أعلن الحزب الشيوعي اللبناني، من خلال «نداء: إلى الشارع... للإنقاذ في مواجهة سياسة الانهيار»، الدعوة إلى المباشرة بعملية إسقاط النظام السياسي اللبناني، واستبداله بنظام آخر. هذا ما صرّح به الأمين العام للحزب، في كلمته في تظاهرة 16/12/2018، بقوله: «تغيير هذه الدولة الفاشلة... (و) بناء دولة وطنية علمانية ومدنية وديموقراطية: وهذا ما نعنيه في أبعاد شعارنا للتظاهرة: إلى الشارع... للإنقاذ في مواجهة سياسة الانهيار»، ولقد كان غسان ديبة، عضو المكتب السياسي للحزب، واضحاً تماماً في تأكيد ضرورة العمل لإسقاط النظام السياسي بقوله: «أصبحت الأزمة بعمقٍ لا يمكن الخروج منها نحو طريق الإنقاذ إلّا عبر ثلاثة أشياء: أوّلاً، ثورة سياسية تؤدّي إلى إنهاء الطائفية والدولة الطائفية... التي يتعيّن تفكيكها. فالدولة لم يعد بالإمكان إصلاحها...» («نحو ثورة سياسية للإنقاذ»، الأخبار، 31/12/2018). هذه الدعوة للشروع بالنضال من أجل إسقاط النظام السياسي توافقت عليها مجموعة من القوى: الحزب الشيوعي، التنظيم الشعبي الناصري، حزب طليعة لبنان العربي الاشتراكي، الحزب الديموقراطي الشعبي، المرصد الشعبي لمكافحة الفساد، ومجموعات نقابية، وأخرى من الحراك الشعبي.

الأمر الجدير تسجيله هو أن القوى الداعية للتغيير تدرك الخلل في ميزان القوى بين دعاة التغيير من جهة وأهل السلطة من جهة أخرى، وبالتالي فهي مدركة لحاجتها إلى بناء «كتلة شعبية» لتعديل ميزان القوى. ولهذا، فقد جاء في خطة عملها التشديد في مسألة الوصول إلى «خلق كتلة شعبية ديموقراطية منظمة وذات قيادة وبرنامج لتغيير موازين القوى هدف رئيسي لا بد من تضافر كل الجهود والطاقات من أجل تحقيقـ(ـه)»... (وفي مكان آخر) «تعزيز فرص تشكيل كتلة شعبية جماهيرية وازنة يكون صوتها مسموعاً... حتى لا تبقى إدارة الأزمة محصورة في تحالف القوى المتنفذة داخل السلطة وكبار الرأسماليين» (حنا غريب، في كلمته في تظاهرة 16/12/2018).
ثمة سابقة اعتمدها الحزب الشيوعي اللبناني، في 4/1/2017 وهي قريبة في مدلولها من الدعوة لخلق كتلة شعبية، مع إعلانه «البيان الوزاري البديل». في هذا الإعلان احتلّ قانون الانتخابات موقع الأولوية. تمّ اعتبار البيان «مناسبة... لتجميع القوى الديموقراطية واليسارية ومختلف الأحزاب والاتحادات العمالية والتجمّعات والحراكات النقابية والشعبية والنسائية والشبابية والأهلية والبلدية...» كما تمّ اعتبار «مهمة كل قوى التغيير الديموقراطي في توحيد جهودها لخلق قناعة لدى شعبنا لإنجاز هذه المهمة التاريخية»، وقد وضعت خطة تحرّك: «توزيع البيان، إطلاق حملة إعلامية وشعبية حوله في المناطق، إقامة ندوات وزيارات ولقاءات وتجمّعات، توقيع عرائض وتنظيم اعتصامات شبابية وشعبية»...
إن عملية «خلق القناعة لدى شعبنا» هي بالتحديد «معركة الأفكار» (كسب العقول) تخوضها قوى التغيير، وهي مقدمة ضرورية لـ«معركة كسب ثقة» الشعب (كسب القلوب). فهل خيضت هذه المعركة (المعارك) كما يلزم؟
ما الذي حصل فعلياً من كلّ ذلك بين مطلع 2017 وانتخابات أيار 2018، خصوصاً على صعيد التحركات الشعبية؟ كيف تمّ توزيع البيان؟ أين عُقدت الندوات الشعبية؟ وماذا عن الزيارات واللقاءات؟ باختصار هل حصلت عمليات ومحاولات من أجل «خلق قناعة لدى شعبنا»؟ وهل ما حصل من محاولات كان جدياً وملائماً لتحقيق الغرض؟ باختصار كان الفشل (من دون الغوص في تفاصيله) أكبر بكثير من الإيجابيات.
