تسلّم عادل عبد المهدي مهامه كرئيس لمجلس الوزراء يوم 25 تشرين الأول الماضي، وحتى اليوم لم يكتمل التصويت على وزراء حكومته المتبقين. خلال هذه الفترة ظل الرجل يراوح مرتبكاً في تنفيذ برنامجه المعلن والتفصيلي، ولكنه بدأ بتقديم عدد من التنازلات للقيادات الكردية في الإقليم كالموافقة على دفع مخصصات مالية لأكثر من أربعين ألف منتسب في القوات الكردية «البيشمركة»، غير الخاضعة لإمرة القيادة العامة العراقية العليا، والتي رفض رؤساء الوزراء السابقون الموافقة على دفعها. كما سُربت أنباء عن موافقته على إعادة مناطق مختلطة سكانياً كانت تحت سيطرة قوات «البيشمركة» واستعادتها القوات العراقية في عهد سلفه حيدر العبادي في شهر تشرين الأول من العام الماضي، ومنها قضاء سنجار الذي ستعود إليه إدارته القديمة المدعومة من الحزب الديموقراطي الكردستاني كما قالت وسائل الإعلام الكردية. ومعروف أن الانسحاب المفاجئ لتلك الإدارة وقواتها من القضاء وسيطرة مسلحي «داعش» عليه سبباً في وقوع المأساة الفظيعة التي حدثت لسكانه.

خلال الفترة الماضية، واصل عبد المهدي تبشيره بالخطوط العريضة لبرنامجه الحكومي «الآخر» غير المعلن، أو المعلن عنه بكثير من الغموض والضبابية عبر خطاباته ومحاضراته حول ما يروم القيام به على صعيد الاقتصاد. ويقوم أساساً على التبشير بفضائل وإيجابيات القطاع الخاص والاستثمارات الأجنبية، والتلميح للتخلص مما بقي من مؤسسات القطاع العام الذي تُرِكَ معظمه ليصدأ وعماله ليدخلوا ضمن جيوش المعطلين من العمل أو ليتسلموا رواتب ضئيلة من دون عمل يؤدونه. إنَّ واقع القطاع العام والصناعة العراقية المدمَرة، لم يبدأ مع وصول عبد المهدي إلى رئاسة الحكومة، والحق يقال، بل بدأ مع أول حكومة شكّلت في عهد الاحتلال الأميركي للعراق، وكان عبد المهدي وزيراً لماليتها فنائباً لرئيس الجمهورية. من الواضح أن مهمة رئيس الوزراء الجديد الحقيقية اليوم هي التخلص مما يسميه أنصاره «كومة الخردة الخاسرة»، والتي كلف بناؤها العراق ثروات طائلة وجهود هائلة طوال عقود مضت من دون أن يتجرأوا على تسمية الطرف الذي تركها تتحوّل إلى «خردة صدئة»! لقد كان تدمير الصناعة العراقية مشهداً واحداً من مشاهد فيلم أميركي طويل بدأ عام 2003، وهو مستمر بتدمير الصناعة والزراعة والتعليم والجيش حتى أصبح العراق اليوم مستورداً لكل شيء بدءاً من الفجل وليس انتهاء برصاص البنادق.
عبد المهدي، وفي خضم ترويجه للاستثمارات الأجنبية المنفلتة وخصخصة القطاع العام، كان قد طرح فكرة غريبة يوم كان وزيراً للنفط قبل عامين تقريباً، يفهم منها أنه يعتبر الفساد الشامل الذي ينخر مؤسسات الدولة عاملاً إيجابياً يجذب المستثمرين الأجانب ويغريهم بدخول السوق، لأن الفساد - بحسب رأيه - يضمن لهم وفرة كبيرة في الأرباح. فقد قال في خطابه أمام المؤتمر الدولي الأول للطاقة والاستثمارات وبالحرف الواحد «إنَّ الحسابات والأمور التي هي، إذا صحَّ التعبير، نوع من الفساد تعتبر نوعاً من الرخصة التي تحقق من خلالها الكثير من المشاريع نوعاً من الامتيازات والتفضيلات».
