لا يتحمّل — أو لا يجب أن يتحمّل — فوّاز طرابلسي المسؤوليّة عن مضمون وأوزار كتاب «جورج البطل ـــــ أنا الشيوعي الوحيد»، دار المدى، 2018) ، مع أن غلاف الكتاب يحمل اسمه. طرابلسي هو جامع أو مُحرّر الكتاب الذي هو عبارة عن تسجيلات لأحاديث ومحاورات مع البطل، وإن كان الحوار في الكتاب نادراً. هذا التنويه ضروري لأن رواية القائد الشيوعي الراحل نمَّت عن عقليّة عنصريّة ذكوريّة وطبقيّة وطائفيّة وشابها مغالطات. القائد الشيوعي اللبناني يتذكّر تاريخَه وتاريخ الحزب وهو يتمتّع بذاكرة قويّة لكنه يفصح — عن قصد أو غير قصد — عن سلبيّات كثيرة في تجربة الحزب وقيادته وتحالفاته. ما يرد في الكتاب يسجّل إدانة قاطعة لمرحلة هامّة وطويلة في تاريخ الحزب الشيوعي اللبناني. والحزب الشيوعي اللبناني لم يكتب تاريخُه بعد (وأرشيفه قد يكون مفقوداً، كما يقول البطل)، ولا كُتب عنه تاريخ رسمي أم شبه رسمي بعد. وكتاب محمد دكروب الجميل عنه هو أشبه — على رومانسيّة الرواية — بسرديّة فولكلوريّة للحزب حازت على رضى القيادة. الكتاب الجديد يحوي الكثير عن مراحل مختلفة من تاريخ الحزب الشيوعي من دون أن يكون قد فصلَ في حقيقة ما جرى، لكن البطل يساهم في تأريخ مرحلة من نضالات الحزب.

هناك في الكتاب ما سيزعج الشيوعيّين المثاليّين الذين يؤمنون بالعقيدة والذين تربّوا على كتابات ماركسيّة، عالميّة أم محليّة (على ندرتها). هناك القليل في الكتاب عن العقيدة وعن الخلافات النظريّة وعن التثقيف الحزبي وهناك الكثير الكثير عن الخلافات والنزاعات والحزازات والأجنحة والشلل والتكتلات في داخل الحزب. يُصدم القارئ عندما يكتشف أن الخلافات الحزبيّة كانت في الغالب نزاعات حادة بين شلل وليس بين أجنحة نظريّة. وما يُسمّى بـ«القيادة التاريخيّة» للحزب الشيوعي ( أي قيادة نقولا الشاوي وجورج حاوي) كانت المُمسكة بكل مفاصل التنظيم والمُسيِّرة للعلاقات العامّة للحزب. هي التي نظَمت الولاء التام لموسكو في سنوات الحرب الباردة وهي التي أيضاً اختلقت — بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ـــــ سرديّة التمرّد على موسكو في سنوات الحرب الباردة عينها. أي أن سيرة الحزب خضعت لتكيّف مع متغيّرات السياسة، ومع متغيّرات تحالفات قيادة الحزب (أي الشلّة التي تمحورت حول قيادة جورج حاوي).