كيف قررت هذه القوى اليوم أن يتمّ تشكيل هذه «الكتلة الشعبية»؟ سيتم ذلك من خلال القيام بـ«لقاءات مع القوى السياسية والنقابية والمدنية على المستوى المحلّي، تنظيم ندوات ومحاضرات، والقيام باعتصامات»، وتميّزت واحدة من الأنشطة المطلوبة بـ«دعوة الأحزاب والحركات العقائدية غير الطائفية... إلى حوار مفتوح ومتواصل حول سبل بناء التعاون أو التحالف حول ما يجمعها من مواقف مشتركة من قضية بناء الدولة المدنية الديموقراطية في لبنان». وإلى ذلك تمّ التأكيد على «التواصل والاتصال مع كلِّ المكوّنات المُعترضة على السياسات الحكومية ووفق السقف السياسي الذي رفعته التظاهرة، لتوسيع دائرة حركة المعترضين على تلك السياسات»؛ والدعوة إلى «عقد لقاءات موسّعة سياسية وشعبية ونقابية ومدنية مع مستقلين على صعيد المناطق بهدف توسيع دائرة الحراك والنشاطات وفق التوجّهات البرنامجية المركزية والمطالب المحلية...».

الانتصار في معركة الأفكار هو السبيل لبناء «الكتلة الشعبية» التي تمكّن الحركة التغييرية من تعديل ميزان القوى


وكيف تجري الأمور؟ من المعروف أن التواصل (والاتفاق) مع المنظمات الحزبية والنقابية والجمعيات التي تدور أصلاً في فلك ما يسمّى القوى الوطنية والديموقراطية لا يضيف كثيراً في تكوين «الكتلة الشعبية». إذ إن بناء الكتلة الشعبية يتطلّب اكتساب قطاعات أو فئات شعبية جديدة، لم تكن مؤيدة للتغيير، أو كانت معادية له أو محايدة، والمقصود اكتسابها لتصبح من أنصار النضال التغييري. وهذه عملية تستلزم وقتاً وصبراً ونشاطاً مكثّفاً وتواصلاً شخصياً ومباشراً ومتكرراً من قبل الكوادر الحزبية مع هذه الأوساط الاجتماعية، وهي لا تحصل بمجرد تنظيم الندوات والمحاضرات وتوزيع قصاصات الورق والبيانات، وهي لا تحصل أيضاً من خلال التواصل والتفاعل مع المنظمات غير الحكومية (جمعيات «المجتمع المدني» التي هي بمعظمها مَفْسَدَة فعلية كاستطالة للطبقة السائدة، بما توفره من رشاوى مالية وعينية... وكثيراً ما تستهدف ناشطي الأحزاب التغييرية). هذه العملية (بناء كتلة شعبية) لا تحصل إلاّ في قيام كوادر القوى التغييرية ببحث ونشاط وتعبئة فعلية (في المجتمع العيني الملموس) تستهدف الفئات الشعبية صاحبة المصلحة في التغيير (في أوساط العمّال والفلاحين والنقابات والأطباء والمهندسين والمدرّسين والعاطلين من العمل، والموظفين والمتقاعدين والطلاب والمهمشين...)، أي النضال في أوساط المجتمع المدني، مأخوذاً بالمعنى الهيغلي والماركسي والغرامشي، بوصفه مجمل العلاقات الاجتماعية العملية والأيديولوجية (كل النسيج الاجتماعي المتنوع للغاية، كل المضمون الإنساني لمجتمع معين) الذي ينشأ ويعيش على قاعدة علاقات إنتاج معينة. وهو ينطوي أيضاً على سلوكيات الإنسان ـــ الاقتصادي، والإنسان الأخلاقي ــــ السياسي. فهو إذن موضوع ومادة ومجال أنشطة البنى الفوقية التي تحصل بطريقة تختلف تبعاً للمستويات والأزمنة بواسطة «أجهزة الهيمنة» و«أجهزة القسر».