على الأرض، تداولت وسائل الإعلام العراقية أخباراً عن قرارات حكومية لخصخصة عدد من شركات القطاع العام التي استمرت بالعمل، اثنتان منها لصنع اللوازم والمعدات الكهربائية هما شركتا «سومر» و«أور». علماً أن هاتين الشركتين هما من الشركات الرابحة وقد نالتا شهادات جودة عالمية من نوع «أيزو» (lso 9001).
على صعيد قرارات خصخصة الكهرباء إنتاجاً وتوزيعاً وجباية، والتي صدرت في عهد سلفه حيدر العبادي، فقد جوبهت هذه القرارات برفض شعبي سلمي قوي، أجبر بعض المجالس المحلية المنتخبة على رفض تطبيقها. حدث ذلك مثلاً في محافظة ذي قار الجنوبية التي أصدر مجلسها المحلي قراراً رافضاً لتطبيقها. ورداً على ذلك رفعت وزارة الكهرباء شكوى ضد مجلس ذي قار لدى المحكمة الاتحادية العليا، أعلى سلطة قضائية ودستورية في البلاد، وقد حكمت المحكمة برد الدعوى فاعتُبِرَ قرار مجلس ذي قار برفض خصخصة الكهرباء نافذاً وصحيحاً، وهذا يعني أنه أصبح قابلاً للتطبيق في محافظات أخرى!
أما بالنسبة للنفط والغاز، فإن «قانون شركة النفط الوطنية» الذي كان عبد المهدي من مهندسيه وعرابيه إلى جانب إبراهيم بحر العلوم، وزير النفط في الحكومة المؤقتة التي شكلها الحاكم المدني الأميركي بول بريمر عام 2005، ومعهما رئيس اللجنة النيابية المالية في مجلس النواب منتهي العهدة عدنان الجنابي، لا يزال تنفيذه يراوح مكانه، على رغم الإجراءات الفردية التي اتخذها وزير النفط السابق جبار لعيبي قبل أيام قليلة من انتهاء مهامه، حيث عيَّن نفسه مديراً للشركة المذكورة بقرار شخصي منه، ثم اتخذ عدة قرارات أخرى فصل بموجبها ثماني شركات عامة تابعة لوزارة النفط وألحقها بـ«شركته الوطنية». ولكن قرارات لعيبي العجيبة هذه جوبهت برفض قوي - حتى من قبل عبد المهدي نفسه - جعله يتراجع عن بعضها ويبقي على قرار تعينيه رئيسها للشركة. وقد أصبح هذا القانون الذي أقر بطريقة مريبة وغريبة موضوعاً للتقاضي أمام الحكمة الاتحادية العليا بعد أن قدم عدد من خبراء النفط العراقيين الوطنيين المستقلين دعوى طعن ضده، ولم يصدر الحكم القضائي بهذا الخصوص حتى الآن.
كما أن رئيس الجمهورية الجديد، برهم صالح، وعلى رغم أن منصبه فخري وقليل الصلاحيات، ولكنه يعتبر من الناحية الدستورية جزءاً من السلطة التنفيذية، بدأ القيام بدور تمهيدي يصب في مصلحة برنامج عبد المهدي المقتبس عن الفيلم الأميركي الطويل. ففي أول زيارة له إلى دول الإقليم، وكانت إلى دولة الكويت، صرح صالح بضرورة «العمل على انطلاق مشاريع كثيرة مع دولة الكويت» وخص منها بالذكر «مشاريع السكك الحديدية التي تربط الكويت بالعراق».
