عندما تغيب الأسئلة الكبرى، يصعب الحديث عن أي مراجعة لازمة لتجديد القوة الناعمة المصرية، التي تعرّضت للتآكل والتجريف وأصبح الحديث عنها أقرب إلى بكاء على أطلال. برمزية أعداد السنين، يدعو اليوبيل الذهبي لـ«معرض القاهرة الدولي للكتاب» إلى مثل هذه المراجعة، كيف؟ ولماذا تراجع الدور الذي كانت تؤديه الثقافة المصرية في عالمها العربي؟ في أي مراجعة جدّية وموضوعية، لا يمكن عزل ما هو ثقافي عمّا هو سياسي، وإلا فإنه تحليق في فراغ.

في مطلع «ثورة يوليو»، تصدّر المشهد الثقافي ثلاثة أدباء كبار هم: الدكتور طه حسين وعباس محمود العقّاد وتوفيق الحكيم. بقدر ما ساعدتهم حرية النقد المتاحة، تأكّدت قيمتهم وريادتهم. كان طه حسين الأكثر حماسة لحركة «الضبّاط الأحرار» وإطاحة الملك فاروق، فيما بدا العقّاد متحفظًا، لا أيّد بحماسةٍ ولا عارض بوضوح، فيما كان الحكيم ملهمًا لجمال عبد الناصر بروايته «عودة الروح». في الخيارات الرئيسية، استندت «يوليو» إلى جوهر مشروع طه حسين في مجانية التعليم، والنظر إلى أوضاع وأزمات الثقافة المصرية، التي نقلتها من حال إلى حال. لم تكن مصادفة أن أغلب الذين تصدّروا النهضة الثقافية المصرية في خمسينيات القرن الماضي وستينياته هم من تلاميذ عميد الأدب العربي الذي يعدّ رمزًا للاستنارة والروح النقدية، غير أن التوجهات بدت مختلفة بشأن دوائر الحركة، حيث تبنّت «يوليو» التوجّه شرقًا إلى العالم العربي، فيما كانت نظرة العميد التوجه غربًا عبر المتوسط إلى القارة الأوروبية. كان طه حسين ثوريًا في تفكيره الثقافي والعقلاني، لكن لم يعهد عنه ميل إلى تعديلات جذرية في بنية العلاقات الاجتماعية، وكان العقاد محافظًا في تفكيره ونظرته الثقافية، هو مثقّف موسوعي عَلّم نفسه بنفسه واكتسب نفوذًا استثنائيًا بارتباطه بزعيم ثورة (١٩١٩) سعد زغلول، حتى إنه وُصف بـ«قلم الوفد الجبّار»، غير أنه اصطدم بخليفته مصطفى النحاس وخرج عليه مقتربًا من الملك فاروق، وكان الحكيم وسطيًا، وهو يوصف عن حق بـ«رائد المسرح العربي» وبدت اجتهاداته الأدبية والفكرية مثيرة وسجالية دون أن تتوافر فيها مقومات مشروع ثقافي كطه حسين والعقاد.
عندما قامت الثورة، كان العصر لم يعد هو العصر الذي أبدعوا فيه واستكملوا مشروعاتهم الفكرية، ولا كان مجمل تفكيرهم يتسق مع ما سعت إليه من تغيير اجتماعي واسع هزّ المعادلات القديمة التي نشأوا في ظلها. كان جيل جديد بدأ يطلّ على المسرح السياسي المصري في منتصف أربعينيات القرن الماضي، أفكاره بنت ما بعد الحرب العالمية الثانية وما طرحته من تحديات مختلفة. من أهم القوى الجديدة تلك {الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني}
(حدتو) اليسارية و«الإخوان المسلمون»، وقد دعمتا «الضباط الأحرار» قبل الثورة وعند بداياتها. وفيما طلبت «حدتو» المشاركة في القرار، طلبت «الجماعة» الاستيلاء على القرار نفسه. من حيث قوة التنظيم واتساع مجال حركته ومدى تمركزه في الشارع السياسي، تصعب المقارنة بين الحركتين التنظيميتين ــــ لمصلحة «الجماعة». ومن حيث اتساع النظرة السياسية والعمق الثقافي، تصعب المقارنة مرة أخرى ــــ لمصلحة «حدتو» هذه المرة.