ولكن، وقبل كل شيء، فإن عملية بناء «كتلة شعبية» تستلزم أداة سياسية على كفاءة عالية من حيث الوعي والمهارة التنظيمية والتعبوية والإعلامية. تستلزم حزباً (أو أكثر- محالفة حزبية) على جاهزية فعلية للقيام بهذه المهمة، وهذا ليس متوافر الآن بالمستوى المطلوب. فهناك طموح لتكوين هذا الحزب، أو بالأصح لإعادة تكوينه وتنشيطه، وإعادة توحيده، وإخراجه من أزماته الداخلية وضمور علاقاته مع قطاعات المجتمع. شاهدُنا على ذلك قول الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني حنا غريب: «نعلن لكل المناضلين الشيوعيين المنظمين في صفوف الحزب وخارجه، ولليسار والرأي العام عموماً، عزمنا العمل لبلورة مشروع الحزب أكثر فأكثر في الفكر والسياسة والتنظيم، تعزيزاً لوحدته ولإعادة بنائه حزباً سياسياً فاعلاً ومتجدداً» (صفحة الحزب الشيوعي اللبناني ـــ عكار، 28 تشرين الأول 2018). إن توافر هذه الأداة السياسية (الحزب، الأحزاب ـــ المحالفة الحزبية) وامتلاكها المعرفة اللازمة والطرق الضرورية والعمل المثابر من أجل «خلق قناعة لدى شعبنا» أي الانتصار في معركة الأفكار ـــ «كسب العقول»، هو السبيل لبناء «الكتلة الشعبية» (معركة كسب الثقة ــــ «كسب القلوب») التي تمكّن الحركة التغييرية من تعديل ميزان القوى.

ما هي الكتلة الشعبية؟
لنتوقف قليلاً أمام مفهوم «الكتلة الشعبية» لأن ذلك يساعدنا في فهم كيفية النضال لبنائها. الكتلة الشعبية هي حالة تعيشها الجماهير سمتها التواصل بين الوعي والممارسة، والتواصل بين واقعها الاقتصادي ـــــ الاجتماعي وقراراتها السياسية، هي اللحظة التي تشكّل فيها القوى الشعبية وجهة نظر نقدية وعلمية في مجمل المجتمع بهدف عملي، الاستيلاء على السلطة وتغييرها وممارستها.
الكتلة الشعبية مفهوم إستراتيجي غير وصفي أو تحليلي، وهو لا يعني محالفة طبقية متحققة سابقاً، بل حالة اجتماعية وسياسية مطلوب بناؤها. الكتلة الشعبية لا تعني تشكيل محالفة انتخابية أو مكونة من حركات متنوعة وشرائح اجتماعية تناضل سوية، هي تعني ظهور تشكيل مختلف في المجتمع المدني، كما تعني ظهوراً كبيراً لأشكال مختلفة في السياسة والتنظيم والخطاب، ما يجسّد إمكانية أن يكون المجتمع منظّماً ويدار بطريقة مختلفة. يشير مفهوم الكتلة الشعبية إلى علاقة خاصة بين السياسة والاقتصاد، ليس مجرد صياغة المطالب والتطلعات، وإنما هو نموذج اجتماعي واقتصادي بديل. وهكذا، فإن الكتلة الشعبية الجديدة تحدّد هذا الوضع التاريخي، حيث لا يقتصر الأمر على قيام تحالف اجتماعي جديد يطلب السلطة فحسب، بل إنه أيضاً في وضع يسمح له بفرض شكله الاقتصادي واستراتيجيته الاجتماعية، ويسمح له بقيادة المجتمع. في الوقت نفسه، يتضمن هذا المفهوم علاقة خاصة بين جماهير واسعة من الطبقات الدنيا والممارسات الفكرية الجديدة، فضلاً عن ظهور أشكال جديدة من الثقافة الجماهيرية، النقدية والمستثمرة في النضال السياسي.
تنطوي استراتيجية تكوين الكتلة الشعبية على محاولة إعادة إحياء وإعادة تعريف مفهوم للشعب (هل نحن رعايا طوائف أم نحن مواطنون في دولة؟). هذا يشير إلى عملية معقدة، سياسية وعقائدية واجتماعية في آن واحد، يتمكّن الناس من خلالها الظهور من جديد في حالة نضال، ليس كموضوع للسياسة البرجوازية، ولا «كجماعة متخيلة»، بل كمحالفة محتملة مناهضة للرأسمالية، مكوّنة من جميع الطبقات الاجتماعية التي تعتمد بشكل أو بآخر في تأمين عيشها على قوة عملها. كما يتضمن أيضاً أشكالاً جديدة لوحدة الشعب، خصوصاً ضد الانقسامات الناتجة من الطائفية والعنصرية والمناطقية.