إنَّ قصة مشاريع الربط السككي بين الكويت والعراق لها خصوصيتها وأهميتها وعلاقتها بموضوع السيادة. فمن المعروف أنَّ المطلب الكويتي القديم بربطها بواسطة السكك الحديدية مع العراق، يعني على أرض الواقع ربط مينائها الضخم («ميناء مبارك») الذي لم يكتمل إنجازه بعد في خور عبد الله، مقابل ميناء الفاو الكبير العراقي والذي يتلكأ إنجازه هو الآخر، بما يسمى «القناة الجافة العراقية»، والمقصود بها شبكة خطوط السكك الحديدية العراقية الرابطة بين جنوب العراق وسوريا وتركيا فأوروبا. أي إنَّ الكويت تريد إنعاش مينائها والقضاء على ميناء الفاو العراقي عبر إجبار العراق على منحها الربط السككي مع القناة الجافة. فماذا عن تفاصيل هذا الموضوع؟

واقع القطاع العام والصناعة المدمَرة لم يبدأ مع وصول عبد المهدي إلى رئاسة الحكومة


بدأت الكويت بناء ميناء «مبارك الكبير» في خور عبد الله، هو عبارة عن قناة مائية بين العراق والكويت يستعملها العراق للنقل البحري بسبب قصر سواحله البحرية التي لا تتجاوز 58 كيلومتراً، ولم تستعمله الكويت لا ماضياً ولا حاضراً نظراً لطول سواحلها البحرية. وقد تركت الكويت سواحلها الطويلة هذه وبدأت في إنشاء مينائها في نقطة خانقة للعراق، حتى ضاق الممر في الخور كثيراً، وسيضيق أكثر مع تقدم بناء الميناء، ما جعل من الصعب جداً على السفن القادمة والمنطلقة من العراق المرور عبره. لقد تسبب هذا الوضع بوقوع كارثة غرق سفينة «المسبار» العراقية في 19 آب 2017 وتوفي في الحادث عشرون بحاراً عراقياً.
إنَّ ميناء مبارك الكويتي ليس منافساً طبيعياً لميناء الفاو العراقي، بل هو خطر يتهدده. وفي حال موافقة العراق على مشروع الربط السككي مع الكويت سيموت ميناء الفاو تلقائياً ولا تعود ثمة حاجة إليه، وينتعش ميناء مبارك ويتحول إلى ميناء عالمي وفق المخطط الأميركي الذي سنتوقف عنده بعد قليل، وهكذا سيتحول العراق إلى ممر للقطارات الكويتية المتجهة من الميناء الكويتي إلى الشمال عبر العراق.
معلوم أنَّ وزير النقل العراقي الأسبق، عامر عبد الجبار، رفض وتحفظ على مشروع الربط السككي مع الكويت عدة مرات، حتى أقيل من منصبه وحل محله هادي العامري في 21 كانون الأول 2010، فوافق - العامري- على الطلب الكويتي برفع التحفظ العراقي على الربط السككي فور تعيينه.
كان عامر عبد الجبار، وزير النقل العراقي من عام 2008 وحتى عام 2010، قد كشف أمام الرأي العام تفاصيل هذا الموضوع في لقاءات صحافية وتلفزيونية عدة، أكد في واحد منها أنَّ ميناء مبارك الكويتي قد أقيم بأجندة أميركية لا كويتية. وذكر في لقاء أجرته معه صحيفة «البينة الجديدة» البغدادية في نيسان 2014 الآتي: «كانت لي مناظرة مع خبير كويتي، وقلت له: إن ميناء مبارك أنشئ بأجندة خارجية، فطلب مني الدليل. والدليل هو أنني كنت مديراً عاماً في وزارة النفط في عام 2007، وكان هناك أمر ديواني بتفريغي ليوم واحد في الأسبوع لتقديم استشارات مع المشرف العام على المطارات والموانئ في مكتب رئيس الوزراء، فجاء موظفو السفارة الأميركية، وقالوا: هناك مشروع تريد الكويت عرضه عليكم، فطلب مني رئيس الوزراء معرفة نوع المشروع وإيجابيته وسلبياته، فجلست مع الفريق الهندسي الأميركي، وقالوا لنا: إن الكويت تعرض عليكم تأهيل ميناء أم قصر على حسابها