaliser-l-antisionisme-le-gouvernement-reticent.html

(6) https://www.alquds.co.uk/وزير-إسرائيلي-يدعو-يهود-فرنسا-للهجرة-إ/

(7) http://www.lefigaro.fr/flash-actu/2019/02/20/97001-20190220FILWWW00047-macron-present-au-diner-du-crif-les-representants-des-institutions-juives-veulent-des-mesures-concretes.php

(8) http://www.lefigaro.fr/flash-actu/2018/12/16/97001-20181216FILWWW00007-baisse-de-la-cote-de-popularite-du-president-macron.php