ليست الكتلة الشعبية مجرد محالفة طبقية يسيرة التحقيق بل هي عملية معقّدة تبدأ بالعمل على تفكيك (كسر) كتل رأسمالية طائفية متموضعة في محالفة رأسمالية أعمّ (هي الطبقة السائدة المكونة من رأسماليي: المصارف، الاحتكارات التجارية والعقارية، الفساد والمافيا). كما أن تفكيك هذه الكتل الرأسمالية يبدأ بالضرورة من تفكيك الكتل الفكرية المرتبطة بها والمبررة لها، أي تفكيك الفكر الطائفي بجوهره الواحد وتنوعه المتعدّد (معركة الأفكار). ومن دون ذلك لا يمكن قيام محالفة طبقية بين الفئات الشعبية العمالية والفلاحية والفئات الوسطى وأفراد من ذوي المعرفة العلمية والمشاعر الإنسانية الطيبة.
إن الكتلة الشعبية بكونها هذا النمط من المحالفة الطبقية تنشأ بقدر ما تنجح القوى اليسارية والتغييرية في عملية سحب القواعد الشعبية من الهيمنة الفكرية لأطراف الطبقة السائدة، وجعل أعداد هذه القواعد المتزايدة باستمرار سيدة نفسها ومستقلة. وهذا ما لا تنجح به قوى التغيير إلاّ بقدر ما تفكك الكتلة الفكرية المرنة والمخادعة التي تخلق مقاومة الكتل الرأسمالية الطائفية.

خلاصة
إن عمليات الاعتصام والتحرّكات التي شهدتها عكار وطرابلس وجونية وعاليه والشوف وبعلبك (نستثني صيدا لخصوصية وضعية النائب أسامة سعد وتراث عائلته وحزبه) وتظاهرة الأحد الأخيرة كشفت الضعف الكبير لقوى الاعتراض وما من شكّ بأن جهود المنظمين انصبّت على قواعدهم الملتزمة أو الصديقة؛ ولم ينجحوا بالتالي في كسب ثقة الناس واستمالتهم. ولعلّهم لم يتمكّنوا من دعوة الناس بوسائل من خارج «الفيسبوك» و «الواتساب» والرسائل النصية أو الصوتية... ما يفرض ضرورة تغيير أشكال التحرّك وأدواته في الدعوة للمشاركة وإعطاء الوقت اللازم للقيام بأعمال التواصل المباشر، وعقد الندوات والمناقشات... هذه القراءة لا تقصد التقليل من قيمة التحرّكات بل تؤكد أهمية متابعتها وضرورة مشاركة الجميع فيها، إذ بات من المُلِحّ تعزيز النزعة إلى الرفض والاعتراض والضغط من أجل فرض التغيير وإسقاط هذا النظام. ولكننا في نفس الآن ندعو إلى أنماط جديدة ـــ قديمة في الممارسة النضالية، وذلك لا يكون بغير تنشيط الأداة السياسية (الأحزاب- المحالفة الحزبية)، وبغير ملء الشواغر في أدوات العمل النظرية والتطبيقية، وتوفير الوقت اللازم للقيام بالمهام العملية المطلوبة من قبل القواعد الحزبية والتنظيمية. كما يجب عدم الوقوع في أوهام تحقيق النصر سريعاً في هذه المعركة الشاقّة والطويلة. فالتغيير، عملية لا تقوم بها نخبة حزبية مهما كانت متفانية، بل تقوم بها الجموع الشعبية المقتنعة بضرورة التغيير والمستعدة للسير بها بقيادة المحالفة الحزبية الموثوقة من قبلها. وما لم تحصل هذه القناعة وهذه الثقة لدى الجماهير فمن العبث الكلام عن ثورة لإسقاط النظام و «تغيير هذه الدولة الفاشلة».
ثمة شروط أخرى لنجاح التغيير في لبنان مرتبطة بمواقف الكيانات اللبنانية السياسية ـــــ الطائفية، وكذلك بالوضع العربي عموماً والسوري خصوصاً. وهذا بحث آخر.
* استاذ جامعي