الخاص، مقابل أن يكتب العراق تعهداً بعدم إنشاء ميناء الفاو إلا بعد خمس سنوات، فقلت لرئيس الوفد: إنَّ الكويت دولة عربية، ولنا معها سفارة وعلاقتنا طيبة، فلماذا لم يعرضوا المشروع مباشرة علينا، وقاموا بإدخال الجانب الأميركي. وأجبته: إن هذا المشروع لن نوافق عليه جملة وتفصيلاً، وميناء الفاو مهم جداً لدينا، وسوف نربطه بالقناة الجافة الموصلة إلى أوروبا. وفي عام 2007 شكّل العراق لجنة لمناقشة الأضرار المترتبة على إنشاء ميناء مبارك في جزيرة بوبيان، فخرجت اللجنة بنتيجة هي: لا توجد مشكلة من إنشاء الميناء، بشرط أن يسرع العراق في إنشاء ميناء الفاو، وفي عام 2008 وخلال عملي في مكتب رئيس الوزراء، وجدت إحدى الشخصيات السياسية العراقية يقول له: نحن ماذا نصنع بميناء الفاو، حيث أنَّ أرضه ملحية واستملاك، فلماذا لا نقوم بإلغائه، بينما الكويت سوف تبني ميناء في جزيرة بوبيان ونحن نعطي للكويت ربطاً سككياً ويصبح ميناء كويتياً للبضائع العراقية، فطلب مني رئيس الوزراء - نوري المالكي - إبداء رأيي في الموضوع، فقلت له هذه جريمة بحق العراق وأحضرت خريطة ووضعتها على مكتب رئيس الوزراء وشرحت له أهمية ميناء الفاو وخطورة إعطاء ربط سككي للكويت، فالتفت رئيس الوزراء إلى هذا السياسي وقال له: هل تريد أن توهمني، فما دمت أنا رئيس وزراء، فيجب إنشاء ميناء الفاو ولن أعطي ربطاً سككياً للكويت».
إنَّ الخلاصة التي يجب الوقف عندها والتفكير بها ملياً هي أنَّ زيارة برهم صالح وإعلانه عن ضرورة انطلاق المشاريع، خصوصاً في مجال السكك الحديدية، هو جزء من حزمة المشاريع والأوامر الأميركية التي يجب على حكومة عبد المهدي تنفيذها، وأن برهم صالح يقوم بدور تمهيدي لما سيقوم به عبد المهدي لاحقاً. إن الموقف الوطني، وفي الحد الأدنى، يجب أن يؤكد على الثابت الآتي وتحويله إلى قرار أو قانون برلماني: وجوب رفض الربط السككي الذي تطالب به الكويت بدعم أميركي قبل إنجاز ميناء الفاو الكبير، الذي يجب الإسراع في إنجازه ومحاسبة المعرقلين، وحين يبدأ الميناء العراقي العمل، ويتم ربطه سككاً مع محطة ربيعة والخط السككي الدولي مع سوريا وتركيا وأوروبا يمكن التفاوض مع الكويت على كل شيء بهدف رفع الإجحاف الذي لحق بالعراق وأجبر على التنازل عن جزء من أراضيه في أم قصر وفي طلته البحرية الصغيرة بسبب قرارات الأمم المتحدة الجائرة والتي فرضت من دول العدوان على العراق الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا.
إنَّ أي تهاون في أداء هذه المهمة واتخاذ هذا الموقف سيكون، كما قال الوزير السابق عامر عبد الجبار، جريمة بحق العراق والعراقيين، وخنقاً لهذا البلد المهم والذي عانى الكثير. وستتحمل حكومة عبد المهدي والرئاسات والمؤسسات المتعاونة معها ضمن السلطات التنفيذية والتشريعية مسؤولية هذا الإجراء الخطير. إنَّ حكومة عبد المهدي، حتى لو أبرمت هذه الصفقة التي ستقضي على ميناء الفاو وتستبيح العراق من أقصاه إلى أدناه عبر القناة السككية الجافة، فالمتوقع بكل تأكيد هو أنَّ المواطنين سيرفضون تحويل بلادهم إلى ممر لقطارات دولة الكويت أو أية دولة أخرى، وسيتعاملون مباشرة مع تلك القطارات ويمنعونها من المرور بطرقهم الخاصة والتي تدخل في باب الدفاع عن النفس والسيادة الوطنية.
* كاتب عراقي