في موضوع الحرب الأهليّة ينكشف قصور الحزب ومسؤوليّته الكبرى في إهمال صعود اليمين اللبناني


يظهر في الكتاب أن الخيارات السياسيّة للحزب تحت قيادته التاريخيّة لم تحدْ عن توجّهات الاتحاد السوفياتي ولم تحدْ أيضاً عن حسابات خاطئة للحزب الشيوعي قبل وبعد اندلاع الحرب الأهليّة. الحزب الشيوعي اللبناني هو حزب ليبرالي إصلاحي، وليس هذا مذمّة به بقدر ما هو تصنيف لبرامج وشعارات ورهانات وأولويّات الحزب في مراحله المختلفة — وكما ترد في الكتاب نفسه. لقد تعرّض الحزب، مثل غيره من أحزاب اليسار وأحزاب القوميّة العربيّة والمقاومة الفلسطينيّة، إلى اضطهاد فظيع من قبل سلطات الأمن اللبنانيّة التي كانت، غالباً، تعمل لمصلحة المعسكر الغربي. وهذا المعسكر أدارَ منذ استقلال لبنان الرئاسات اللبنانيّة كلّها من دون استثناء وشنّ حرباً ضد الشيوعيّة والاشتراكيّة العربيّة. لكن قيادة الحزب الشيوعي اللبناني راهنت على العهود اللبنانية كافّة، متمنيّةً أن يعود عليها هذا الرهان بأقصى ما كانت تتمنّاه، أي التمثّل في داخل النظام اللبناني — في المجلس النيابي اللبناني (وكان هذا حلم جورج حاوي حتى النهاية). ولهذا، فإن مرحلة العسكرة التي فرضتها الحرب الأهليّة ناقضت التاريخ المعاصر للحزب وشكّلت تحديّاً للتثقيف الحزبي الداخلي. يعترف جورج البطل إن الحزب تردّد في العسكرة لعلمه أن ذلك سيقصي جيلاً من الشيوعيّين تربّى على فكرة التغيير الليبرالي الديموقراطي. كتب فرج الله الحلو في «صوت الشعب» في ١٦ شباط ١٩٤٤ («كتابات مختارة», ص. ١١١): «أجل إننا نؤيّد هذا العهد ونناضل من أجل توطيده ونجاحه». وبلغ تنظير المهادنة الشيوعي للنظام السياسي اللبناني أوجه في عهد فؤاد شهاب عندما روّجت قيادة الحزب لفكرة أن فؤاد شهاب ورشيد كرامي وصلا إلى «طريق القطع الكامل مع الرأسماليّة» (ص. ١٩٦). وهذا الرهان استمرّ حتى عهد سليمان فرنجيّة الذي حظي باستقبال حار من قبل قيادة الحزب الشيوعي اللبناني التي منحته تهنئة رسميّة (في الوقت الذي كان انتخاب فرنجيّة هو انتصار لفريق عتاة اليمين المدعوم من قبل المعسكر الغربي المناهض للشيوعيّة.) أما نسبة صنع القرار من قبل الاتحاد السوفياتي أو من قبل القيادة الداخليّة فهذا أمر لا يسهل الحكم فيه لغياب الصراحة في الروايات الحزبيّة، بما فيها هذه الرواية.

يعترف البطل أن حاوي «أعطى المسؤولين السوريّين كثيراً»

تكشف رواية البطل عن جوانب غير جميلة البتّة في تاريخ وفي توجّهات قيادة الحزب الشيوعيّة. يُدهش القارئ أن هناك طائفيّة في داخل هذا الحزب العلماني (والذي أهملَ مثل غيره من أحزاب اليسار حمل مشعل العلمنة الشاملة أو مصارحة القاعدة حول موقف الشيوعيّة الحقيقي من الدين). هناك نزعة طائفيّة ضد الشيعة عند المؤلّف، وهي تتكرّر في الرواية (يقابلها حرص محمود على مشاعر اليهود — بين كل الطوائف المذكورة). لكن المشكلة الطائفيّة في الحزب وردت في شهادة جورج حدّاد الذي تعرّض للطرد (من جملة من طُرد في الحزب) في عام ١٩٦٤، إذ يقول: «فلمّا علمَ صوايا صوايا بأنني عيّنتُ شيعيّاً أبدى اعتراضه واستاء كثيراً وأتحفني بتلك العبارة وهي: «يا رفيق، أكلونا الشيعة» (جورج حداد، «اليسار، الديموقراطيّة والعلمانيّة في المشرق العربي»، «الحوار المتمدّن»، ٢١ آب، ٢٠٠٤). وهذه العقليّة لا تغيب عن سرديّة البطل. هو مثلاً يستنكر أن الشيعة الذين تعلّموا في دول المعسكر الاشتراكي نبذوا الحزب الشيوعي (ص.