أين كانت الأخطاء؟ في غمرة صراعات السلطة أو في عواصف التحولات الاجتماعية والصراع على مستقبل المنطقة؟


بقواعد السمع والطاعة، افتقدت الجماعة أي قدرة تقريبًا على الإنتاج الفكري والإبداعي وبناء طبقة مثقفة، لم يجر الصدام بين «يوليو» و«حدتو» في فراغ سياسي، ولا تلخّصت أسبابه في «أزمة مارس 1954» وسؤالها عن الطريق الذي يجب أن تنتهجه مصر: الديموقراطية أم الثورة؟ عودة القوى القديمة أم المضيّ قدمًا في تغيير المعادلات الاجتماعية والاستراتيجية؟ كانت هناك أزمات أخرى استدعت الصدام، بينها الموقف من القضية الفلسطينية: هل هي قضية وجود تخصّ العرب جميعهم ويرتبط بها المصير العربي، أم أنه يمكن حلّها بوحدة الطبقة العاملة في فلسطين المحتلة بين العمال اليهود والعرب؟ وجرى استدعاء الصدام مرات ثانية وثالثة ورابعة على خلفية الموقف من الوحدة السورية ــــ المصرية التي ناهضها الحزب الشيوعي السوري، والصراع بين القوميين العرب والشيوعيين على السلطة في العراق، وقد كان دمويًا. ومع بدء التحول الاشتراكي اختلفت البيئة العامة، إذ حلّت الأحزاب الشيوعية نفسها، واندمج أفضل مفكّريها وكوادرها في بنية «التنظيم الطليعي»، وهو جهاز سرّي أنشئ داخل الاتحاد الاشتراكي بهدف تطويره وفرز عضويته، وكأي حزب سلطة، مفتوح أو طليعي، فإنه مطمع لكل أصحاب المصالح.
كان من رأي المفكر اليساري محمود أمين العالم: «إن من الخطأ والخديعة أن يُقال إن تجربة عبد الناصر لم تكن إلا تجربة سجون ومعتقلات، فهذا طمس للوعي الصحيح حيث تحقق الاستقلال السياسي والاقتصادي والعسكري لأول مرة في تاريخ مصر الحديث» ــــ كما قال عام (٢٠٠٢) في حوار صحافي.
أين كانت الأخطاء إذاً؟ في غمرة صراعات السلطة أو في قلب عواصف التحولات الاجتماعية والصراع على مستقبل المنطقة؟
بعد «أزمة مارس» وحسم سؤال السلطة، أُسندت للأمن مهمة تعقّب أي «تنظيمات سرية تهدد نظام الحكم» وتلك مهمة طبيعية ومشروعة في كل الثورات بمعاركها المفتوحة وتحولاتها الحادّة، غير أن لكل شيء حدوداً تتوقف عندها أي إجراءات، وإلا فإنها تفلت عن كل ضرورات سياسية والتزامات قانونية وإنسانية، وتسيء إلى أي نظام حكم ثوري كان أو غير ثوري.
كان مصرع المفكر والسياسي اليساري شهدي عطية الشافعي تحت الضرب المبرح في معتقل «أبو زعبل» في ١٧ حزيران/ يونيو ١٩٦٠ عملًا مشينًا أزعج البيئة الثقافية المصرية؛ ومن بينهم شهود الواقعة الروائي الكبير صنع الله إبراهيم الذي كان شابًا في الثانية والعشرين من عمره يدرس القانون في كلية الحقوق ويعمل موظفًا بمكتب ترجمة حتى يواصل تعليمه. ورغم قسوة التجربة، فهو لا يتوقف عن الدفاع بحماسة عن جمال عبد الناصر، وحماسته استوقفت كثيرين في مصر والعالم حتى سألوه مرّة: «لماذا تدافع عمّن سجنك لخمس سنوات؟»، إنها مسألة أفكار وتصورات واعتقادات في الحياة والسياسة وجد تعبيرها في مشروع رجل مات منذ عقود طويلة. كان مصرع شهدي داعيًا إلى غضب عبد الناصر بصورة دعته إلى القول لوزير داخليته: «إذا كان ذلك يمكن أن يحدث في عهد الثورة، فالأشرف والله أن نفضّها ونعود إلى بيوتنا» (محمد حسنين هيكل في كتابه «لمصر لا لعبد الناصر»). في حزيران/ يونيو ١٩٦٣، قرر عبد الناصر الإفراج عن جميع السجناء السياسيين قبل نهاية العام. كان خبرًا مدوّيًا تناقلته وكالات الأنباء العالمية. لكن المعتقلات فتحت من جديد إثر كشف تنظيم سيد قطب (١٩٦٥) وإجهاض محاولته للاستيلاء على الحكم بالتدمير والترويع والقتل. رغم وجود فارق أساسي بين المعارضة السلمية والمعارضة بالسلاح، إلا أن حماية سلامة وإنسانية كل من يحتجز في عهدة الدولة من مسؤوليتها.
من بين ثُغَر «يوليو» أنه جرى الانقضاض على إنجازاتها التحررية والاجتماعية ومشروعها الثقافي الذي لا مثيل لحجمه وأثره في التاريخ الحديث، وهنا صلب أي مراجعة، وإلا فإنه إهدار لدروس التاريخ.
* كاتب وصحافي مصري