٤١-٤٢)، كأن هؤلاء وحدهم هم الذين هجروا الحزب الذي باتت قيادات تاريخيّة فيه منخرطة في مشروع يميني رجعي تقوده المملكة السعوديّة. ويقول مادحاً فرج الله الحلو أن مارونيّته كانت «عنصراً أساسيّاً في تميّزه» (ص. ٥٧). لا ندري إذا كان البطل هنا يتحدّث في الجينات. ويتحدّث البطل عن معركة الفنادق (وهي لم تكن إلا معركة صدّ اجتياح كتائبي لبيروت الغربيّة) على أنها كانت من أجل «امتصاص غضب الشارع الإسلامي» (ص.٢٥٥)، ثم نلوم إعلام الغرب الذي كان يُدرج قوى اليسار تحت خانة القوى الإسلاميّة؟ ألم يكن اليسار العلماني يرد الاقتصاص من وحشيّة الكتائب أيضاً؟ وفي حديثه عن الشيعة في الحزب يبدو البطل منزعجاً منهم ويقول: «لعب الشيعة هنا دوراً أساسيّاً. وبدأت الصعوبات لأن دور إيران الجنوبي قد بدأ» (ص. ٢٧٦). وجهل البطل بالواقع الجنوبي والشيعي يدعه يظنّ أن إيران هي التي بنت حسينيّات في الجنوب وأن الحسينيّة هي «بدعة إيرانيّة» (ص. ٢٧٦) (يقول البطل إن لا علاقة للنجف بالحسينيّات مع أن الحسينيّات ظهرت في القرن التاسع عشر في العراق، وظهرت قبل ذلك في أنحاء مختلفة من العالم الإسلامي وبأسماء مختلفة). وينفر من صفة شيعيّة المقاومة ويذكّر بـ«أسماء مسيحيّة عدة من جميع المناطق». ويضيف «لكنهم شيّعوها».(ص. ٢٧٨). من هم هؤلاء؟ وفي صيغة مستقاة من النظام اللبناني الطائفي (الذي كان الحزب يعارضه) يقترح البطل أن يكون المنصب الثاني في الحزب لمسيحي إذا كان الأمين العام سنيّاً (ص. ٣٣٣). والموضوع الطائفي يلفته دوماً فيذكر عن ممثّلة مصريّة أنها «مسيحيّة قبطيّة» (ص. ٢٥٤).
والمؤلّف، وهو انتمى لعائلة ميسورة، لا يخفي احتقاره للطبقات الفقيرة في المجتمع وهو لا يتردّد في الحديث عن عائلات مرموقة وعائلات «ممتازة» (ص.٣٥٥) (أي ثريّة، طبعاً). ها هو يصف لنا مشهداً في الجزائر بعد التحرير: «صدمتني رؤية الثياب الملوّنة الفلاحيّة تتدلّى من الشرفات، وازدحام الشوارع والأزقّة بالأولاد الحفاة... وحزنتُ... كيف تتحوّل بسرعة مدينة بيضاء... ويطغى عليها المظهر الريفي» (ص.١١١). وعندما سأله حاوي عن مشاهدته في الجزائر قال له: «تصوّر أن الكرنتينا انتقلت إلى شارع الحمراء. وفعلاً حصل ذلك في شارع الحمراء وجواره عندما زحف سكان حزام الفقر، كما كنا نسميه، واحتلوا شوارع بيروت» (ص. ١١٢). ويتحدّث عن مشاهدته لذوي البشرة السوداء «بالكامل» للمرّة الأولى في أفريقيا كحدث يُسجّل، مع ملاحظته لـ «التخلّف» في غانا (ص. ١٢٧). وهو يزهو في زيارته للهند بالتقائه بـ «المجتمع المخملي الهندي» (ص. ١٨١). بأي مصطلح ماركسي يندرج وصف «المجتمع المخملي»؟ وهو يبدي حرصاً شديداً بنخبة طلاّبيّة طبقيّة (جبهة القوى الطلاّبيّة) ويقول عنها: «وكنتُ حريصاً على النوع من الطلاّب» (ص. ٢٥١) وهو يبذل جهداً لإثبات أن أمين المعلوف كان منتسباً إلى الحزب الشيوعي، فيما الأخير نفى ذلك أكثر من مرّة. وفي موقع آخر اعترض أن يكون موعده مع وليد جنبلاط في يوم أحد لأن جنبلاط يستقبل «النوَر» — بالحرف ـــــ في يوم الأحد (ص.٣٣٢). والموضوع النسوي غائب عن ذهن القائد الشيوعي المنشغل بالموضوع النسائي. معاكسة النساء، أي التحرّش بالنساء، ترد في معرض الطرائف في رواية البطل. يقول القائد الشيوعي: «أذكر مرة أني سكرتُ، وكانت واحدة أجنبيّة موجودة في الفندق تغالظتُ عليها قليلاً» (ص. ٣٩٠). لا ندري إذا كانت القهقهة هنا واجبة. ثم يروي عن جورج حاوي وكيف أنه افتتن «استثنائيّاً» بمرافقة كوبيّة في الستينيّات. وعاد بعد ١٤ عاماً كي يبحث عنها وقال: «قلبتُ الدنيا رأساً على عقب ولكنني صدمتُ صدمة هائلة عندما شاهدتها وقد أصبحت سمينة جداً وفاقدة لكل ما كنتُ أتصوّره فيها من جمال» (ص. ١٣٢). من المنطقي ألا يبحث الكتاب في موضوع غياب النساء عن قيادة الحزب التاريخي. أما في المواضيع السياسيّة فيكشف البطل عن الكثير مما كنّا لا ندركه أو ما كنّا لا نفهمه. فموضوع إذلال فرج الله الحلو يتضح أنه كان على يد رفاقه أكثر مما كان على يد الاتحاد السوفياتي. رفاق الحلو اللبنانيّين هم الذين أمعنوا في إذلاله وإهانته (ص. ٥٦). وحتى تسليم الحلو لسلطات نظام الوحدة، فقد كان نتيجة خيانة رفيقه وحارسه له (ص. ٩٩). وفصلُ جورج حاوي من الحزب واتهامه بالعمل لمصلحة الاستخبارات الأميركيّة كانت نتيجة وشاية من رفاق له في بيروت. والكتاب يتضمّن الكثير عن نزاعات وصراعات الشيوعيّين، وهذه الصراعات كانت في أغلبها ذات منحى شخصي غير سياسي أو عقائدي. والقيادة التي حكمت الحزب لم تكن في وارد إشراك الأعضاء في صنع القرار، أو في الحرص على استقلاليّة من موسكو. هي والت ستالين في عهده، ثم نبذته عندما نبذته القيادة السوفياتيّة، ثم عادت إليه بعد سقوط خروتشوف. والذين طُردوا في حملة ١٩٦٤ أتهموا يومها بالماويّة (أي بالخروج على طاعة موسكو) ثم اتهموا في السنوات الأخيرة بأنهم والوا موسكو. يعترف جورج حاوي بسلطة الأمين العام الديكتاتوريّة، في عهد الشاوي وفي عهده هو. الشلّة النافذة تتخذ ما تشاء من القرارات بالتنسيق الكامل مع مندوبي موسكو في بيروت. يعترف البطل أنه طرد أحمد الحسيني من الحزب لأن الأخير قال في اجتماع حزبي «روحوا بلّطوا البحر» (ص. ١٩١). وفي موضوع الحرب الأهليّة ينكشف قصور الحزب ومسؤوليّته الكبرى في إهمال صعود اليمين اللبناني، وفي هزال المواجهة ضدّه. ليس أن الحزب فشل في قراءة الوضع السياسي الإقليمي ـــــ العالمي وانعكاسه على لبنان، بل إن الحزب لم يكن حتى يقوى على إجراء قراءة ماركسيّة للبورجوازيّة اللبنانيّة. يعترف البطل أن قيادة الحزب لم تكن تتوقّع الحرب ولم تكن تتوقّع إطالة أمدها، لأن التحليل (غير الماركسي) للقيادة كان مفاده أن البورجوازيّة اللبنانيّة هي «أذكى» من أن تشعل الحرب (ص. ٢٤٨). أي أن الحزب كان جاهلاً بالدور الوظيفي للبورجوازيّة اللبنانيّة، وافترض أنها مستقلّة بذاتها (لكن البطل يعترف بندرة القراءة عند قادة الحزب — بمن فيهم حاوي — ويضيف أن كريم مروّة «كانت لديه مشكلة في العيون، فعانى من صعوبة في القراءة فصار آخرون يقومون بالقراءة له» (ص. ١٨٣). ويعترف البطل أن الحزب الشيوعي فضّل قيادة ياسر عرفات اليمينيّة على كل فصائل اليسار الفلسطيني (مع أن التدريبات الأولى للحزب شاركت فيها منظمّة «الصاعقة» الموالية للنظام السوري (ص. ٢٤١).)
يبالغ البطل في تقدير حجم ودور مقاومة الحزب العسكريّة


ويبدو أن البطل حسم موضوع اغتيالات الشيوعيّين في الثمانينيّات. وهذا الموضوع بات وقوداً في معارك اليمين الرجعي الانتهازي الذي يستغلّ أية قضيّة ضد حزب الله لتأليب قطاعات مختلفة من الرأي العام ضدّه. وأدبيّات وإعلام ١٤ آذار كانت حاسمة منذ خروج الجيش السوري من لبنان في تحميل حزب الله المسؤوليّة كاملة عن هذه الاغتيالات. لكن ليست هذه رواية البطل. يلقي البطل باللوم على حركة «أمل» ثم على الاستخبارات السوريّة في لبنان (من غير أن يوضّح سبب استهداف الأخيرة للحزب بما أنه يفصّل العلاقة الوثيقة التي جمعت بين قيادة الحزب وبين النظام السوري، الذي كان يرسل مندوبين عنده لاحتفالات الحزب). يقول عن «أمل»: «وقعت مجازر بيننا وبين حركة أمل العام ١٩٧٨» (ص. ٢٧٦)، و «أصبحوا يضيّقون علينا حتى في بيروت، يزعجوننا ويعتدون على مراكزنا» (ص.٢٨١). يضيف البطل: «لم يشارك حزب الله في الحرب الأهليّة في تلك الفترة بسبب انشغاله بخطف أشخاص لمصلحة الاستخبارات الإيرانيّة» (ص. ٢٨٣)، ثم يقول: «ليس حزب الله الذي قتلنا فلا ثأر بيننا» (ص. ٢٨٥). هذه الشهادة الحاسمة من قيادي في الحزب لن تفي بالغرض لأن أعداء حزب الله الذين يريدون تقويض سمعة الحزب بين الذين يؤيّدون المقاومة ضد إسرائيل سيصرّون على أن الحزب هو المسؤول.
ليست رواية البطل عن علاقة الحزب مع النظام السوري مقنعة بتاتاً. هي نموذج عن الديالكتيك غير المقصود: التحالف والصراع — بحسب التناقض الوارد في الكتاب. لقد فوجئتُ مثلاً بتفاصيل التحالف الوثيق بين الطرفيْن. كان قادة الحزب مثلاً لا يسافرون إلا عبر الخط العسكري (لم يتعرّض البطل إلى مضايقات على الحدود إلاّ في المرتيْن اللتيْن مرَّ فيهما على الخط العادي). تقرأ في الكتاب عن وجود مكتب خاص بالحزب في دمشق لتنسيق العلاقة، كما تقرأ عن اجتماعات قمّة بين حاوي وبين حافظ الأسد. يعترف البطل أن حاوي «أعطى المسؤولين السوريّين كثيراً» (ص. ٣١٥)، أي أن الاعتراض على موقف النظام كان في الخذلان، أو في عدم مكافأة النظام للحزب في تأييده للنظام. يقول البطل: «كنا دائماً نميّز سورية». والحزب انتقل من التحالف مع صلاح جديد إلى التحالف مع حافظ الأسد بعد استيلاء الأخير على السلطة. ويعترف البطل أن الحزب كان ضد معاداة كمال جنبلاط للنظام السوري (ص. ٢٦١). العتب الأساسي هو في عدم توزير أو دعم مرشحي الحزب للنيابة. وينوّه الكاتب بتحالف الحزب مع النظام السوري لكنه يميّز حزبه بالقول إنهم لم يرتموا في أحضان النظام — من دون أن يشرح الفارق بين الاثنيْن (ص. ٢٧٣).


ويعترف البطل بعلاقة وثيقة مع نظام صدّام حسين، إذ يقول: «جاءت المبالغ الأولى المنتظمة من العراقيّين الذين أرسلوا المساعدات من دون منّة»، أما النظام الليبي فـ «تأخّر الليبيّون في التكرّم علينا».(ص. ٢٥٧). وفيما لا يجد البطل غضاضة من التحالف مع أنظمة عربيّة استبداديّة نكّلت بالشيوعيّين في سنوات تحالف الحزب الشيوعي اللبناني معهم، فإنه يستثني النظام الناصري من ودّه ويركّز على قمعه للشيوعيّين كأن ذلك يُقارَن بالقمع البعثي للشيوعيّين ولغيرهم. لكن حكم الكاتب على نظام عبد الناصر يأخذ منحى هزليّاً عندما يقيّم تأميم قناة السويس — أي أكبر تحدّ عربي للاستعمار الغربي — هكذا: «كان فشة خلق» (ص. ٣٧١). والمعركة التي خاضها عبد الناصر ضد قوى الرجعيّة والاستعمار الغربي لم تلفتْ البطل.
يبالغ البطل في تقدير حجم ودور مقاومة الحزب العسكريّة. والبطل يعترف أن الحزب لم يكن يوماً حزباً ثوريّاً مقاتلاً. وفيما كان «حزب الكتائب» قد شكّل قوى كوماندوس ابتداء من العام ١٩٦٦، فإن الحزب الشيوعي بقي على تردّده في خوض الحرب التي شنّها — ضدّه وضد حلفائه — حزب الكتائب وبقية ميلشيات إسرائيل في لبنان. يقول البطل: «حصل ما خشيناه حول عسكرة الحزب» (ص. ٢٥٠) كأن العسكرة كانت خيار ترف. وتحدّث عن خروج عدد كبير من الأعضاء بسبب الانخراط في الحرب لأن الحزب لم يكن يعدّ أعضاءه لغير النصر النيابي المبين. وبعد لأي طلع جورج حاوي بشعار «الرد على عنف الرجعيّة بالعنف الثوري» (ص. ٢٤٦) أي ترك زمام المبادرة بيد الأعداء، وهكذا كان. يتحدّث البطل بمبالغة شديدة عن دور «الحرس الشعبي» في الجنوب. وينكر على حزب الله دوره في عمليّات المقاومة فيقول: «ولم يشارك حينها (في الثمانينيّات) في عمليّات المقاومة إلا الكبيرة المركّبة» (ص. ٢٨٣) كأن الكبيرة المركّبة لم تلعب الدور الأبرز في إخراج قوّات الاحتلال من أرضنا. ويزعم أن الحزب الشيوعي قام بعمليّات المقاومة قبل أن ينشأ حزب الله الذي «كان حينها مشغولاً بالأميركيّين والخطف في بيروت» (ص. ٢٧٨) كأن الحزب لم يكن يقوم بالاثنيْن معاً. لكن يعترف البطل على مضض بالعامل الذاتي في تراجع دور الشيوعيّين في المقاومة إذ يقول: «لكننا تراجعنا لأنه لم تعد هناك حماسة عند الشيوعيّين الذين دخلوا في حالة من الإحباط الشديد» (ص. ٤١١)، وهذا العامل قلّما يرد في تاريخ تلك المرحلة عندما انسحب آلاف من الشيوعيّين في الجنوب وفي غيرها من العمل السياسي، وبعض هؤلاء عاد وانخرط في حركات رجعيّة طائفيّة (سنيّة أو شيعيّة). لكنه يزعم أن «حزب الله منعنا» (ص. ٤١١). لم يقدّم بعد أي شيوعي دليلاً واحداً عن موقعة أو مكان مُنع فيه الشيوعيّون من القيام بأعمال مقاومة. هل كانت الساحة في الجنوب في ٢٠٠٦ مثلاً محرّمة على الشيوعيّين الذين أرادوا المشاركة في مقاومة العدوان؟
إن هذه الشهادة تفيد في رسم صورة من تاريخ الحزب لكنها تبقى شهادة منقوصة. شهادة جورج حداد (المطرود) ستصدر في كتاب في هذا العام, وستساهم — مع غيرها من الشهادات — في كتابة تاريخ موثوق للحزب.
* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)